لم يعد مغاربة الخارج قوة مهاجرة تلَخَّص في المساهمة الاقتصادية العالية لجزء من أبناء الوطن، بل تعدى وضعهم الاعتباري هذه النظرة المحدودة إلى كيان حضاري حقيقي، متعدد الوجود والمساهمة.

فمغاربة الخارج اليوم، بلغوا مراكز القرار في العديد من البلدان المتقدمة سياسيا ومؤسساتيا، كما أن شبابهم ونساءهم أصبحوا طاقة حضارية حقيقية في تحريك اقتصاديات هذه البلدان ومراكز البحث فيها وفي المجالات التي تستوجب ذكاء جماعيا وقدرة على الانتماء والمشاركة في صنع الوجه الجديد للدول المتقدمة.

مغاربة الخارج هم أيضا قوة اقتراح حضارية، بما يمثلونه من نموذج سليم في الانصهار في الدول المضيفة، مع الحفاظ على ثوابتهم الروحية والدينية والوطنية، وهم بديناميتهم وتعايشهم مع قيم الحضارات التي يعيشون في خضمها، يقدمون صيغة حية ودينامية لقدرة الشعوب المسلمة على مجاورة الحضارات، بعيدا عن خطابات التعصب والتطرف والقتل، وبعيدا عن أي نزعة انطوائية أو مرضية تتجاهل الآخر وتعيش على أساس الصراع معه.

وعندما يحتفل المغرب باليوم الوطني للمهاجر، الذي أقره جلالة الملك محمد السادس وحدد تاريخه في 10 غشت من كل سنة، فإن الاحتفال لا يجب أن يقف عند مناسبة سنوية تمكن كل المتدخلين من تقييم السياسات المتبعة تجاه أبنائها المقيمين والعاملين في المهجر، بل لا بد من أن يجعل منه مناسبة لدعوة كل الفاعلين إلى النهوض بقضايا الهجرة والمهاجرين.

لقد أضحى مغاربة العالم في كل بقاع المعمور يلعبون دورا كبيرا ومهما في بلدان الاستقبال والإقامة، ويساهمون كفاعلين سواء في مجالات الاقتصاد والسياسة والإعلام والثقافة ،في الدفع بعجلة التنمية.

ومن هذه الزاوية الواسعة والعميقة يجب تقييم الأداء الحكومي والسياسات العمومية وتقييم مدى قدرة المسؤولين في الجهاز التنفيذي على استيعاب الطاقة الهائلة التي يمثلها المغاربة في المهجر، مغاربة العالم الواسع والفسيح، وتقييم قدرتهم أيضا على التفاعل مع هذا الكيان الحضاري الرفيع الذي يمثلونه. والظاهر أن النظرة الحكومية لم تتجاوز الحد الأدنى من التفاعل مع القضايا التي يطرحونها، وما زالت تحتمي بالبعد التقني والمالي الصرف في تقديرها ووزنها، وهو حد أدنى لا تاريخي ودون المستوى المطلوب في السياسات العمومية في علاقتها بمغاربة العالم».

     *الخميس 11 غشت 2016.

رسالة الاتحاد