زار المغرب، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، المثقف والمناضل البولوني، آدم ميخنىيك، ومن بين ما قال لي، في حوار معه، أن البلدان الحديثة العهد بالديمقراطية، مازالت في حاجة إلى وقت طويل لتتعلم السياسة، واعتبر أن هناك ممارسة قد تسمى بالديمقراطية المتوحشة، حيث مازالت تجربتها في حاجة إلى الصقل والتهذيب والعقلنة.

واستشهد في ذلك بأحد تصريحات الرئيس التشيكوسلوفاكي السابق، فاكلاف هافل، حول إمكانية دخول بلاده في السباق النووي. فهاتفه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، الذي أخذ الأمر بكل جدية، متسائلا حول نوايا براغ في مجال التسلّح النووي، فأجابه هافل، المثقف والكاتب المسرحي الكبير، بأن الأمر يتعلق بتعبير مجازي فقط.

تفترض السياسة والكتابة فيها والحديث عنها، الوضوح والابتعاد عن الغموض، و استعمال لغة دقيقة وتعبيرات مباشرة، وهو ما يفتقد في بعض الأحيان، عندما يسود أسلوب الخواطر، في الكتابة، والذي يحتمل أكثر من تأويل، يغلب عليه الطابع «الحميمي»، ويلجأ لتعبير وجداني، لا يوافق الواقعية، التي هي عنوان السياسة.

وقد ساعدت الشبكات الاجتماعية، هذا التوجه لدى البعض، حيث سهلت هذا النوع من الكتابة «الانفعالية»، السريعة والآنيّة، مما عمق الغموض، وساهم في ضبابية المواقف، بدل وضوحها.

كثيرا ما يضر كل هذا بالسياسة، التي تتطلب التعبير بكل وضوح ودقة عن المواقف، في الوقت الذي يلجأ فيه بعض محترفي «المجاز السياسي»، إلى تعويم الرأي وإغراقه في الأشواق والذكريات والإخوانيات. بينما تحتاج القضايا المطروحة والطموحات الشخصية، التموقع بكل شفافية وشجاعة في الجهة التي تم اختيارها، بكل وعي وعن سبق إصرار.

لا مجال في السياسة، لموقف وسط، خاصة عندما يتعلق الأمر باختيار التمترس مع جهة إيديولوجية معلومة، رغم أن الكتابة «الخواطرية»، تقوم عمليا بخلط الأوراق، في إطار منهجها «الحميمي».

من قبيل هذا المنهج، كتابات «انطباعية»، تخفف من وقع التوجه الذي يعبر عنه بعض المحسوبين على اليسار، والذين يتماهون عمليا مع التيار الرجعي، بحجج مختلفة، وبإحالات مرجعية، لا تحتمل ذلك، مثل الحديث عن الشهداء والتاريخ النضالي، بأسلوب لا يمكن إلا أن يثير الدهشة، علما أن موقع هذا التاريخ يوجد في ضفة مناقضة تماما للرجعية، لكن خطر التعبيرات المجازية، أنه يمكنها تسويغ الانتهازية للتهرب من المحاسبة، التي تفرضها المسؤولية.

   *الخميس 11 غشت 2016.

بالفصيح