بعد أن وضعت حرب الخطابات والمواقف و الاراء , حول القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة ,  أوزارها وقامت بإحصاء ضحاياها و منتصريها .

و بعدما ان قال ممثلو الأمة  كلمتهم التي لا راد لها , يحق الآن الانتقال من مرحلة التعبير عن الآراء الشخصية حول مفهوم استقلال القضاء ، إلى مرحلة دراسة المقتضيات القانونية التي سنها القانونين التنظيمين و الانضباط لها باعتبارها تعبر عن ارادة الامة المغربية.

والقراء الأولى تدفع إلى طرح الاسئلة التالية التي تفرض نفسها على المطلع على القواعد القانونية المنظمة في القانون  التنظيمي و هي:

1-من سيوقع ظهير تعيين الوكيل العام لمحكمة النقض ?

2-لماذا لم يشترط القانون التنظيمي ان يكون تعيين كل من رئيس محكمة النقض والوكيل العام من بين القضاة ?.

سنحاول أن نلامس ما حملته مقتضيات القانون التنظيمي للسلطة القضائية في علاقتها مع ما ينص عليه الدستور لنرى مدى التطابق أو عدم التطابق بين القانون الاسمى اي الدستور، والقانون التنظيمي. مستحضرين رأي فقهاء القانون الدستوري الذي يقول بأن القانون التنظيمي هو قانون مكمل للدستور اي انه يمكن ان ينص على قاعدة قانونية تكمل قاعدة دستورية. لكن لا أحد في هؤلاء الفقهاء يقول بأن القانون التنظيمي يمكن أن يكون متناقضا مع الدستور.

بخصوص من سيوقع على ظهير تعيين الوكيل العام لمحكمة النقض، السؤال يفرضه ما تنص عليه المادة 22 من  القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة التي ورد فيها  ما يلي:

“يعين الملك للرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لديها لمدة (5) “خمس سوات قابلة للتجديد مرة واحدة، غير أنه يمكن وضع حد لهذا التعيين “قبل انتهاء المدة المذكورة.

“يرتب كل من الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لديها خارج “الدرجة، ويحتفظ بهذا الترتيب بعد انتهاء مهامها.

أنه إذا كان تعيين رئيس محكمة النقض الذي هو الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمقتضى ظهير قد لا يطرح إشكالا حول من سيوقع ذلك الظهير باعتبار أن الأمر قد يكون محسوما لفائدة الملك بالنظر بالأساس إلى كون الرئيس المنتدب لسلطة القضاء هو من الاعضاء المكونين لمجلس الوصاية الذين يعينهم الملك بظهير يوقعه طبقا للفصل 44 من الدستور ، فإن السؤال يفرض نفسه بخصوص ظهير تعيين الوكيل العام لمحكمة النقض لسببين:

1-أن الفصل 42 من الدستور يحدد أنواع الضهائر التي يوقعها الملك من جهة,  وأنواع الضهائر التي يصدرها الملك لكن توقع بالعطف من قبل رئيس الحكومة إذ تنص الفقرة الأخيرة من ذلك الفصل على :

“توقع الضهائر بالعطف من قبل رئيس الحكومة، ما عدا تلك المنصوص عليها في الفصول 41 (وهو الظهير الذي يتعلق باختصاصات المجلس العلمي الأعلى وتأليفه وكيفية سيره) و 44 (الفقرة الثانية) (وهي المتعلقة بتعيين الملك لأعضاء مجلس الوصايا) و 47 الفقرتان الأولى والسادسة (وهما المتعلقتان بتعيين رئيس الحكومة ومواصلة مهام الحكومة المنتهية) و 51 (وهو المتعلق بحق حل البرلمان) و 57 (وهو المتعلق بالموافقة على تعيين القضاة من المجلس الأعلى للسلطة القضائية) و 59 (وهو المتعلق بإعلان حالة للاستثناء) و 130 الفقرتان الأولى والرابعة (المتعلقتان بتعيين بعض أعضاء المحكمة الدستوية وتعيين رئيسه) و 174 (المتعلق بعرض مرجعة الدستور على الاستفثاء أو على البرلمان).

إنه يتبين من صياغة الفصل 42  أن الأصل هو أن الظهائر التي يصدرها جلالة الملك في ممارسته لاختصاصه توقع كلها بالعطف من قبل رئيس الحكومة ما عدا الظهائر المشار إليها أعلاه.

فالاصل هو ان كل الظهائر التي يصدرها الملك توقع بالعطف رئيس الحكومة , باستثناء الظاهئر المشار اليها اعلاه , و هو ما يسميه فقهاء القانون الدستوري بالمجال المشترك بين سلطات الملك و اختصاصات رئيس الحكومة.

ويظهر بكل وضوح أنه لا يوجد من بين الظهائر التي يرجع التوقيع فيها لجلالة الملك ,  ظهير تعيين الوكيل العام للملك لمحكمة النقض المنصوص عليه في الفصل 22 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة.

ومعلوم أن من مستجدات دستور 2011 هو احداثه لتحول تاريخي في بناء الدولة المغربية عندما فسح المجال لرئيس الحكومة ليشارك الملك في بعض اختصاصاته التي كانت سابقا من المجالات المحفوظة للملك وحده , و لقد ترجمت هذه المشاركة في السماح لرئيس الجكومة بتوقيع بعض الظهائر التي هي من مجال اختصاص الملك عن طريق التوقيع عليهت بالعطف .

لكن، ماذا يعني أن يوقع رئيس الحكومة ظهير تعيين الوكيل العام لمحكمة النقض من ناحية هندسة بناء الدولة.

في تقديري أنه إشارة قوية إلى أن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ليس سلطة قضائية خالصة، وإنما يجتمع  ما هو قضائي وما هو تنفيذي، أي ما هو من اختصاص السلطة التنفيذية.

قد تظهر هذه الخلاصة غريبة أو غير منطقية.

لكن، القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الاساسي للقضاة سن هو كذلك قاعدة غريبة وغير منطقية وهي القاعدة التي تحدد مصدر التعويضات و المزايا التي يتقاضاها الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض كمقابل عن المهام المكلف بها.

ذلك أن التعويضات والمزايا التي سيتقاضاها رئيس محكمة النقض نجدها منصوص عليها في المادة 13 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ، والتي ساوى المشرع فيها وضعية رئيس محكمة النقض مع الوضعية المالية التي يوجد عليها رئيس مجلس النواب، إذ تنص المادة 13 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على ما يلي:

يستفيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى (أي المجلس الأعلى للسلطة القضائية) “من التعويض عن التمثيل ومختلف المزايا العينية المستحقة لرئيس مجلس النواب).

فالقانون التنظيمي وضع رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية في نفس الوضع المالي الذي توجد عليه رئيس السلطة التشريعية. و عي سلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية, وهو ما يؤكد استقلال رئيس المجلس الاعلى للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.

لكن، عندما نبحث في مصدر التعويضات  والمزايا التي يستفيذ منها الوكيل العام لدى محكمة النقض سنجدها منصوص عليها، ليس في القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وإنما نجدها في القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة. و هي اشارة واضحة تبين الوضع القانوني الذي رسمه المشرع للوكيل العام لدى محكمة النقض,  فالمشرع اخرج الوكيل العام لمحكمة النقض من القانون التنظيمي للمجلس الاعلى لسلطة القضائية الذي يوجد فيه رئيس محكمة النقض و وضعه في القانون التنظيمي المتعلق بالنظم الاساسي للقضاة, و هو ما يعني ان المشرع لا يعتبر ان المركز القانوني للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض هم نفس الوضع القانوني لرئيس محكمة النقض.

غير أن الأكثر إثارة للتساؤل بالإضافة لما سبق هو أن المشرع وضع الوكيل العام لدى محكمة النقض في وضعية وزير، أي في وضعية عضو في السلطة التنفيذية , إذ تنص المادة 31 منه على ما يلي:

“يستفيد الوكيل العام للملك، لدى محكمة النقض من الرتب والتعويضات في المزايا العينية المقررة للوزراء

وإذا كان القوانين التنظيمية متفقة على التفريق بين المركز القانوني لرئيس محكمة النقض و بين المركز القانوني للوكيل العام لدى محكمة النقض بخصوص مصادر تعويضاتهم و مزاياهم , أليس ذلك يعني أن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض هو تابع، كذلك, للسلطة التنفيذية.

كنا ننتظر ان يقول المجلس الدستوري رأيه بخصوص هذه التفرقة غير و كذا مدى تطابق هذا الوضع القانوني الذي وضع فيه الوكيل العام لدى محكمة النقض مع خطاب استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية الذي شغل الرأي العام, لكن تبين ان هذه النقطة لم تثر من قبل المجلس الدستوري فيس قراره الاخير.

مع أن مقتضيات الدستور تسمح بتعيين الوكيل العام لمحكمة النقض بظهير يوقعه الملك وهو ما لم يتم الاشتغال عليه.

أما بخصوص إمكانية تعيين الرئيس المنتدب والوكيل العام لمحكمة النقض من خارج سلك القضاء، فهو سؤال تطرحه صياغة المادة 22 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة الذي ورد فيها ما يلي:

“يعين الملك للرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لديها لمدة (5) سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة غير أنه يمكن وضع حد لهذا التعيين قبل انتهاء المدة المذكورة

“يرتب كل من الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام لديها خارج الدرجة وتحتفظ بهذا الترتيب بعد انتهاء مهامها

عندما نقرأ صياغة هذه المادة تطفو على السطح ملاحظة مفادها ان تلك المادة لم تنص على جملة ( من بين القضاة)  بخلاف صياغة المادة 50 من القانون التنظيمي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية المتعلق بتعيين الملك لأمين المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي تنص على أن ذلك التعيين يتم من بين القضاة , أو المادة 51 من نفس القانون التي تتكلم على تعيين نائب أمين المجلس والتي تنص على أنه يكون ذلك التعيين بين القضاة أو المادة 53 التي تتكلم على المفتش العام، والتي تنص على ذلك التعيين يكون من بين القضاة.

و من المعلوم ان المشرع لا و بالأحرى مشرع قانون تنظيمي لا يتصور في النسيان و لا الخطأ مما يدفع للتساؤل , فهل سكوت المادة 22 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة عن الإشارة إلى أن تعيين رئيس محكمة النقض والوكيل العام بها يكون كذلك  من بين القضاة، يعني , ذلك السكوت , أن الملك يمكنه ان يعين في هذا المنصب كل من يراه مؤهلا حتى ولو لكن قاضيا.

وهل اختيار المشرع ان يكون ينظم تعيين رئيس محكمة النقض والوكيل العام لدى محكمة النقض في القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة و ليس في القانون التنظيمي للمجلس الاعلى للسلطة القضائية، يعني أنه , اي المشرع , فسح المجال لجلالة الملك ان يختارهم في التعيين هذه المناصب الحساسة ممن يراه مؤهلا لذلك  حتى و لم يكن ينتمي للسلك القضائي بظهير سيوقعه رئيس الحكومة بالعطف .

تم لماذا تنص الفقرة الاخيرة من المادة 22 المذكورة على ان من عين رئيسا لمحكمة النقض او وكيلا عاما بها يرتب خارج الدرجة و يحتفظ بهذه الرتبة بعد انتهاء مهامه, إذا كان التعيين سيكون لزوما من السلك القضائي , مادام ان المنتمي للسلك القضائي عندما يصل الى درجة رئيس محكمة النقض او وكيل عام بها فانه يكون بحكم القانون خارج الدرجة بالنظر للمدة التي قضاها في ذلك القضاء الة ان رقي الى ذلك المنصب , وهم ما يعطى للتساؤل شرعيته.

إن مشروعية السؤال لا نجد سندها في ما تعودناه في المغرب في الماضي وإنما فيما هو متداول دوليا , فالرئيس الامريكي مثلا يعين أعضاء المحكمة الفدرالية من اشخاص ليسوا بالضرورة من بين القضاة بل من فئات أخرى من رجال القانون كالاساتذة الجامعيين أو القضاء السابقين الذين تقاعدوا .

هذه الأسئلة وأخرى قد تثار كان الفاعلون الحقوقيون و غيهم ينتظرون ان يتناولها المجلس الدستوري لكن …