بعد سبعة وعشرين عاما على أحداث 20 غشت، تحدث المرحوم عبد الرحيم بوعبيد في محاضرة ألقاها عام 1980 عن الذكرى
حيث اعتبرت المحاضرة وثيقة تاريخية نعيد نشرها بالمناسبة :

(( إن الحديث عن 20 غشت سنة 1953 يتطلب ضرورة الرجوع الى الوراء وبالضبط إلى سنة 1941 يوم كانت الحرب العالمية الثانية تدور رحاها في العديد من الواجهات، لأن 20 غشت سنة 1953 وما عرفته بلادنا في هذا اليوم ليس إلا نتيجة لأحداث تطورت وتصاعدت إلى أن وصلت إلى هذا التحول التاريخي الذي مكن الشعب من إنجاز تلك الخطوة الثورية الحقيقية ضد الاستعمار وذلك باستعمال نفس وسائل الاستعمار·

والخيط الذي يربط تطور هذه الأحداث هو ذلك السر التاريخي الذي يتمثل في الميثاق الوطني الذي قلما وجد له مثيل في الأقطار الأخرى والحركات الأخرى، وأعني به الميثاق الذي كان قائما بين محمد الخامس وقادة الحركة الوطنية، متى كان هذا الاتفاق؟ كانت هناك بين محمد الخامس وقادة الحركة علاقات قائمة قبل 1941 ولكن هذه العلاقات لم تأخذ صبغة تحديد المراحل والأهداف الاستراتيجية من خلال روابط متينة وعمل المخطط ما بين الملك والحركة الوطنية إلا انطلاقا من سنة 1941، حيث نشأ ذلك الميثاق الذي لم يكن يعرفه إلا القليلون من قادة الحركة الوطنية، كان الميثاق يتمثل في لقاءات تتم في نصف الليل في بعض المخابىء وبواسطة عدة مرسولين، وبقيت العلاقات على هذه الحالة سرا، إلى أن وصلت إلى ما كان في 20 غشت 1953·

كان الميثاق عبارة عن قسم وتعاقد ما بين الملك وقادة الحركة، على أساس أننا سنعمل يدا في يد وبكيفية منظمة وبالتشاور المستمر في كل المراحل في اتجاه هدف تحرير البلاد من عار الحماية وبهدف تحقيق الاستقلال وبناء الدولة المستقلة·
الحركة كانت سرية من خلال عمل خلايا في المدن والبوادي·

كان الحزب الوطني (الذي سبق حزب الاستقلال) جماعة قليلة من تنظيمات سرية للمناضلين الذين يكونون الحركة الوطنية التي دخلت سرا في الميثاق مع الملك·

وقد ظهرت فعالية هذا الميثاق سنة 1942 وبالضبط في 8 نونبر 1942 بعد نزول الأمريكان والانجليز بجيوشهم في المغرب، هنا، كان لقاء ما بين محمد الخامس والحركة والتساؤل حول الموقف من وجود هذه الجيوش وما هي الخطة التي يجب اتباعها إزاء الأمريكيين والإنجليز والفرنسيين· فكانت الخطة على أساس أنه جاء الوقت للإعلان عن إرادة المغرب ملكا وحكومة وشعبا في الاستقلال·

*
إن الحديث عن 20 غشت سنة 1953 يتطلب ضرورة الرجوع الى الوراء وبالضبط إلى سنة 1941 يوم كانت الحرب العالمية الثانية تدور رحاها في العديد من الواجهات، لأن 20 غشت سنة 1953 وما عرفته بلادنا في هذا اليوم ليس إلا نتيجة لأحداث تطورت وتصاعدت إلى أن وصلت إلى هذا التحول التاريخي الذي مكن الشعب من إنجاز تلك الخطوة الثورية الحقيقية ضد الاستعمار وذلك باستعمال نفس وسائل الاستعمار·

والخيط الذي يربط تطور هذه الأحداث هو ذلك السر التاريخي الذي يتمثل في الميثاق الوطني الذي قلما وجد له مثيل في الأقطار الأخرى والحركات الأخرى، وأعني به الميثاق الذي كان قائما بين محمد الخامس وقادة الحركة الوطنية، متى كان هذا الاتفاق؟ كانت هناك بين محمد الخامس وقادة الحركة علاقات قائمة قبل 1941 ولكن هذه العلاقات لم تأخذ صبغة تحديد المراحل والأهداف الاستراتيجية من خلال روابط متينة وعمل المخطط ما بين الملك والحركة الوطنية إلا انطلاقا من سنة 1941، حيث نشأ ذلك الميثاق الذي لم يكن يعرفه إلا القليلون من قادة الحركة الوطنية، كان الميثاق يتمثل في لقاءات تتم في نصف الليل في بعض المخابىء وبواسطة عدة مرسولين، وبقيت العلاقات على هذه الحالة سرا، إلى أن وصلت إلى ما كان في 20 غشت 1953·

كان الميثاق عبارة عن قسم وتعاقد ما بين الملك وقادة الحركة، على أساس أننا سنعمل يدا في يد وبكيفية منظمة وبالتشاور المستمر في كل المراحل في اتجاه هدف تحرير البلاد من عار الحماية وبهدف تحقيق الاستقلال وبناء الدولة المستقلة·
الحركة كانت سرية من خلال عمل خلايا في المدن والبوادي·

كان الحزب الوطني (الذي سبق حزب الاستقلال) جماعة قليلة من تنظيمات سرية للمناضلين الذين يكونون الحركة الوطنية التي دخلت سرا في الميثاق مع الملك·

وقد ظهرت فعالية هذا الميثاق سنة 1942 وبالضبط في 8 نونبر 1942 بعد نزول الأمريكان والانجليز بجيوشهم في المغرب، هنا، كان لقاء ما بين محمد الخامس والحركة والتساؤل حول الموقف من وجود هذه الجيوش وما هي الخطة التي يجب اتباعها إزاء الأمريكيين والإنجليز والفرنسيين· فكانت الخطة على أساس أنه جاء الوقت للإعلان عن إرادة المغرب ملكا وحكومة وشعبا في الاستقلال·
ولإعداد عريضة المطالبة بالاستقلال في يناير 1944، كان لابد من المراحل التي سبقتها مثل اللقاء الذي تم في آنفا بين محمد الخامس والرئيس الأمريكي روزفلت بمحضر وينستن تشرشل، لقاء آنفا كان موضع تهييء ما بين محمد الخامس والحركة الوطنية· ماذا سيقال في آنفا؟ وماذا يمكن أن يعطي هذا اللقاء؟

ومن جملة ما تقرر، أن يتم في آنفا لقاء رأسا لرأس ما بين محمد الخامس وفرانكلان روزفلت أي رئيس دولة يلتقي برئيس دولة أجنبية دون حضور المقيم الفرنسي العام الذي هو وزير الخارجية المغربية بمقتضى معاهدة الحماية، وهكذا نحي الجنرال نوكيس وأبعد عن المقابلة·

ماذا حدث في آنفا؟

لقد كان اللقاء في إطار العهد الجديد الذي يتطلع إليه العالم والمغرب، عهد من المحقق أن النظم الاستعمارية ستختفي فيه لتترك المجال لنظم الحرية والمساواة، فالحلفاء يحاربون النازية والفاشية من خلال معارك طاحنة لابد أن تؤدي إلى حرية الشعوب المستضعفة·

والوزير الأول البريطاني وينستن تشرشل الذي كان حاضرا في المقابلة كان يبدو عليه نوع من التضايق لأن الحوار الذي كان في شأن مصير الشعب المغرب وقضية حرية الشعوب لم يكن من هذا النوع من الكلام الذي يرتاح إليه من كان يحلم باستمرار هيمنته على الشعوب وما يتطلبه ذلك من تضامن استعماري·
ولم تسفر مقابلة آنفا لا عن وعود ولا عن خطط وشعر محمد الخامس بما كان للولايات المتحدة ورؤوس الأموال الأمريكية من الرغبة في أن تكون لها بالمغرب وفي المنطقة نوع من الحظوظ وطبعا فإن هذه الحظوظ كانت تستوجب قيام علاقات واتفاقات مباشرة ما بين المغرب والأوساط الأمريكية وخاصة منها الأوساط الرأسمالية·

لقد تكلم محمد الخامس عما كان المغرب يتطلع إليه من اعتراف الحلفاء بالجميل بالنسبة للمغرب والحركة الوطنية وكل الشعب المغربي حليف الحلفاء في هذه المعركة الحاسمة، ولكن محمد الخامس أكد في لقاء آنفا بأن المغرب والشعب المغربي يعتمد أساسا على إمكاناته وإراداته لجعل حد لنظام الحماية الذي لا يعدو أن يكون نظاما ظرفيا جاءت به ظروف معينة وأن المغرب يستمد ماضيه من بطولة شعبه الذي صمد أمام المناورات·

قال محمد الخامس لروزفلت: إننا نشكركم على عواطفكم ومتمنياتكم، ولكننا عازمون على خوض المعركة بأنفسنا لنعطي الدليل على إرادتنا، وإذا ما كان لنا أن نحصل على دعم خارجي، فلن نعتمد عليه أساسا·

هذه هي قصة لقاء آنفا وهذا هو إطارها، لكن هناك لقاء آخر أستغرب كون بعض المؤرخين من مغاربة وعرب وأجانب يغفلون التعرض بصورة واضحة إليه وهو ما كان من زيارة الجنرال تشارل دوغول إلى المغرب سنة 1943 في طريقه الى الجزائر للالتحاق بلجنة التحرير·

لقد سبقت هذا اللقاء عريضة المطالبة بالاستقلال وكانت زيارة دوغول إلى المغرب بهدف الإعداد لمؤتمر آنفا·
يومها قال محمد الخامس للجنرال دوغول، باعتبار أن محمد الخامس كان حليفا للحلفاء وبصفته مؤتمنا على السيادة المغربية بأن لا مناص في القريب العاجل من التغيير في الوقت المناسب وبالطرق المناسبة وعلينا أن نطوي صفحة الحماية ونفتح صفحة جديدة· كانت فرنسا تعاني من الاحتلال الألماني يوم أن علم دوغول زعيم فرنسا الحرة بعزم المغرب وإرادته في الحرية والاستقلال وخوض المعركة في سبيل ذلك·

وقد أخبرنا بذلك من طرف محمد الخامس رحمه الله واعتبرنا أن هذا التوضيح كان تنبيها بما سيأتي في ما بعد·
وفي الجزء الأول والثاني والثالث من مذكرة الجنرال دوغول تحدث عن ما دار بينهم وبين محمد الخامس·
إن هذه الجوانب تثبت الاتفاق المنظم والمضبوط ما بين الملك والحركة الوطنية في المسيرة النضالية من أجل التحرير· وفي هذا الخط كانت عريضة المطالبة بالاستقلال وما عرفته من مناقشات وتعديلات، ولقد شارك الملك ورؤساء الحركة الوطنية في تحرير نص العريضة، ومن قرأ اليوم ذلك النص، سيدرك أن الفقرات لا تتسلسل في أفكار منسجمة، والمهم كان آنذاك هو العمل بما كانت للملك من رغبة في قيام إجماع ما بين الملك والحركة الوطنية والمخزن والأعيان والعلماء والقواد والباشوات في نفس الوقت الذي كان الجميع يعلم أن لا سبيل للاعتماد على الأعيان أو المخزن أو الأعتاب، الاعتماد كان فقط على الحركة الوطنية بقيادة محمد الخامس·

وهكذا، ومع الأيام أدركت الحركة الوطنية أن أهم مكسب يشهد به تاريخ النضال هو هذا الالتحام ما بين الملك والوطنيين وهو الالتحام الذي سد الأبواب على المستعمرين· وإذا كان عهد الحماية قد جعل من الملك مؤتمنا على السيادة الوطنية، فإن المعركة ما بين الحركة الوطنية والإقامة كانت تتجه إلى الملك ومن سيفوز بنصره، وكان من الطبيعي أن ينحاز الملك إلى الحركة الوطنية، فكان اللقاء مع الملك من أهم مكاسب الحركة الوطنية·

إذن، فإذا أردنا أن نعرف سر 20 غشت 1953 فيجب أن ندرك أن الأمر يتعلق بمرحلة من المراحل التي حولت تاريخ المغرب·· لم تكن انتفاضة 20 غشت نتيجة صدفة وإنما ممارسة نضالية وإرادة متجددة في كل الظروف بهدف الوفاء بالعهد وبذلك الميثاق الوطني·
لقد كانت عريضة المطالبة بالاستقلال تتجه إلى جعل الحركة الوطنية جبهة تشمل كل الفصائل، وهذا ما جعل بيان المطالبة يقول بأن حزب الاستقلال الذي يتكون من الحزب الوطني وشخصيات وطنية ومستقلة إلى آخره·· جبهة على أساس سد طريق أمام المناورات الاستعمارية·· لكن مع الأسف لم يتحقق تأسيس الجبهة على أسس واضحة·

وكانت بعض الشخصيات التي لا يشك في وطنيتها تتساءل عند الاتصال، بها ما هو عملكم؟ وما هي وسائلكم؟ فكان الجواب إننا نريد عهدا جديدا وأن لا عهد بعد الحماية إلا الاستقلال· فكان التساؤل هل هناك ضمانات أمريكية؟
فقلنا أبدا· كل ما هناك هو اعتمادنا على النفس·

وكانت محاولة حتى مع الكلاوي الذي ذهب إليه أحمد بلافريج سنة 1943 ليقول له بأن هناك قضايا داخلية وخارجية وبأن المشاكل الداخلية سيمكن حلها بعد التغلب على المشاكل الخارجية المتصلة بالوجود الاستعماري·· فقال الكلاوي بدوره: «هل عندكم شي حاجة من عند الأمريكان؟ فرد الحاج بلافريج·· أبدا· إننا نعتمد على أنفسنا فقط· وأنت كمغربي مثل جميع المغاربة مطالب بالمساهمة في العمل الذي سيساهم فيه الكل· لقد قضيت حياتك في خدمة الفرنسيين وحان الوقت لتخدم وطنك بكل اعتزاز»·
لقد كانت الاستعدادات يوم 11 يناير 1944 موضع إعداد ما بين محمد الخامس والحركة الوطنية واتفق على كل الجزئيات المتعلقة بتشكيلة الوفود التي ستتصل بالقصر والإقامة العامة والقنصليات الأمريكية والإنجليزية بالرباط والسوفياتية بطنجة·

وقرر محمد الخامس عرض المذكرة على ما كان يسمى بمجلس الوزراء المخزن وعلى رأسه الصدر الأعظم، وحضر هذا المجلس الكلاوي والعيادي وقالوا للملك، إننا وراءك فقال لهم إني أريدكم أمامي أو بجانبي·

وبدأت العرائض الشعبية تأتي من كل مكان، من البوادي والحواضر، كلها تأييد وعزم على النضال الذي قررت أن تقوده الحركة الوطنية·

ولكن بعد ذلك كان التخاذل والخيانة من الجهات الإقطاعية· وفي أواخر يناير سنة 1944 بعد اعتقال أحمد بلافريج واليازدي وقادة الحركة بتهمة خطيرة بالنسبة للقضاء الفرنسي وهي التحالف مع دول المحور، كانت هناك مظاهرات دامية في الرباط وسلا ثم فاس وسقط القتلى والجرحى وتعددت الضحايا·· وتحولت الحركة الوطنية من عمل تقوم به نخبة من الوطنيين إلى عمل في الشارع ينبىء بدور الجماهير التي تعرف ما تريد ولها من الاستعداد التلقائي ما يكفي من تحرير البلاد من السيطرة الاستعمارية·

وفي هذه الحقبة، حل كابرييل بيو محل الجنرال نوكيش الذي عزل باعتباره متعاملا مع نظام فيشي وكان كابرييل بيو يفضل أن يجلس في حدائق الإقامة العامة يكتب الشعر ويلقي خطب التهديد والوعيد ضد الحركة الوطنية والملك، تاركا وضع الخطط السياسية للجالية الفرنسية ومن كان ينطق بلسانها أي بونيفاس الذي كان بمثابة المقيم الحقيقي·

ولما انتهت الحرب كان جل قادة الحركة الوطنية في السجون أو المنافي، لكن الاتصال مع محمد الخامس لم ينقطع بل زاد متانة وتنظيما، ونظرا للطريق المسدود الذي أدت إليه سياسة كابرييل بيو، فإن الجنرال دوغول رغب في لقاء ثان مع محمد الخامس· وهكذا كان السفر إلى فرنسا في أواخر 1945 ومع تجدد اللقاء كان تجدد الكلام الذي قيل في سنة 1943، أي نقض عهد الحماية وتأسيس حكومة وطنية للمفاوضة مع فرنسا من أجل إقامة علاقات جديدة للمساواة بين البلدين·

قال دوغول بأنه يرفض مبدأ هذه المطالبة وطلب فقط مهلة تستكمل فيها فرنسا عملية إعادة بناء السلطة وإجراء الانتخابات·· ونظرا لما عرفته فرنسا من صراع حاد بين دوغول والأحزاب السياسية الفرنسية، فإن الجنرال قد انسحب ومعه وعوده، ولكن المهم عندنا ـ وهذا ما جاء في شهادة دوغول ـ هو أن المغرب كان على رأس دولته ملك كانت كل تصرفاته ترتكز على خط ينبني على وعود رئيس فرنسا الحرة·

وإذا ما كان لزيارة محمد الخامس لفرنسا في أوخر 1945 من نتائج، فذلك يتمثل في إبعاد كابرييل بيو ومجيء السفير إيريك لابون حيث عرف المغرب انفتاحا مبهما تجلى في إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين وعلى الأخص المرحومين علال الفاسي وابن الحسن الوزاني، إنها خطوة أولى نحو علاقات جديدة بين الحكومة الفرنسية ومخاطبها بالرباط محمد الخامس ومحمد الخامس وحده·

لقد كنت طالبا وقتها، خرجت من السجن وكان علي أن أشارك في مفاوضات بشأن ما كان المقيم العام يعرضه علينا من إصلاحات في الميدان الاقتصادي ومشاركة المغاربة في تسيير بعض القطاعات الاقتصادية المتصلة بالصناعة والنقل والمناجم· أما ما كان من عند الحماية وعقد الحماية، فكان إيريك لابون يقول بأن حكومته لم تعطه إشارة أو تعليمات لتناول الموضوع لا مع الحركة الوطنية ولا مع محمد الخامس، وقيل لنا أنتم لا تفكرون تفكيرا علميا جدليا، بل ان أحد المتفاوضين الفرنسيين قال لي هل لكم اطلاع بالتحليلات الماركسية؟ فقلت طبعا، فأجاب بأن الإقامة العامة تريد إجراء تغييرات جذرية لا فقط على مستوى الهياكل الفوقية، ولهذا اقترحوا أن يتولى أحد مسؤولي الحركة الوطنية منصب نائب لرئيس شركة فحم جرادة!

لقد أدركنا منذ البداية أن برنامج إيريك لابون يهدف قبل كل شيء إلى استمرار السيطرة الرأسمالية، لكن بتزكية من الحركة الوطنية من خلال مشاركة مغاربة في بعض القطاعات، فقلنا لهم المالية بيدكم والوظيفة العمومية خاضعة لكم والأراضي الزراعية تسلطتم عليها والقضاء تتحكمون فيه·· كل شيء بيدكم وها أنتم تطلبون منا اليوم أن نعمل على تمتين هذه العلاقات والاستغلال الرأسمالي·
لقد كانوا في الواقع يريدون من المغرب أن يسير في نظام شبيه بما كانت عليه الجزائر أو جنوب إفريقيا، ولهذا كان ردنا بضرورة خلق قطاع عمومي، وإن كان هذا القطاع سيتحكم فيه الصدر الأعظم وأن تكون 51% من أسهم الشركات في ملك القطاع العام·
فكان الرفض الناتج عن عدم قناعة إيريك لابون ولا الحركة الوطنية بجدوى هذا الحوار ودخلنا مرحلة انتظار· لكن الذي تأكد هو تصلب المعمرين والجالية الفرنسية والبنوك ووقوف كل هذه الدوائر ضد إيريك لابون وكل اتجاه يهدف إلى إشراك المغاربة في الحياة العامة·

في هذه الظروف (أبريل 1941) كانت الرحلة الملكية الى طنجة، لقد ترددت الحكومة الفرنسية في قبول هذا السفر الذي كانت الحركة الوطنية والملك يعتبرانه رمزا لوحدة المغرب، وأن الرحلة بالقطار من الرباط إلى طنجة تكتسي أهمية دولية وداخلية، المغرب لا يقبل التجزئة إلى مناطق نفوذ مختلفة والمعارضة القوية لهذه الزيارة عبرت عنها اسبانيا التي لم تكن ترغب في أن يمر الموكب الملكي فوق تراب الحماية الإسبانية بالمنطقة الخليفية، وهذا ناتج عن تناقضات ما بين فرنسا واسبانيا·كانوا يعتقدون أن مجيء جوان هو انتصار للحكومة الفرنسية والجالية الفرنسية في اتجاه جعل حد لذلك الالتحام بين الملك والحركة الوطنية· جاء جوان بتعليمات واضحة· يجب أن يكون الملك ملكا للحماية، إذا ما قبل أن ينفصل عن الحركة الوطنية وذلك ما نريده ـ يقول الفرنسيون ـ وإلا فسنمارس عليه ضغوطا تؤدي إلى خلعه وتنازله·

وإذا كان لسياسة الحكومة الفرنسية نوع من التردد، فإن الجنرال جوان (وبعده غيوم) جاء مسلحا برسالة موقعة من طرف جورج بيدو وزير الخارجية·

إن ما عرفته بلادنا من أزمات في 1947 و 1950 و 1953 كان متولدا عن التصدي لتلك السياسة الهادفة الى الاستيطان والاستيلاء على خيرات البلاد وجعلها تحت التصرف المطلق لجالية فرنسية لابد أن تعرفوا أن عددها كان يتصاعد الى أن بلغ نصف مليون·· كان عدد الفرنسيين بالمغرب يتصاعد بنفس نسبة تصاعد الصهاينة في أرض فلسطين في فترة الانتداب·
لم يكن هدف الجالية الفرنسية هو المحافظة على نظام الحماية فقط، بل كانت تتطلع إلى المشاركة في السيادة·

ما هي المشاركة في السيادة؟ أن يترك للمغاربة مغرب المخزن والجلابيب والسلاهيم والطرق والزوايا ويبقى للفرنسيين مغرب الطرق والطائرات والباخرات والأراضي الخصبة المسقية وكل الخيرات·

أي الاعتماد على سلطة مغربية مخزنية معترف بها دوليا وتكون طيعة تساعد على الانتقال من عهد الحماية الى تقاسم السيادة·
وفي سنة 1949 قال جوان بعد مرور سنتين على وصوله الى المغرب، والكلام هنا موجه إلى الأكاديمية، ليس هناك استعمار فرنسي في المغرب، بل هناك عمل مدني· والوضعية القانونية هي خلاف لما يتصور· فمن جهة هناك سلطة المقيم العام والجالية الفرنسية، ومن جهة أخرى، هناك سلطة تقليدية للملك أي هناك ما يعرف بالتسلسل السلمي والسُّلمي المزدوج· ولا يمكن للجالية الفرنسية أن تقبل إعادة النظر في نظام الحماية على حساب مصالحها·

ولهذا، فحينما يفكر جوان في استقلال المغرب، فإنه يحصد استقلال الفرنسيين عن بلادهم مثل استقلال الأوربيين البيض فيما يسمونه باتحاد جنوب افريقيا، لقد كان أمرا واضحا·

إذن، كان من الضروري أن يكون التصدي لهذا الاتجاه عملا منسقا بين محمد الخامس والحركة الوطنية· وهكذا فما من ظهير أو مذكرة أو خطاب أو حديث إلا ويكون بعد لقاء ما بيننا وبين محمد الخامس لإعداد الخطة·

ولقد دفعنا إلى تصعيد الأهداف حينما قبلنا المشاركة في الانتخابات التي جعلتنا ندخل إلى مجلس، مجلس الشورى المقيم على أساس أن نستغل الواجهة لنندد بالحماية ونظامها في عقر دارها بالإقامة العامة وأمام الجنرال جوان وجها لوجه·
كنا نكتب التقارير في الميزانية والتعليم والأشغال العمومية والصحة، فكان لنا المجال لنتعرف على ما يجري في بلادنا من خلال الوثائق الحكومية وكان لنا المجال لنعرض رأي الحركة الوطنية في مجلس لا يمثل شيئا، ولكن مع ذلك، لم يتحمل جوان المواجهة فكان رد فعله أن طرد أصدقاء الحركة الوطنية فتضامن المنتخبون واتجهو الى القصر فاستقبلهم محمد الخامس رحمه الله واعتبرت الإقامة هذا الاستقبال كسبة أخرى موجهة إلى جوان وإلى الحكومة الفرنسية·

وذهب الكلاوي ليقول للملك بأن هذا شيء كثير، حينما تنسى أنك ملك كل المغاربة لما تتعامل «مع هذ الدراري»·
هنا طرد الملك الكلاوي من القصر فبدأت حركة ما سمي بمعارضة القواد والباشوات والعلماء والأعيان والطرق، تتجه الى المؤامرة ضد محمد الخامس تحت إشراف المراقبين·

لم يكن هؤلاء مجرد أناس خاضعين لضغط الكلاوي أو الإقامة العامة ومراقبيها، بل كان موقفهم واضحا في إطار صراع كان يعيشه المجتمع المغربي، صراع ما بين الحركة الوطنية الهادفة إلى إجراء تغييرات جديدة وما بين هؤلاء الذين كانوا يدافعون عن مصالحهم ولم يكونوا مجرد مجرورين· كانوا جلهم واعين يعرفون ما يفعلون·
في هذا الوقت كانت الجماهير تتساءل: ما العمل؟
القاعدة كانت تقول بحمل السلاح ومقابلة العنف الاستعماري بالعنف الثوري·

ولكن مخطط الحركة الوطنية ومحمد الخامس كان يقول بضرورة تجنب السقوط في الفخ الذي تعده الأوساط الاستعمارية والإقامة العامة· وفي هذا الصدد، حصلنا بفعل أحد المناضلين الذي كان شاوشا بالإقامة العامة على مسودة مخطط بوايي دي لا تور وهو ضابط جاء به جوان من الهند الصينية وعينه كاتبا في الشؤون السياسية ويحلل مخطط بوايي دي لاتور معطيات الالتحام والوحدة ما بين الملك والحركة الوطنية، ويقول بضرورة تكسير هذا الانسجام للتوجه للحركة وضربها بقصد تصفيتها وعزل الملك من خلال أساليب تختلق اختلاقا· وأن من الخطأ التوجه الى محمد الخامس قبل عزله عن الحركة الوطنية·
كانت لنا هذه المعطيات لما كانت القاعدة تنتظر في هيجان وغليان·
والخطة التي اتبعتها الإقامة العامة هي للضغط على محمد الخامس للتبرؤ من الحركة الوطنية والتوقيع على الظهائر التي تقلص السيادة الوطنية وتجعلها مشروكة مع الفرنسيين·
وذهب جوان عند الملك في بداية 1951 يخبره بأنه ذاهب إلى أمريكا وأنه سيعود بعد شهر ليجد الجواب النهائي لما يطلب منه·
نفتح القوسين بشأن هذا السفر الذي كان يهدف إلى التزام واشنطن نوعا من الحياد في الصراع ما بين الحركة الوطنية والملك من جهة، والإقامة العامة من جهة أخرى، وطبعا، فإن هذا الحياد متصل بمصير القواعد العسكرية الأمريكية في المغرب وبالحلف الأطلسي والتضامن الاستعماري·
وعاد جوان إلى المغرب وفشل مرة أخرى في محاولته للضغط على الملك وكان روبير شومان على رأس وزارة الخارجية الفرنسية يرفض أن يذهب ضغط الإقامة العامة الى حد خلع الملك· وهذا ما جعل بوايي دي لاتور يقول لزملائه الاستعماريين: «كان علينا أن نبدأ بعزل الملك بأن نأتي بالقبائل التي تطوق القصر ونتدخل نحن للدفاع عن الملك ضد هؤلاء الذين جاؤوا يهجمون على الملك احتجاجا على تأييده لهذه الأقلية من المغاربة المتمثلة في الوطنيين»· إننا حينما نتذكر ما كان لمحمد الخامس من صمود وإيمان وهو يواجه هذه المؤامرة، فإننا نتذكر بعض ملوك وزعماء تلك الحقبة، وما كان لهم من مواقف مائعة متخاذلة مثلما كان الحال بالنسبة لفؤاد وفاروق والباي ونوري السعيد، ولكن محمد الخامس صمد ضد جوان وضد غيوم·
كان جوان يتصرف بنوع من الدهاء، ولكن غيوم كان مريضا يترك حرية التصرف لبونيفاس وفالا ودوتفيل· وهناك كان السيناريو الذي اهتدى إليه الاستعماريون·
ضرب الحركة الوطنية واعتقال القادة والأطر السياسية والنقابية في نهاية 1952·
الضغط على الملك وتحريك «معارضة» القواد والباشوات والعلماء والطرق·

الهجوم على القصر·

كانت الحكومة الفرنسية تعاني نوعا من الارتباك وعاجزة عن مواجهة الحالة بسبب تشتت الرأي العام الفرنسي واتساع إضرابات شهر غشت، وكانت المذكرات الجوابية للحكومة الفرنسية عن مذكرات القصر تحرر في الإقامة العامة بأسلوب وطموحات الأوساط الاستعمارية الفرنسية بالمغرب· وارتفع التوتر إلى أن كانت عملية إبعاد محمد الخامس وسط المظاهرات الدامية التي عرفتها مختلف المدن المغربية·· محمد الخامس، إذن وجها لوجه مع غيوم·· وقد وفى والله إنه وفى ورفض التنازل مفضلا المنفى·
وهكذا كان 20 غشت يوم حدث سياسي تمثل في دخول الطبقة العاملة إلى المعترك من أجل تحرير البلاد، وفي الواقع فإن الطبقة العاملة دخلت المعترك النضالي بثقلها وحجمها منذ أن عملت الحركة النقابية·· بالنسبة للاستعمار، فإن دخول الطبقة العاملة في المعركة معناه دخول الخطر إلى بيوت الجالية الفرنسية·
كانت تضحية محمد الخامس عبرة للشعب الذي انفجرت طاقته النضالية وأخذ زمام أمره في المدن والبوادي·
بقي أن يكتب تاريخ المقاومة وجيش التحرير بصورة مضبوطة وبموضوعية بعيدة عن الرواية الخرافية حتى تبقى هذه الحقبة محفوظة في تاريخنا تعتز بها الأجيال·

ولنستعرض بسرعة الظروف والملابسات الدولية التي كانت تحيط بحوادث 20 غشت، ولنتساءل مثلا عن موقف الولايات المتحدة؟ في الحقيقة كانت واشنطن تعطي كل الصلاحية ـ بدون تدخل ـ للحكومة وجوان ثم غيوم للتصرف بكل حرية فيما كانت أمريكا تعتبره شؤونا فرنسية داخلية، وإن كان بعض الأمريكيين في لقاءاتهم مع الحركة الوطنية يبدون نوعا من التفاهم·· لكن الموقف الرسمي على صعيد مجلس الأمن مثلا، كان معارضة تسجيل القضية المغربية في جدول الأعمال·

أنا شخصيا لا أعطي أهمية لاجتماع آنفا·
فرنسا أعطت القواعد للولايات المتحدة بالمغرب وبدون استشارة الملك المؤتمن على السيادة، لأن الذي كان يهم فرنسا هو سكوت أمريكا وترك فرنسا تعمل ما تشاء بالمغرب·
ونذكر أن بعض الصحف الأمريكية لم تكن تخفي عطفها على الحركة الوطنية وكذلك بعض الصحف اليسارية البريطانية مثل الأوبزرفر التي نددت بخلع الملك·

إلا أن موقف حكومة لندن كان تأييدا للسياسة الفرنسية الاستعمارية بالمغرب، وكانت هناك صداقة ما بين شرشل والكلاوي ساعدت على حضور باشا مراكش في تتويج الملكة إليزابيت في يونيو 1953·
وبخصوص اسبانيا، فالحقيقة المجردة هي أن نظام فرانكو لا يمكن أن يكون إلا استعماريا· لكن الحركة الوطنية حاولت أن تستفيد من تناقضاته مع الاستعمار الفرنسي·

ففي سنة 1952، بعد حركة الاعتقالات ادعى الفرنسيون أنهم أحبطوا مؤامرة دبرها الوطنيون والشيوعيون الذين جاؤوا من موسكو، فرانكو تأسف على حوادث الدار البيضاء وقال إن الفرنسيين عاجزون عن مواجهة الشيوعيين· أما الوطنيون فقد غرر بهم·· هذا مع العلم أنه لم تكن لنا علاقة بالشيوعيين ولو أننا كنا متفقين معهم فيما يخص مناهضة الاستعمار، ولكن الاستعمار أراد إقحام معركتنا في الحرب الباردة وإثارة بعض الحزازات التي كانت تعرفها علاقات المغرب بنظام فرانكو الذي كان ممنوعا من القبول في الأمم المتحدة والحلف الأطلسي·

ولكن جاء الجنرال كارسيفالينيو وأظهر نوعا من الاستعداد للتفاهم مع المقاومة من خلال فقط الكلام عن الاستعمار الفرنسي، كأن لا وجود لاستعمار إسباني، فكان لابد أن يعرف رجال المقاومة وجيش التحرير كيف يتعاملون مع السلطات الاسبانية بالشمال بنوع من الحذر والمسؤولية·

اسبانيا تصرفت في شتنبر 1953، أي في الشهر الموالي لخلع الملك بطريقة مماثلة من خلال استخدام الباشوات والقياد لرفض ابن عرفة وعزل المنطقة الشمالية عن باقي التراب المغربي ومحاولة تنصيب الأمير مولاي الحسن بن المهدي كوصي على العرش·
كل هذا لم يمنع المقاومة من الاستفادة من التسهيلات الناتجة عن التناقض ما بين السياسة الفرنسية والإسبانية·

لكن خطر السياسة الإسبانية استمر على صعيد وحدتنا الترابية· لقد استقل المغرب عن فرنسا بعد مفاوضات وجاءت مفاوضات شاقة مع اسبانيا للاعتراف باستقلالنا بالنسبة لمنطقة الشمال، في حين تأخر استرجاع إقليم طرفاية إلى سنة 1958 وإيفني إلى سنة 1969 وبقي مشكل الصحراء·

وعمل تحالف الجيش الإسباني مع الجيش الفرنسي المرابط في تندوف ضد جيش التحرير المغربي الذي وصل حتى إطار·· عمل ذلك التحالف على تأخير تحرير الصحراء·

هذه هي مواقف الدول الغربية من استقلالنا ووحدتنا الترابية، ولكن استعراض ظروف وملابسات 20 غشت يجرنا إلى الرجوع إلى بعض الأحداث العالمية·

20 غشت 1953 جاءت في فترة كانت فيها منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط بصفة خاصة تعرف توترا شديدا، ذلك أن حكومة مصطفى النحاس التي جاءت في بداية الخمسينات بفضل ما حصل عليه حزب الوفد من أغلبية في الانتخابات، قررت أن تلغي معاهدة 1936 التي كانت تربط مصر ببريطانيا وكانت تحد من سيادة القطر الشقيق فكان رد فعل الفاروق هو الاستسلام لضغط الإنجليز وإعلان إقالة الحكومة التي كانت تعمل على تحرير قناة السويس وأعلن فاروق عن الأحكام العرفية وحل البرلمان·
وهكذا ففي الوقت الذي قرر فيه ملك المغرب أن يصمد في وجه الاستعمار مع أنه لم يكن يتوفر على الجيش بل كان له شعب مخلص· رأينا كيف كان الملك فاروق يفضل الاستسلام للتدخل الأجنبي·

وهكذا كان حال العراق في عهد نوري السعيد· لكن الذي كان يذكرنا به 20 غشت أكثر هو ما حدث في إيران التي أمم فيها الدكتور محمد مصدق البترول سنة 1951 مصعدا الكفاح من أجل تحرير إيران إلى جانب تحرير فلسطين· وهنا أطلب منكم أن تنتبهوا وتتذكروا ماذا حدث في 19 غشت 1953·

كانت مؤامرة امبريالية لإرجاع الشاه وخلع الدكتور مصدق وإلغاء نصوص التأمين على أساس توزيع أسهم البترول الإيراني: 40% أمريكا ـ 40% انجلترا ـ 7% فرنسا ـ 3% إيران· وفي الغد كانت 20 غشت بالمغرب·
هذا بذلك·
ولهذا يجب أن نفتخر نحن في المغرب لأن 20 غشت هو يوم التأمل والترحم على الشهداء، يوم وحدة متراصة ما بين القيادة والقاعدة في المسيرة التي تمكن الشعب من إحداث المعجزات بالكفاح والصمود·

*عن جريدة الاتحاد