مشاهد منها ما يؤكد أن الإنسان المغربي هنا وهناك لا يزال متمسكا بأصالته المغربية في العديد من جوانبها المضيئة رغم ما تحاول العولمة أن تفرضه من القطيعة بين إيجابيات الماضي القريب والبعيد وفرض سلبيات الحاضر, خاصة منها الجانب المتعلق بالتكافل الاجتماعي والعائلي بين أبناء منطقة واحدة وبين أفراد أسرة واحدة عكس ثقافتنا المعروفة بالعمل الجمعوي التطوعي المستمد من المثل المغربي الأمازيغي القديم والقائل :

تطبيقا ووفاء لهذه الثقافة الموروثة، فتح أبناء جماعة النحيت موقعا خاصا سموها تاروان – نيحيت أبناء النحيت, قصد جمع جوائز المتفوقين والمتفوقات وجمع منح الطالبات اللواتي لا يتوفرن على المنح للمتابعة في إعدادية وثانوية الأرك بايغرم وتمكن المتطوعون المساهمون من جمع الجوائز وأربعة وخمسين منحة, مع العلم أن قيمة المنحة السنوية للطالبة الواحدة يبلغ حوالي 4000 درهم والنسيج الجمعوي هنا ينوب عن وزارة التربية الوطنية كل سنة دراسية في توفير المنح لأبناء الفقراء من المستحقين لها. والممنوحات من طرف الوزارة الوصية الوطنية لا يتجاوزن واحدة إلى اثنتين في المائة من المستحقات للمنحة و غير الممنوحات يجبرن مكرهات على مغادرة الدراسة ليعشن فراغا طفوليا قاتلا وليحرم الوطن من مواهبهن ومن تكوينهن العلمي والمعرفي, بالنسبة للذكور سبق أن أشرنا إلى أنهم يحشرون حشرا في خيرة إيغرم, حيث يتجمع تلامذة سبعة عشرة جماعة تابعة لدائرة إيغرم ويغادرها كل سنة أكثر من ثمانين في المائة لعدم توفر الشروط المناسبة من تغذية وإيواء ومن ظروف صحية…

كما تم جمع جوائز المتفوقين في المدرسة الجماعاتية للنحيت التي تضم حوالي مائتين وخمسين تلميذا وتلميذة وتم توزيعها بحضور العشرات من ساكنة المنطقة وبحضور المدير الإقليمي للتعليم وأطر للقاء الجمعيات والفعاليات ممن جمعوا المنح والجوائز, نذكر منها جمعية المستقبل المتكونة من رجال التعليم المنتمين إلى المنطقة وجمعية التمدرس التي تقوم بالإشراف وتسيير حاجيات المدرسة الجماعاتية للنحيت. وجمعية المهاجرين بفرنسا التي أطلقت على نفسها (جي 8) إضافة إلى مساهمة المجلس الجماعي للنحيت وساكنة المنطقة, وقد تم تتويج الحفل الذي استمر يوما وليلا برقصة أحواش من صنف الدرست ورقصة مجموعة أكلاكال وبحضور جمهور غفير تجاوز ألف وخمسمائة نسمة من رجال ونسوة في الهواء الطلق.

وفي إطار العمل الجمعوي التطوعي الجاد، وكعادتها كل شهر غشت, قامت جمعية تيروكزان-مكزارت عدة أنشطة منها : يوما طبيا مجانيا وتكريم أحد شعراء المنطقة البارزين المرحوم زدوسي علي الذي تحدث عن مساره الشعري الأستاذ اعبان الطيب ابن قريته ايغيرن-وامان واستعرض أحد الباحثين م. م. الذي عايشه نماذج من أشعاره التي تناول فيها قيد حياته جميع الأغراض مستشهدا بأبيات له أدت به إلى السجن سنوات الرصاص وتكميم الأفواه وذكر المتحدث عن المحتفى به بالأسماء التي تم تكريمها من طرف جمعية تيروكزا, كما أقامت كعادتها سباقا على الطريق مسافة عشر كيلومترات وست كيلومترات شارك فيها العديد من شباب جهة سوس ماسة حيث تم الإعلان عن السباق في عدة مواقع ورصدت له جوائز مادية تم توزيعها بمتابعة جمهور غفير من الدواوير الوافدة على نقطة النهاية ولأول مرة حضرت ممثلة عن عصبة سوس ماسة لألعاب القوى سامية عدي اوهمو وافدة من تارودانت بطلب من الجمعية وساهمت بفعالية بخبرتها في تنظيم السباق من البداية إلى النهاية.

طبعا دون مساهمة مادية من الشبيبة والرياضة التي تجهل كل شيء عن فعاليات وإمكانيات العالم القروي على الصعيد الوطني لو وفرت الوزارة الوصية دور الشباب للفتيان والفتيات في أعالي الجبال حيث الطبيعة الخلابة والهواء النقي لأخذ المغرب وطننا نصيبه من الميداليات بمختلف أصنافها في الملتقيات الدولية, وقد سبق أن أشرنا في أحد الملتقيات إلى فتاة يتيمة الأم تزوج والدها ليكون نصيبها رعي الغنم وسوء المعاملة من طرف زوجة الأب, التفتت مرة لتشاهد الذئب حمل لها جديا وأخذ يجري ليبعده عن القطيع ودون نعال وخوفا من زوجة الأب، اتجهت وجهته كالسهم والتحقت به وأمسكت به في عنقه صارخة إلى أن أتى الرعاة المجاورين ليجهزوا عليه وليخبروا والدها وزوجته بما قامت به هذه التي أمسكت بالذئب حافية, والسؤال الذي يفرض نفسه هو: ألا تستطيع ومثيلاتها أن يمسكن بميداليات ذهبية في المسافات القصيرة والطويلة لو توفرت لهن أدنى الإمكانيات.

هذه الحكاية مهداة إلى المسؤولين في الشبيبة والرياضة ممن همشوا العالم القروي إسوة بغيرهم من المسؤولين في وزارات أخرى.
والعالم القروي يشكل درعا واقيا للوطن وخزانا للكفاءات في جميع المجالات.

*الاربعاء 24 غشت 2016.