يلعب الاستقرار دورا مركزيا في حياة المجتمعات، لأنه هو أساس الحياة الجماعية السليمة والآمنة. فمنذ فجر البشرية والإنسان يعمل من أجل الأمن والحريّة والعدالة… وقد كان ضبط العوامل التي تعوق الاستقرار هو المهمة الأساسية التي اضطلع بها الحاكمون عبر التاريخ، كما يشكل، في الآن نفسه، معيارًا مجتمعيا للحكم على كفاءتهم وجدارتهم باحتكار النفوذ والسلطة. أضف إلى ذلك أن التسلٌّط والقمع والإكراه كانوا وسائل لفرض الاستقرار عبر تاريخ البشرية، كما كانت كل مفاوضات الشعوب مع حُكَّامها و”تعاقداتها” معهم تتمحور حول الخضوع للحاكم مقابل حدّ أدنى من العيش الآمن، ولو كان الحكم مستبدّا، فكان على المجتمعات أن تختار بين التناحر بين مختلف قواها ومكوِّناتها وما ينجم عن ذلك من فوضى واضطراب يعرقلان الاستقرار،أو الخضوع لحكم مستبد “قادر” على تحقيق الأمن والاستقرار…

لقد سادت هذه المعادلة عبر تاريخ البشرية، لدى مختلف الحضارات، وتم إنتاج أفكار ونظريات عديدة حولها، وصولا إلى ميكافيلي في كتابه “الأمير” وتوماس هوبز في تنظيره لـ “قداسة” الدولة وأولوياتها ومبررات فرض الاستقرار. وظل الاستبداد نهجا لضمان الاستقرار عبر التاريخ، ولم يتم الفصل بينهما إلا مع عصر الأنوار الذي ظهرت فيه نظريات تٌعلي من شأن الفرد وإرادة الشعب، وتدحض تسويغ الحكام للاستبداد بكونه يحقِّق الاستقرار. وقد جاءت فكرة العقد الاجتماعي لـ ج ج روسو ومونتسكيو لتنهي احتكار حكام أوروبا للسلطة، وتنزعها منهم عبر هدم الأسس التي كانت تقوم عليها تلك السلطة المستبدَّة، ما شكَّل ثورة حقيقية في تاريخ الإنسانية، إذ كان من أولوياتها الأساسية تقويض العلاقة القديمة بين الاستقرار والاستبداد…

كما أدى ظهور فكرة “الإرادة العامة” وإعلاء قيمة الفرد والشعوب إلى حدوث ثورة تاريخية نقلت الأفراد من “رعايا” للكنيسة وحكام أوروبا آنذاك إلى مواطنين يتمتعون بالأهلية والمساواة والحقوق، ما أفضى إلى انقلاب في الأدوار بين الحكام والمحكومين، إذ أصبح “المواطن” يحتل مركز الاهتمام السياسي ويشكل أساس النظام السياسي، وصار “الحاكم” يخضع لتفويض مؤقت يُحدِّده عقد اجتماعي في فترة زمنية مضبوطة يخدم فيها الحاكم المواطنَ ولا يستبدُّ به. لكن هذا التحوُّل لم يحدث دفعة واحدة، وبدون كلفة؛ فالاستبداد يقاوم التغيير بشراسة مدَّعيا ألا استقرار بدونه. ويفيدنا التاريخ بأن الاستبداد لم يستطع الصمود في وجه رياح الحرية، حيث كان يخسر في كل مرحلة مساحة جديدة. وبدأت الحرية تنتشر وتتسع، فتأكَّد تحقيق الاستقرار مع الحرية. وإذا كان محتملا أن يوجد استقرار في ظل الاستبداد، فإنه عابر ومؤقت، وتكون دواما نهايته دموية، لأنه لا يعالج قضايا المجتمع ولا يحلُّ معضلاته، بل يتصرف وكأنها غير موجودة ويتركها تتراكم وتتفاحش، كما أن “الرَّعية” تخاف من مطالبة المستبِدِّين بحلول لمشكلاتها، فيستولي هؤلاء على ثروات البلاد باستمرار، وينتشر الفساد، وسوء استغلال السلطة والنفوذ بكل أشكالهما، فتنفجر الفوضى، ويتبخر استقرار الاستبداد ويذهب مع الريح… وعلى عكس ذلك، يقوم استقرار الحرية على مواجهة المعضلات المجتمعية بعقلانية وشفافية وحزم، حيث تتم محاربة الفساد ومساءلة المواطنين للحاكمين، كما يتم تطوير المشاريع… أضف إلى ذلك أن الفصل بين السلطات يحول دون هضم المستأثرين بالسلطة والثروة لحقوق الفرد والمجتمع وحرياتهما…

يدَّعي المستبدون وجود أديان ومذاهب مختلفة في المجتمع، وطوائف وإثنيات وقبائل وجماعات جاهزة للانقضاض على بعضها البعض. لذلك، يُروِّجون أنه حتى لو كان الاستبداد على حساب حرية الأفراد، فإنه يضبط مٌكَوِّنات المجتمع المتصارعة لخشيتها بطشه، إذ يتم وأد الحروب الأهلية المُحْتَمَلَة في مهدها، ويستتب الاستقرار. ويحدث ذلك طبعا في جوّ من الهلع الدائم من المستبدِّين.

لقد عرف التاريخ تطبيق هذه الفكرة بشكل واسع، لكن يبدو اليوم أنه لم يعد لها أي مفعول، إذ أصبحت ترفضها مختلف المجتمعات المعاصرة، وبدأت تتخلص منها، لأن الاستقرار القائم على قمع مكونات المجتمع المتعادية هو مجرد استقرار عابر، لأنه قائم على استبداد لا يحلّ المشكلات ولا يقضي على أسبابها ولا يستأصلها من جذورها، بل يحافظ عليها عبر إخفائها، وبذلك فهو لا يقوم سوى بتأجيل انفجارها. كما قد يلجأ أحيانا إلى تأجيج الصراعات بين مختلف جماعات المجتمع ومكوناته لشرعنة بقائه. وأحيانا أخرى قد يتحالف الاستبداد مع مجموعة عرقية أو طائفة أو عصبية معينة، ويجزي لها العطاء، فيستأثر بالحكم، مستعديا عليه باقي مكونات المجتمع. ونظرًا لضبط الاستبداد للصراع بالقوة والعنف بين هذه المكونات، فالعلاقات بينها وبينه تصبح هشة وقنبلة موقوتة، كما ينسحب ذلك حتى على العلاقات بينها.

عندما يقوم الاستقرار على الحرية، قد ينشب صراع عنيف بين مكونات المجتمع في البداية، لكنه يخفُّ تدريجيا، إذ تعي القوى المتعادية أن الحلَّ يكمن في الاعتراف ببعضها البعض عبر تقديم تنازلات متبادلة، فيُتخلُّص من العنف طوعيا، ويتحقق التعايش والاستقرار. وهذا لا يعني أن الصراع والتنافس بين مكونات المجتمع يختفيان نهائيا، بل يظلان قائمين، لكن بأشكال سلمية وحضارية وأسلوب ديمقراطي. وهكذا يتم تجاوز النظرة التبسيطية التي تعتبر المجتمع كتلة منسجمة ومتناغمة، كما يروِّجُ المستبدِّون الذين يسعون جاهدين إلى ترسيخ نظام سياسي أبوي. فعندما يسود الاعتراف بالصراع والتنافس داخل المجتمع، تتمسك مختلف مكوناته بالحل الديمقراطي لتنظيمه. هكذا يتم تحقيق الاستقرار مع الحرية، وليس على حسابها. ومع هذا النوع من الاستقرار تُصان حقوق الإنسان، وتنشأ الظروف المُفجِّرَة لطاقاته الإبداعية، على عكس الاستبداد الذي يخنق أنفاسه وينزع منه إنسانيته، ويُغَيِّبُه ويفنيه…

ومن المؤسف أن نجد اليوم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من يرَوِّج لوجود تناقض بين الحرية والأمن، وبين الديمقراطية والاستقرار، وكأن الديمقراطية تضر بالاستقرار والحرية تزعزع الأمن، مع أن تجارب مختلف البلدان الديمقراطية تكشف زيف ذلك، إذ تعيش هذه الأخيرة آمنة في ظل الديمقراطية والحريات واحترام كرامة الإنسان… ويدلّ غياب الأمن والاستقرار في جوهره على انعدام الحرية والرغبة في قمع كل صوت مختلف… كما أنه يعني فشل السلطة في إدارة شؤون الدولة.

وبالتالي، فإن اعتبار الحرية مزعزعة للاستقرار هو خديعة… فمجتمعات هذه المنطقة ليست ملزمة بالاختيار بين الديمقراطية وبين الاستقرار، بل عليها بالمطالبة بهما معا، والتمسك بهما، ورفض الاختيار بينهما أصلا.