يتعرض المجتمع المغربي لتهديد لم يسبق له مثيل، قد يسيء إلى تلاحمه وتوافقه على نموذج مشترك للعيش وللتعامل مع التدين و النظرة للآخر ولطبيعة الروابط التي تجمع بين مختلف الفئات، حيث بدأت تسود، بالتدريج، ثقافة كرست وضخمت، عمليا، عددا من المظاهر والقيم السلبية التي كانت موجودة، بتفاوت في حدتها، لكن الوضع الحالي الذي نعيشه ينذر بتعميقها ونقلها من بنية إلى أخرى أشد وأخطر.

يتعلق الأمر بتجديد بنية تقليدية، متخلفة، كانت قائمة، لكنها هامشية، فأصبحت تتطور وتتمظهر في تبني منظور ديني مستورد يحاول أن يسود في الحياة العامة، معتمدا على فقهاء وفقيهات ينشرون فكرا متزمتا بين الناس، يستغلون مكانتهم التي تعود في الكثير من الأحيان إلى مظهرهم ولباسهم والألقاب التي يطلقونها على أنفسهم، يتسلطون على حياة المواطنين بمختلف الوسائل … كل ذلك، في إطار عمليات نفعية، يبتغون من ورائها ربحا سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا.

لقد أصبح المغرب مهددا بنموذج كهنوتي، لم يسبق أن عرفه، و يتشكل من رجال ونساء، نصبوا أنفسهم أوصياء على تدين الناس وقيمهم وأخلاقهم وسلوكهم يمارسون عليهم كل أنواع الضغط والدعاية والترهيب الفكري للوصول إلى غاياتهم، بينما يؤكد الواقع أن أغلبهم يمارسون عكس ما يدعون، في عملية نفاق ورياء وتضليل، معروفة، تتسم بها كل التجارب التي يختل فيها التوازن لصالح دعاة التشدد.

لقد أثبت الواقع أن كل المشاريع الإيديولوجية التي تتبنى منهجا «مانويا» ( نسبة إلى ديانة «النبي» الفارسي، «ماني»)، الذي يقسم العالم إلى ضفتين، النور، أي الخير، والظلام، أي الشر، لا تؤدي في نهاية المطاف، إلا إلى التطرّف والظلم وخراب المجتمعات، لأن هذا التقسيم الحاد، ينتج المواجهة و لا يعكس الواقع الذي هو معقد بطبيعته ونسبي في جوهره.

المشروع المجتمعي الذي بشر به دستور 2011، لا علاقة له بهذا التصور «المانوي» للعالم، بل هو دستور بني، أساسا، على فلسفة انفتاح الحضارة المغربية على محيطها الإقليمي والدولي وعلى روافدها المتعددة، وعلى التعدد والاختلاف وحرية الفكر والرأي وحقوق الإنسان، وليس على التزمت والظلامية والرجعية التي نرى تجلياتها الكاريكاتورية في مظاهر وحوادث بعض الفقهاء والفقيهات الذين وضعوا نصب أعينهم مهمة السيطرة على المجتمع والدولة، ونهجوا خطة التشدد الإيديولوجي، كسلاح للاكتساح وردع الخصوم.

*بالفصيح

     الاثنين 29 غشت 2016.