لم يعد موضوع التوجه العام للسياسة الأمريكية بدعمها للتيارات الرجعية في العالم العربي، أمرا يحتاج إلى دليل، فالمسألة معروفة منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، عندما اعتبرت واشنطن أن مواجهة التيارات القومية واليسارية لا يمكنها أن تتم دون تحالف مع دول المنطقة التي تعادي هذه التيارات، وعلى رأسها دول الخليج، باستثناء العراق الذي كان يحكمه البعثيون.

لذلك كانت أدبيات التيارات القومية واليسارية تدين باستمرار، التحالف الإمبريالي/الرجعي، في مرحلة تاريخية تميزت بالحرب الباردة بين ما كان يسمى بالمعسكرين، الشرقي والغربي، حيث كان التقاطب حادا بين الطرفين. ورغم انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان يقود المعسكر الشرقي، إلا أن الإدارة الأمريكية ظلت حليفة للرجعية بأشكال مختلفة، وفي إطار استراتيجية جديدة.

تمثلت هذه الاستراتيجية في تدمير الدول التي كانت تعتبر قائدة للتيارات القومية، لذلك كان العراق أول المستهدفين، حيث تم احتلاله وتفكيك بنية دولته وجيشه وتم تشجيع الانقسام الطائفي وصولا إلى خلق كل شروط ميلاد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، في إطار تضخيم التناقضات بين السنة والشيعة وضرب الأطراف بعضها ببعض، لتفتيت وحدة الدولة إلى أجل غير مسمى.

نفس السياسة نهجت في كل البلدان العربية الأخرى التي عرفت ما يسمى بالحراك، حيث تدخلت الإدارة الأمريكية بكل الوسائل التي تملكها وبدعم من قطر، على الخصوص، لتزكية التيارات الرجعية، كما حصل في مصر، حيث كان التدخل سافرا، مما دفع بالشعب المصري إلى الثورة في 30 يونيو 2013، ضد حكم الإخوان المسلمين، غير أن الحيّز الأكبر من الشعارات التي رفعت كان ضد أمريكا.

في سوريا، قام تحالف أمريكي- تركي-خليجي بدعم التيارات الرجعية، من بينها تنظيم «القاعدة» الذي أطلق على نفسه أسماء أخرى بالإضافة إلى دعم «داعش». ونفس الوضع عرفته ليبيا، حيث لا تتوانى الإدارة الأمريكية عن تزكية أي توجه من هذا القبيل في البلدان العربية كلما أتيحت الفرصة لذلك.

غير أن هذه السياسة تتخذ شكلا آخر في البلدان التي لم تتمكن منها المنظمات الإرهابية ذات التوجه الأصولي، حيث يتم تزكية منظمات وأحزاب سياسية محسوبة على التيارات الرجعية بمختلف وسائل الدعم المالي، عن طريق دولة قطر، خاصة، وبكافة أشكال الضغط الأخرى، من أجل فرضها، بشكل لم يعد سرا على أحد، حيث أصبحت زعامات ما يسمى بالإسلام السياسي، من أفضل زبائن سفارات الولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها، ولم يفلت المغرب، بدوره، من هذه الاستراتيجية المزدوجة.

*بالفصيح

    الخميس 01 شتنبر 2016.