من بين الإشكالات الكبرى التي تطرح في الحياة السياسية بالمغرب، اليوم، الالتزام بتوجهات ومواقف مبدئية، بناء على قناعات واختيارات واضحة، غير أنه مع اقتراب كل استحقاقات انتخابية، تنطلق الانتقالات من حزب لحزب بالنسبة لعدد من المرشحين، مما يفقد الالتزام السياسي معناه الحقيقي.

الأمر ليس جديدا، و لطالما شوه المشهد السياسي، لذلك ناضلت الأحزاب الديمقراطية ضد ما يسمى بالترحال السياسي لإعطاء معنى جدي للانتماء الحزبي، غير أن كل ما تم لحد الآن، لم يجد نفعا في الحد من هذه الظاهرة السلبية، لأن إرادة الإصلاح الحقيقية لم تتوفر.

لم تتوفر بشكل صارخ عندما انسحب حزب الاستقلال من النسخة الأولى لحكومة عبد الإله بنكيران، ورغم ذلك احتفظ رئيس الحكومة بمحمد الوفا، وزيرا، رغم أنه ينتمي للحزب المنسحب في نسخة حكومته الثانية، فكان ذلك إعلانا مبكرا من طرف حزب العدالة والتنمية على الاستمرار في تزكية ظاهرة الميوعة السياسية.

تكرست هذه الظاهرة أيضا في الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة، وتتكرر الآن بأشكال أفظع من السابق، حيث أخذ الرأي العام يطّلع على أخبار تغيير الانتماء، بشكل مفاجئ وبدون أي مبرر إيديولوجي أو سياسي، بل فقط من أجل محاولة الحصول على مقعد.
ومن المعروف في السياسة أن تغيير الانتماء يبنى على قناعات لا تحصل إلا بعد مراجعات عميقة، في عملية نقد ذاتي يتم الإعلان عنها ومناقشتها وتعميم معطياتها وحيثياتها، انسجاما مع ضمير الشخص، واحتراما للمواطنين الذين ينبغي التعامل معهم كأشخاص ناضجين، يختارون بناء على الثقة والقناعة في البرامج والتوجهات السياسية.

ويبدو أننا سنعيش في الاستحقاقات المقبلة حالة غير مسبوقة من الميوعة السياسية، خاصة عندما تروج أنباء عن احتمال ترشح رئيس حزب في لائحة حزب آخر. هذه حالة فريدة في تاريخ الأحزاب تدعو إلى القلق على مصير الإصلاح السياسي، وتزكي الانتهازية، كممارسة مقبولة ومستساغة، في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن يكون مشهدنا السياسي أكثر نضجا وجدية.

*بالفصيح

     الجمعة 2 شتنبر 2016.