يعطي المشهد السياسي المغربي قبيل انتخابات اكتوبر التشريعية صورة مشوهة خطيرة عن أوضاع الممارسة السياسية في بلادنا. كما ينبيء عن مخاطر كثيرة على مستقبل الحياة السياسية والديمقراطية يستحيل التكهن بحجمها وتوقيت مداهمتها للبلاد ومضاعفاتها الوخيمة بالتأكيد.

ويبدو ان طبيعة هذا الاستحقاق الانتخابي الديمقراطي الهام قد أضفى طابع الحدة القصوى على هذه الاوضاع التي ينبغي الاعتراف اننا قد نجد لها بعضا مما يوازيها في البلدان الديمقراطية العتيقة خلال الفترات الانتخابية الرئيسية، دون ان تتماثل مع ما يجري في بلدنا هذه الأيام العصيبة. حيث يمكن القول انها بمثابة مقابلها الكاريكاتوري على جميع المستويات تقريبا.

فإذا كان مفهوما ان لحظات الاستحقاقات الكبرى تستدعي اتخاذ قرارات بحجمها هذه حقيقة غير قابلة للإنكار،
وإذا كان منتظرا ان اتخاذ القرارات يعني الانحياز الى تصورات وبرامج تطرح للتطبيق دون تصورات وبرامج اخرى يتم تقدير صانع القرار داخل كل حزب سياسي انها غير متناسبة مع أوضاع الحزب وطموحاته، وما تسمح به الظرفية السياسية وتطور الحياة الديمقراطية في البلاد. ولن تجد من بماري في الأمر بطبيعة الحال.

وإذا كان محتما على الأحزاب اتخاذ قرارات تحديد طواقم المرشحين لتولي وظائف التمثيل في البرلمان وإنجاز البرامج ووضع التصورات على جدول اعمال المؤسسات للبت فيها، وهو أمر محط إجماع مناضلي مختلف الأحزاب السياسية.

وإذا كان هذا يعني بالضرورة استبعاد عدد من المنتمين الى تلك الأحزاب عن لوائح المرشحين باسمها، وورود عدد من الاعضاء في تلك القوائم نظرا لاستحالة تجاوز الاعداد المحددة في الدستور للمناصب التمثيلية في المؤسسة التشريعية وهو مسطر ومعروض على الجميع قبل هذا الاستحقاق الانتخابي الهام. وهو بذلك امر مقبول ضمنيا او بصورة علنية.

اذا كان كل هذا مفهوما وحتميا ومقبولا مبدئيا، فإن ما هو غير مبرر وان سهل التقاط معانيه بالنسبة لأي متتبع للحياة السياسية في بلادنا هو كيف يتناسى العديد من مناضلي الأحزاب السياسية بمن فيهم من يتحملون مسؤوليات قيادية فيها كل المعطيات السابقة، للتركيز على معطى واحد ووحيد منها: وهو مسألة استبعادهم من لوائح الترشيح، كما لو كان الدافع الوحيد الى الانخراط في صفوف تلك الأحزاب. فلما تعذر تحقيقه عمت الهستيريا الأوساط التي اعتبرت ان الحيف قد لحق بها. وغاب العقل، كما تم نبذ كل الواقعية والعقلانية التي كان يدعو الى سيادتها عدد لا يستهان به الأعضاء المعنيين صباح مساء. اما الديمقراطية في التعامل مع القرارات المتخذة داخل بعض الهيئات فحديث خرافة كما يقال.

وقد افرز هذا الواقع غير السوي، بكل المقاييس، ما نراه من صراعات ومشاحنات سياسية، داخل الأحزاب السياسية، بين من يعتبرون أنفسهم ضحايا لمجرد استبعادهم من لوائح المرشحين حيث يولول البعض نادبا حظ الديمقراطية الحزبية داخل الاطار الذي ينتمي اليه، ويهدد قياداته بالويل والثبور وعظائم الأمور. لعل عملية الابتزاز تأتي أكلها. فإذا يئس منها حاول حشد الزبناء والاتباع لإحداث هزة تنظيمية داخل الحزب، وشق الطريق نحو التمرد والانشقاق تارة. وإعداد العدة للقيام بعملية الترحال الموسمية الى اطر حزبية تارة أخرى بما فيها تلك التي كانت في عرفه، الى الأمس القريب، خصما او عدوا سياسيا ضمن منطق لا يختلف في عمقه عن منطق بحث الرحل عن مناطق الرعي الخصبة لمواشيهم على تتالي فصول السنة.
وعلى هذا المستوى تبدأ مشاهد النحيب السياسي المتبادل بين مختلف القوى التي يتهم بعضها البعض الآخر باصطياد مناضليها والتغرير بهم او حتى شراء ضمائرهم وذممهم.

وليس هناك من شك ان المشهد النهائي يعطي الانطباع ان ما يشاع من ذم للسياسة والسياسيين في بلادنا هو امر واقع الامر الذي يعمق العزوف السياسي لدى أوسع فئات المجتمع التي تعتبر ان العمليات الانتخابية والسياسية لا تعنيها في آخر الأمر وان الذين تعنيهم هم هؤلاء الذين يتصارعون ويتهم بعضهم البعض بالارتزاق واللصوصية الى غير ذلك من التهم التي تدفع المواطن الى استبطان كل ما هو معيب وشائن في الممارسة السياسية.

ولعل من المفارقات التي لم تعد غريبة على الحياة السياسية المغربية، في مثل هذه الاستحقاقات الانتخابية، ان يحاول كل حزب سياسي تقديم نفسه باعتباره المنقذ والمخلص من مختلف أزمات المجتمع. والحال، ان سلوكها ازاء بعضها ينم عن عدم نضج في تدبير الخلافات، فأحرى ان تكون قادرة على ابداع الحلول لتلك الأزمات التي يتم التضخيم فيها تارة والاستخفاف بها تارة اخرى، بحسب المواقع التي تحتلها قربا او بعدا من مؤسسات المسؤولية التشريعية والتنفيذية.

فهل نحن امام انفصام في الشخصية السياسية داخل مشهدنا السياسي كما قد يمكن استنتاجه من هذا السلوك السائد فيه الا ما ندر؟ ام ان الأمر لا يعدو كونه توترا طبيعيا ملازماً لكل المراحل المفصالية في كل حياة سياسية طبيعية وحيوية؟

انه السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح شديد غير ان الجواب عليه يتطلب متابعة دقيقة لمختلف تلك الصراعات والمشاحنات للتمييز فيها بين ما هو قائم على خلفية فكرية سياسية وبرنامجية وما ليس الا من أعراض حمى الانتخابات العابرة.

الخميس 8 شتنبر 2016.