ما يعطي للفكر اليساري تميزه الدائم، هو تبنيه لمشروع مجتمعي متكامل، ورؤية شاملة للتغيير، بمرجعية إيديولوجية عميقة، واختيارات سياسية واضحة. لذلك، ظلت التيارات اليسارية، قوية، رغم الضربات التي تتلقاها، من مختلف قوى اليمين، ولم يؤثر مخطط إضعافها في تمييع مواقفها من قضايا مبدئية.

من أهم هذه القضايا المبدئية، مناهضةُ التيارات الرجعية، لأنها، أولا يمينية، على مستوى اختياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولأنها ثانيا، تروج لإيديولوجية ظلامية، في كل مواقفها ضد حرية الفكر والتعبير، وحقوق الإنسان، وتحرر المرأة، والحريات الفردية…

إذا كان هناك من قوتين، تقفان باستمرارعلى طرفي نقيض مطلق، فهُما اليسار والرجعية، حيث لا يمكن أن نجد بينهما أي نقطة التقاء، على كل المستويات. وهذا ما حصل في التجربة المغربية، حيث إن اليمين الرجعي، الذي يطلق عليه اليساريون «الخوانجية»، بدأ نشاطه بالثانويات والجامعات، في سبعينيات القرن الماضي، بالهجوم على الشباب اليساري، واستعمال العنف الجسدي، تحت حماية بوليسية واضحة.

لقد استٌعمل «الخوانجية»، من طرف النظام، لضرب اليسار، بكل السبل والوسائل، من أبشعها، عملية الاغتيالات التي ذهب ضحيتها عدد من الطلبة، بالإضافة إلى الشهيد عمر بنجلون، غير أن ما حصل في المغرب، لم يكن سوى نسخة مكررة، لما حصل أيضا في مصر وتونس والأردن، وغيرها من البلدان التي سعت الأنظمة فيها، إلى الحد من التأثير المتصاعد لقوى اليسار، خاصة في الجامعات، حيث كانت تنظيمات «الإسلامويين»، تلجأ إلى توظيف عناصر لا علاقة لها بالطلبة، لتنظيم هجومات على اليساريين،بتواطؤ مع الأجهزة الأمنية، لأنها تعتبر أن «العلمانيين الملحدين»، عدوها الرئيسي.

هذه حقائق ثابتة، لن تغيرها أي خطة تاكتيكية، اليوم، من طرف بعض الذين يدعون اليساريين للتصويت على مرشحي حزب العدالة والتنمية، بمبرر الوقوف في وجه ما يسمونه «التحكم».

يمكن الجزم، منذ البداية، أن مثل هذه الخطة فاشلة، لعدة أسباب، أولها، أن اليساريين الحقيقيين، اصحاب مبادئ، ولن يغيروا قناعاتهم لدعم الرجعية، ثانيها أن حزب العدالة والتنمية لا يمثل بديلا ديمقراطيا، وقد أثبت ذلك في تجربة قيادته للحكومة، سواء في مشاريعه الاقتصادية أو الاجتماعية أو في اختياراته السياسية والحقوقية… ثالثها أن ادعاء مواجهة ما سمي ب»التحكم»، ليس سوى شعار انتخابي ظرفي، في إطار استراتيجية المظلومية، التي تنهجها كل الحركات الإخوانية، من أجل استدرار العطف واستجداء الأصوات، ومنها استجداء أصوات الأعداء اليساريين.

*بالفصيح

      الاثنين 19 شتنبر 2016.