ما من شك أن مراحل الانتقالات الديمقراطية في دول الجنوب عامة والدول السائرة في طريق النمو خاصة لا يمكن عبورها بسلام، بغض النظر عن الوثيرة والسرعة المتباينة من بلد لآخر، إلا من خلال التوفر على أرضية صلبة للتوافق السياسي ما بين الدولة والأحزاب السياسية الوطنية. ولا يمكن لهذه الأرضية أن تكون إلا عبارة عن قواعد وآليات للممارسة السياسية في سياقات متطورة زمنيا في مجال فصل واستقلالية السلط الدستورية سواء كانت مكتوبة أو عرفية.

في نفس الآن، الإقرار بالحاجة إلى التوافق هو تأكيد بوجود نظام سياسي وطني قوي، ومؤثر، يسهر على حماية المسار برمته ويرعى مصلحة الشعب والوطن. وفي نفس الوقت يكون هذا النظام فاعلا سياسيا يعمل بكل موضوعية ومعقولية لتحقيق التوازن السياسي المتيح للتناوب التوافقي ما بين الأحزاب المشاركة في الحياة السياسية في أقف الوصول إلى نظام برلماني. وعليه، أعتقد أن هذا المسار بمنعطفاته، التي قد تكون خطيرة في بعض الأحيان، يحتاج إلى دعم مجتمعي لتمكين النظام من أن يكون الطرف الأقوى في العلاقة التوافقية في بداية المسار، ويكون قادرا على مراكمة شروط النجاح لعبور المراحل السالفة الذكر.  فالتنازل على سلطه الدستورية للسلطات المنتخبة، أي للشعب، يبقى بلا شك مشروطا بمدى تحقيق القدرة المجتمعية في الأوطان على ربط السياسية بمصالح الشعوب أفرادا وجماعات (تذوق الشعوب لمزايا الديمقراطية وحمايتها).

وهنا، عندما يتم الحديث عن الحماية والسهر على حسن التدبير السياسي من طرف الأنظمة الحاكمة، يعني ذلك وجود نوع من الدعم للأحزاب الجادة، المتشبثة بالوطن ووحدته الترابية واستقراره، والمنقبة بشكل دائم على النخب الكفئة والمسؤولة وتدريبها على معرفة “خبايا قواعد التوافق” بالتدريج والتدرج ليتحولوا مع تراكم التجارب إلى رجال للدولة في بلدانهم…… إنه السبيل الوحيد، في نظر العديد من المتتبعين والمحللين، للتعبير على الوطنية الصادقة البناءة، وعلى الروح الواحدة للأمة، و”جسدها” الموحد (ترابها)، وعقلها السياسي، وللحيلولة  دون إتاحة الفرصة للقوى الأجنبية لاختراق أبناء الشعب الواحد. بالطبع، في هذا المسار بآلياته، يكون المصير الطبيعي للكائنات أو المجموعات الانتهازية الإقصاء الموضوعي على أساس عدم فهمهم للغاية من التوافق وآفاقه على المستوى الزمني القريب والمتوسط والبعيد.

في نفس السياق، يطرح سؤال الديمقراطية الداخلية بالنسبة للأحزاب السياسية وعلاقته بالتقدم الديمقراطي لمسار الانتقالات السالفة الذكر؟، فهناك من يقول أن مستوى الديمقراطية داخل الأحزاب خاصة، ومنظمات المجتمع المدني عامة، لا يمكن له أن يتجاوز مستوى تطور الديمقراطية في ممارسة السلطة في الدولة، وهناك من يدفع بالعكس، أي بضرورة تجاوز مستوى الديمقراطية الداخلية للأحزاب مستوى الديمقراطية في الدولة لتسريع وثيرة الفعل السياسي وتراكم مكتسباته…….. وكيف ما كان جواب السؤال السالف الذكر ومبرراته، يبقى تعمد المبالغة في الابتزاز السياسي، أو التعبير عنه بمستويات مختلفة خطابا وممارسة من هذا الطرف أو ذاك، ظاهرة غير مقبولة، لكونها تساهم في إبعاد الدولة بمؤسساتها عن الشعب. وقد تؤدي المبالغة في ذلك، في تبخيس العمل السياسي، وبالتالي النيل من قدرة وإرادة الأنظمة السياسية أو القوى المجتمعية في تسريع مسار بناء الانتقال الديمقراطي.

في نفس الآن، قد تسبب الضغوط غير المبررة على الفاعلين في كل المجالات السياسية والإدارية والثقافية والاقتصادية في فرملة عجلات الانتقالات الديمقراطية السالفة الذكر. فالفاعل، الغيور على وطنه، والفاهم، نوعا ما، لمستلزمات التوافق وشروطه، غالبا ما يكون يقظا وحذرا في الحالات التي يشك من خلالها في مضمون وهدف مبادرات يطلب منه تنفيذها. بالطبع قد تكون هذه المبادرات من صنف إداري أو قضائي في الظاهر، ومن الصنف السياسي في المضمون، ليبقى واجب التأكد من مدى تناغم طبيعة هذه المبادرات مع مستلزمات التوافق السياسي وخدمة المستقبل حقا مشروعا ومضمونا للفاعل السياسي الوطني.

ولا يمكن أن نختم هذا المقال بدون القول أن مصطلح “التحكم السلبي” في سياق الانتقالات الديمقراطية  لا يمكن أن ينبثق ويروج له بحدة في المشاهد السياسية من هذا الطرف أو ذاك إلا في حالة تباعد مواقف الأطراف في مسألة الحسم مع مضمون أرضية التوافق السياسي البناء. إذا كانت الأنظمة الحامية لمسار هاته الانتقالات تضع ضرورة دوام توازن القوى السياسية كشرط لاستمرار التوافق، فإنه من غير المقبول أن تستحوذ مثلا فئة أو عائلة أو عشيرة على حزب معين وتمارس الابتزاز لتحقيق مصالح فئوية ضيقة على حساب الفئات العريضة المكونة للشعوب والأمم….. الأكيد كذلك، أن الشعوب في مراحل الانتقالات الديمقراطية لبلدانها لا تكل ولا تمل في طرح أسئلة تخص وضعهم السياسي من قبيل :

*ما هو الطرف السياسي الأكثر غيرة على مصلحة الشعب والوطن؟

*هل الأنظمة السياسية أكثر وطنية من الأحزاب السياسية أم العكس؟

*هل مستجدات تطور أحداث التاريخ السياسي لبلد ما قد تظهر رداءة الفعل السياسي عند بعض الأحزاب إلى درجة يعتبرها الرأي العام مناهضة للتغيير؟

*هل الإرادة الوطنية للأحزاب السياسية في تحقيق التغيير، وبالسرعة المطلوبة، تقاومها الأنظمة السياسية الحاكمة أم العكس؟

*كيف يمكن مواجهة ظاهرة الابتزاز السياسي لجعل السياسة في صالح الشعوب بامتياز؟

*متى تتاح فرصة استغلال شعار “الانتقال الديمقراطي” من طرف ما من أجل استغلال خيرات وطنه تحت ذريعة هشاشة الوضع التعليمي والثقافي وضعف الوعي السياسي؟

*عن صفحة الكاتب

    الخميس 20 شتنبر 2016