يوماً بعد يوم تتأكد أهمية ونجاعة العدالة الانتقالية كآلية لطي صفحات قاتمة من تاريخ الدول، وتأمين مراحل التحول السياسي، حيث اقترنت العديد من تجارب الانتقال الديمقراطي بإعمال هذا الخيار في عدد من الدول بمناطق مختلفة من العالم (أمريكا اللاتينية وإفريقيا وأوربا الشرقية وشرق آسيا..).

إن العدالة الانتقالية هي أسلوب استراتيجي متطور لإدارة الأزمات ينبني على التوافق وتحصين المكتسبات، وتأمين الأجيال اللاحقة ضد مختلف الانتهاكات والانحرافات.
في عام 2003 أحدثت هيئة المصالحة والإنصاف بمبادرة من الملك محمد السادس، كسبيل لطي صفحات قاتمة من تاريخ المغرب التي اقترنت بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كما جاءت التجربة كنتاج لتوافق ملكي مع مجموعة من فعاليات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية والسياسية، وكاختيار لدعم الانتقال السياسي في إطار الاستمرارية، وضمن نفس النسق الدستوري والسياسي.
لم يكن هذا الاختيار معزولاً، بل جاء في سياق مجموعة الإصلاحات والمبادرات التي أطلقها المغرب منذ بداية التسعينات من القرن المنصرم، تم خلالها الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وسمح لعدد من المنفيين بالعودة إلى أرض الوطن، فيما تم إعمال إصلاحين دستوريين عامي 1993 و1996، جاءا بمجموعة من المقتضيات التي دعمت تكييف المنظومة التشريعية مع المعايير الدولية المتعارف عليها في مجال حقوق الإنسان، كما تمت المصادقة على عدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة، وسنّ عدد من التشريعات، وإحداث مجموعة من المؤسسات التي كان لها الأثر في دعم حقوق الإنسان، كما هو الشأن بوزارة حقوق الإنسان والمحاكم الإدارية.. علاوة على وصول المعارضة إلى الحكومة برئاسة عبد الرحمن اليوسفي عام 1998.
حملت تشكيلة الهيئة دلالات عميقة، لكونها ضمت عدداً من الناشطين الحقوقيين والمعتقلين السياسيين السابقين وبرئاسة أحد الضحايا الذي هو الراحل إدريس بن زكري.

انصبّ عمل الهيئة على البحث والتحرّي فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالاختفاء القسري والاعتقال التعسفي التي وقعت بين عام 1956 تاريخ استقلال المغرب وعام 1999 تاريخ وصول محمد السادس إلى الحكم وإنشاء هيئة التحكيم المستقلة، كما كلّفت الهيئة أيضاً بإعادة الاعتبار للضحايا وتمكينهم من تعويضات مادية، إضافة إلى بلورة توصيات تدعم التشريعات والسياسات العمومية على طريق منع حدوث مثل هذه الانتهاكات في المستقبل.
وكسبيل للتنفيس على الضحايا بعدما عانوا الأمرّين داخل المعتقلات وخارجها، تم تنظيم جلسات استماع عمومية (نقلت مباشرة أطوارها عبر وسائل الإعلام المغربية المرئية والمسموعة) لفائدة الضحايا الذين قدّموا ملفات شكاواهم، دون الإشارة إلى الأشخاص بعينهم.

فقد سمحت التجربة بتأهيل الضحايا اجتماعياً ونفسياً وصحياً.. كما أتاحت تقديم تعويضات لهم، وتم الكشف عن المقابر الجماعية، وتحويل عدد من المعتقلات إلى متاحف ومراكز ثقافية.. فيما تمت المصادقة على عدد من الاتفاقيات الدولية ومواءمة عدد من التشريعات المحلية مع هذه الاتفاقيات (قانون الأحزاب، والقانون الجنائي..) فيما فتح نقاش عمومي بصدد إصلاح القضاء ودعم استقلاليته.

لم تتوقّف حصيلة الهيئة عند هذا الحد، بل أنجزت تقريراً مهما قدّم للعاهل المغربي في نهاية أشغالها عام 2005، تضمن معطيات ومعلومات بشأن الانتهاكات، وتوصيات مختلفة تدعم الحسم النهائي مع خروق الماضي.

تضمّن التقرير مجموعة من المقترحات بشأن جبر الضرر الفردي والجماعي، وكشف حقيقة مجموعة من الحالات ومتابعتها، وتوصيات أخرى بتعزيز الإصلاحات الدستورية والتشريعية الداعمة لاحترام حقوق الإنسان والحكامة الأمنية، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب واستحضار مبادئ سمو القانون الدولي لحقوق الإنسان وتعزيز استقلالية القضاء.. وتجريم الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والإبادة العنصرية.. وتقوية سلطات البرلمان في مجال تقصّي الحقائق، ومواصلة الانضمام إلى اتفاقيات القانون الدولي لحقوق الإنسان. والمصادقة على نظام المحكمة الجنائية الدولية..

شكّل عمل هيئة المصالحة والإنصاف بالمغرب تجربة متميزة في المنطقة العربية وشمال إفريقيا، سواء على مستوى إحداث الهيئة في حد ذاته، أو على مستوى النتائج والتوصيات التي خلصت إليها.

وقد أبرزت تحولات الحراك الذي شهدته المنطقة، أن خيار المغرب في هذا السياق، كان صائباً، فقد أسهم ذلك في تعزيز مسار الإصلاحات السياسية وعبور مرحلة الحراك الذي برز مع حركة 20 فبراير بشكل سلمي وسلس، تعززت معه الإصلاحات السياسية والدستورية.. وبخاصة على مستوى «دسترة» العديد من توصيات الهيئة، بالتأكيد على حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، وإعطاء مكانة سامية للاتفاقيات والمعاهدات الدولية المصادق عليها، وتأكيد معاقبة جريمة الإبادة وجرائم الحرب، وكافة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.. وإرساء مبدأي قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة.. مع تعزيز استقلالية السلطة القضائية.

حقيقة أن عمل هيئة المصالحة والإنصاف لا يحتمل القداسة والكمال، ذلك أن ملف حقوق الإنسان يظل مفتوحاً، ويتطلب مقاربات منفتحة وشمولية، غير أن استحضار هذه التجربة وما تحمله من دلالات في الظروف الراهنة التي تمر بها العديد من الدول العربية، وما تحيل إليه من عنف وصراعات وارتباكات أمنية.. يمكن أن يكون مفيداً من حيث دورها في استحضار المشترك، وإرساء المصالحة وتدبير الخلافات بأقل تكلفة.

عن صحيفة الخليج

  الجمعة 23 شتنبر 2016.