في بداية الحملة الانتخابية كما هو الشأن عشيتها ، أطلق الخطاب الأصولي الذي يغرف من معجم التطرف، العنان لفكره كي ينظر إلى المجتمع نظرة تكفر مواطنات ومواطنين وهيئات، ويدعي أن لخيار الهيئة الناخبة طريقين يعبدهما الصوت المدلى به : الجنة أو النار.

مع بداية الحملة يوم السبت الماضي، فوجئ الرأي العام بسيل من المصطلحات، والصيغ، والتصورات التي تضمنتها خطابات مرشحين ومقالات وتدوينات بل وصورتعج بها وسائط التواصل الاجتماعي بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الاستحقاقات المغربية منذ بداية ستينيات القرن الماضي.

لقد عبأ أصوليو حزب العدالة والتنمية كتائبَ إعلامية لشن حملات تكفير، وموجات تهديد، ووصفات مساندة، ووصلات تشهير، تحتل اليوم المشهد الافتراضي، وتمارس نوعا من الابتزاز، والضغط، والوعيد، في محاولة واضحة جلية، تهدف بالأساس إلى سرقة المؤسسات والاستيلاء عليها والاستحواذ على مفاصلها .

المغرب يعيش اليوم حالة غريبة وخطيرة في الآن معا، تتمثل في أن حزبا سياسيا جعل من التطرف الأصولي وقودا له، وفتح الباب لعضويته لأشخاص أعلنوا عن مواقفَ لا تعرف سوى التكفير، ولا ترى للمجتمع سوى بعيون الغلو الذي يغرف من كتابات الظلامية .
عبر تاريخ المغرب خاصة أثناء جهاده ضد الاستعمار أو في معاركه السياسية المؤسساتية وغير المؤسساتية، كانت رموز الفكر السلفي معتدلة في خطابها، وسطية في طروحاتها، لاتجعل من الدين خادما للحقل السياسي، ومن السياسة رهينة لدى المجال الديني.كانت الرموز التاريخية بخطاباتها وكتاباتها بمواقفها واجتهاداتها، تدعم وحدة المجتمع، وتؤمن بحقه في الاختلاف ،تحترم فاعليه السياسيين، وتجعل من احترام آرائهم مبدأ، ومن وطنيتهم خطا أحمرَ لايجب التشكيك فيهما .

عبر تاريخ المغرب، كان رموز الفكر السلفي يحترمون المرأة، ولايحطون من كرامتها، وينتصرون للاجتهاد الذي يطور المجتمع بكل مكوناته، ويعتبرون أن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وأن الله يغفر الذنوب جميعا وأنه هو جل علاه الذي سيحاكم ويحاسب عباده ويصدر أحكامه غدا يوم القيامة .

لكننا اليوم، نرى أشخاصا نصبوا أنفسهم وكلاء لله يتوفرون على أحكام جاهزة فردية وجماعية يصدرونها لأجل مصالحهم وغاياتهم ، وأن على الناس، وعلى الناخبين أن يخضعوا لخطابهم، ولفتاويهم …

لقد فتح هؤلاء الباب لفكر متعصب متطرف مستورد، ويسعون لزرع توجهاته بين المغاربة. وفي كل مناسبة، يستغلون الفرصة كي يستهدفوا وحدة المجتمع المغربي ،ويبثوا بذور هذا الفكر الذي حول دولا إلى دمار ومقابرَ جماعية، وشعوبا إلى شتات ومآس وفواجعَ .

اليوم، والحملة الانتخابية في بدايتها ، يتعاظم هذا الخطاب في محاولة منه، لقرصنة نتائج السابع من أكتوبر، مما يجعل المغرب رهينة له .

*رسالة الاتحاد

     الاثنين 26 شتنبر 2016.