لم يوضع المغاربة، منذ الانتخابات التشريعية في سنة 1963، أمام اختيار حاد بالشكل الذي يعيشونه اليوم، حيث لا يتعلق الأمر، بانتخاب ممثلين في مجلس النواب، فقط، بل أيضا، برسم خارطة طريق لجيل بأكمله، وبتصور لمجتمع الغد.

فقد أثبتت الخمس سنوات، من تجربة الحكومة، التي ترأسها حزب العدالة والتنمية، أن الأمر لم يكن يتعلق باختيارات اقتصادية واجتماعية، يمينية و لا شعبية، بل بأخطر من ذلك، بمشروع مجتمعي، مشابه لذلك الذي ترزح تحته شعوب في الخليج، هو مزيج بين البداوة الثقافية والتشدد الديني، المسلط على الجماهير، بينما تعيش النخبة الحاكمة والمؤسسة الدينية، التابعة لها، في عالم آخر من الامتيازات والبحبوحة والشهوات، لاعلاقة له بالتزمت المفروض على المجتمع.

المجتمع الذي يحاول هذا الحزب الضغط على المغاربة، لقبوله، بقوة الترهيب الإيديولوجي وبالديماغوجية، باسم الدين، والتقرب من الجماهير، وجهه الحقيقي، بشع وقبيح، تكشف أقنعته السياسة الفعلية التي طبقت في أرض الواقع، ضد مصالح هذه الجماهير وطموحاتها، في كل المجالات، في التشغيل والتعليم والصحة والسكن، و عبر الزيادة في الأسعار والضرائب، وتجميد الأجور، والتراجع عن المكتسبات الاجتماعية…

نفس وزراء وبرلمانيي هذا الحزب، وأعضاء حركته الدعوية، «التوحيد والإصلاح»، هم الذين كانوا وراء الأزمة التي يعيشها المغرب، اليوم، والتي تتجلى في أرقام مخيفة، من المديونية الفاحشة وارتفاع مستوى البطالة، بين مختلف الفئات، وخاصة الشباب حاملي الشهادات، وتراجع الاستثمارات، وضرب القدرة الشرائية للمواطنين…

نفس الفقيهات والفقهاء، الذين يحولون المساجد إلى فضاء للدعاية السياسية، ويجوبون الأسواق ويرتادون المآتم، لترديد خطابهم الإيديولوجي، هم الذين يخلعون جبة الدعاة، اليوم، ليساندوا مرشحي العدالة والتنمية، لمواصلة مسلسل هدر مستقبل الأجيال الشابة، والزج بالمغرب في مشروع مجتمعي، مناقض كلية لما تم التوافق عليه، في دستور 2011.
إذا كان التحدي الذي عاشه المغرب، في بداية الستينيات من القرن الماضي، هو الاختيار بين مجتمع ديمقراطي وآخر استبدادي، فنفس التحدي يواجهونه اليوم، لكن في سياق مختلف وأدوات مختلفة.

اليوم يواجه المغاربة تحديا خطيرا، عليهم أن يختاروا مغربهم، إما أن يكون ديمقراطيا وحداثيا، تحترم فيه حقوق الإنسان، وتصان فيه كرامة الشغيلة، وتضاء فيه الآفاق أمام الشباب في التربية والتعليم والتشغيل، مغرب لا يعلو فيه صوت فوق صوت العلم والمعرفة والعقل والتفتح على الحضارات الإنسانية، أو مغرب الرأسمالية المتوحشة، الملفّعة بقناع التشدد الديني، والنفاق الأخلاقي، والانغلاق الحضاري، لخدمة مصالح فئة من المستفيدين، وتمتيع زبناء الحركة الدعوية/السياسية، بالامتيازات والمنافع، وتعويض حقوق الشعب وكرامة الناس، ببعض الفتات من الصدقات والإعانات.

بالفصيح

الاثنين 26 شتنبر 2016.