تحاول جهات متعددة، يجمع بينها العداء لليسار وللديمقراطية وحقوق الانسان واصرارها على اغتيال التاريخ النضالي المجيد للقوى الوطنية والديمقراطية الاصيلة، تحاول عبر كل الوسائل ان ترسخ في الوعي الشعبي فكرة مفادها ان المشهد السياسي المغربي يتميز بتقاطب ثنائي اساسي بين حزبي العدالة والتنمية من جهة وحزب الاصالة والمعاصرة من جهة ثانية، وان باقي الاحزاب ليست سوى ارقاما ثانوية وتوابع للحزبين الرئيسين.ويستدل اصحاب هذه الاطروحة الزائفة والمغرضة الى نتائج الانتخابات الجماعية الاخيرة التي وضعت الحزبين في الصدارة من حيث عدد الاصوات المحصل عليها والجماعات ومجالس الاقاليم والجهات التي عاد تدبير شؤونها للحزبين.
 
ومن المثير للانتباه ان الحزبين معا يعملان كل من جهته، وبوسائل مختلفة، لتكريس هذه الصورة من خلال مبارزة مفتعلة حول قضايا لا تهم في شيء الشعب المغربي وقضاياه الاساسية في بعديها التنموي والديمقراطي. وقد سخر الحزبان كل ما يمتلكانه من امكانات في مجال الاعلام والتواصل لخلق الفرجة “السياسية”، والهاء المواطنين عن مواجهة السياسات الحكومية التي ليست في نهاية التحليل سوى نسخة منقحة لسياسة التقويم الهيكلي التي قاومتها القوى الديمقراطية والحركة النقابية التقدمية بشجاعة بداية الثمانينات.
 
لو تجاوزنا الاتهامات المتبادلة بين الحزبين ( اتهام البحيدي للبام بالتحكم، واتهام البام للبحيدي بالمتاجرة بالدين)،وتمعنا في شروط نشاة الحزبين والوظيفة التي خلقا من اجلها،وكذا في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكليهما،فاننا سنكتشف دون جهد نظري كبير،ان الحزبين توامان حقيقيان، غاية وجودهما واحدة،وهي كبح الاندفاع الديمقراطي الذي عاشته بلادنا بعد المصالحة التاريخية بين الملكية والقوى الديمقراطية، والتي جسدتها حكومة التناوب التوافقي،وعرف اوجه مع حركة 20 فبراير، وتامين مصالح التحالف الطبقي الحاكم من خلال نهج اقتصادي واجتماعي يمتح من الليبرالية المتوحشة الجديدة التي لا تحسب اي حساب لقوت الشعب وحاجاته الاساسية من صحة وتعليم وسكن لائق وترفيه.
 
القواسم المشتركة بين التوامين “العدوين” انهما معا نشآ خارج اي سياق نضالي وطني او ديمقراطي، وخرجا في غفلة من الزمن من جبتي رجلين من خدام الدولة الحقيقيين، وانهما معا يسعيان الى التحكم مع اختلاف في النهج التحكمي وفي الخطاب: اذا كان البام اداة للتحكم في القرار السياسي من خلال اغلبية برلمانية تتيح له قيادة الحكومة المقبلة فان البجيدي يعمل من اجل التحكم في الدولة والمجتمع وفرض نمط حياتي وقيمي نقيض لقيم الديمقراطية والحداثة. وهكذا يبدو ان الصراع المحتدم بين الحزبين ليس صراعا بين مشروعين متناقضبن وانما هو صراع من اجل الحكم خدمة لنفس الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية. البجيدي والبام بمثابة ضرتان تحت نفس الخيمة، تتنافسان لارضاء رب الخيمة وصاحب النعمة،لكن بشعارات مختلفة ومرجعيتين مختلفتين.
 
ومما ساعد على ترسيخ هذه القطبية الزائفة حالة الضعف والتشتت التي عاشها اليسار منذ عقد من الزمن، خاصة الاتحاد الاشتراكي الذي كان اكثر المتضررين من تعثر الانتقال الديمقراطي واجهاض التناوب الاول بداية الالفية الثالثة. منذئذ تراجعت الحصيلة الانتخابية للاتحاد الاشتراكي لاسباب شتى،وانتهت كل محاولات توحيد اليسار الى فشل ذريع؛مما افسح المجال لحزبي الدولة العميقة لتصدر المشهد السياسي على حساب الاحزاب الوطنية الديمقراطية التي عاشت اوج عنفوانها زمن الكتلة الديمقراطية خلال التسعينات. ومما زاد الجبهة الديمقراطية ضعفا وارتباكا انقسامها بين الاغلبية ( التقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال قبل الانسحاب) والمعارضة ( الاتحاد الاشتراكي) بعد الانتخابات التشريعية ل 2011 وتشكيل الحكومة الحالية بقيادة البجيدي.
*الثلاثاء 27 شتنبر 2016.