يرى الباحثون الأنثروبولوجيون والسوسيولوجيون أن الطائفية والقَبَلِية تُعلِيان من شأن تنظيمَيْها، حيث تعتقد كل واحدة منهما أن تنظيمها أعلى وأرفع من كل الكيانات الأخرى التي تحيط به، كما أنها تنظر إليه بكونه الوطن أو العقيدة أو هما معا. وهذا ما يجعل تنامي المشاعر الطائفية والقَبَلِية يؤدي إلى إضعاف الروح الوطنية، ما قد يمزق أواصر تماسك النسيج المجتمعي في إطار دولة وطنية يجمعها الانتماء لوطن يحظى بالأولوية عندها، حيث تضعه فوق كل شيء.

لقد بدأ الترويج لفكرة إعادة رسم الحدود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم، حيث بدأ الحديث آنذاك عن نظرية نهاية “الدولة الوطنية”. ولإنجاز ذلك ارتأى أصحاب هاتين الفكرتين ضرورة خلق اضطرابات داخلية في بلدان هذه المنطقة تؤدي إلى حروب وتطاحنات طائفية وقبلية، حيث يعتقدون أن الحدود الحالية التي أقرَّتها “معاهدة سايكس-بيكو” لم تعد ملائمة لزمن العولمة.

وشاعت هذه الأفكار رسميا في سنة 2006، حيث دعت وزيرة الخارجية الأمريكية “كوندوليزا رايس” في تلك السنة إلى مشروع جديد للشرق الأوسط تقتضي إقامته خلق أزمات تَقود إلى الفوضى والعنف في دول هذه المنطقة. وبعد ذلك بدأت جهات غربية قريبة من دائرة القرار تعلن عن مخطط لإعادة رسم الحدود بالمنطقة وفق المفهوم الجديد للشرق الأوسط المختلف عما كان قائما آنذاك.

ففي إحدى المناسبات الرسمية للحلف الأطلسي سنة 2006، تمَّ القيام بتوزيع برنامج تدريبي لكبار عسكريي هذا الحلف، قيل عنه آنذاك إنه يعكس خطط الأجهزة العسكرية والمخابراتية الأمريكية التي ترمي إلى تفكيك الشرق الأوسط إلى دويلات صَغِيرَة، لكن بعض الدول الأعضاء في هذا الحلف وجهت النقد لهذه الخطط، حيث اعتبرت أنها تتضمن سعيا لتقسيم منطقة الشرق الأوسط دون حساب تبعات هذا التجزيء…

كما نشرت مجلة القوات المسلحة الأمريكية في تلك السنة نفسها خريطة مرافقة لمقال للكولونيل المتقاعد “رالف بيترز ” تحت عنوان “حدود الدم.. نحو شرق أوسط أفضل” يطرحُ فيه أن رسم الخريطة الجديدة يفرض خلق توترات ونزاعات طائفية وقَبَلِية تٌفَجِّر حروبا أهلية تُمَكِّن من إعادة رسم الحدود.

وهذا ما يفسر إثارة النعرات الطائفية والعرقية والحروب الأهلية في كل من العراق، وسوريا، وليبيا، واليمن. كما بدأت أقليات في بعض دُوَل هذه المنطقة تطالب باستقلالها بتشجيع من بعض القوى العظمى وبعض دول المنطقة، ما يشكل ضربا لمبدأ الدولة الوطنية.

إضافة إلى ذلك، فقد دعا “جون بايدن”، نائب الرئيس أوباما، عندما كان عضوا في الكونجرس، إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات: شيعية، وسنية، وكردية. ومن المعلوم أن تنظيم “داعش” والتنظيمات المشابهة له تتبنى فكرة تفكيك دول المنطقة بهدف ضرب مبدأ الدولة الوطنية.

فضلا عن ذلك، فقد سبق لفكرة الشرق الأوسط الجديد، المفتّت إلى كيانات صغيرة عن طريق العنف والحروب الأهلية، أن ظهرت مرارا في خرائط مختلفة لمؤسسات غربية عديدة. فقبيل حرب العراق، كتب الخبير العسكري الإسرائيلي “زئيف شيف Zeev Schiff” عن الاتجاه نحو تقسيم هذا البلد إلى ثلاث دويلات: إحداها سُنِّية، وأخرى شيعية، وثالثة كردية. كما قام الرئيس بوش الأب بإلقاء خطاب قُبَيل غزو العراق قال فيه: إن العراق سوف يشكل نموذجاً للاحتذاء في كل دول المنطقة.

علاوة على ذلك، سبق لشيمون بيريز أن قال في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” الصادر سنة 1993: إنه لا يمكن الاستمرار في الاعتماد التقليدي على المفهوم الحالي للشرق الأوسط،، والدولة الوطنية، والحدود الحالية، لأن ذلك أصبح متجاوزا بحكم ظروف العولمة ومقتضياتها، حيث يجب على بلدان المنطقة إعادة النظر في هويتها، وفتح حدودها، وأن يكون هناك تدبير مشترك لمصادر المياه الطبيعية… كما أكد “مارتن كرامز” مؤلف كتاب “الشرق الأوسط القديم والجديد” أن سياسات ما بعد الحرب الباردة لم يعد وازعها الصراع الإيديولوجي، بل التنافس على المصالح، ثم أضاف: إن السياسات في الشرق الأوسط تحكمها الصراعات بين الهويات، ما يشكل إشارة صريحة إلى ضرورة إثارة النزاعات الطائفية والعرقية في هذه المنطقة التي ستفضي بدورها إلى تفتيت دولها إلى هويات متعددة ومتناحرة.

تبعا لذلك، أصبحنا نلاحظ اليوم احتلال مليشيات أجنبية لمساحات من بلدان ذات سيادة في هذه المنطقة، حيث تمكنت من السيطرة عليها بدعم قوى خارجية، ما أدى إلى الفوضى والصراعات المسلحة. وترى القوى العظمى أن هذه الأوضاع الخطيرة سوف تفرض حتما التفاوض على إعادة رسم الحدود. وهذا ما يُبيِّن بجلاء أن ما يسود من صراع طائفي وقَبَلِي في المنطقة يخدم مخططات الدول العظمى في المقام الأول، ولا يجلب للمنطقة وأوطانها وأهلها سوى الدمار…

وبذلك يتضحُ أن إثارة الصراعات الطائفية والنعرات القَبَلِية لم يأتِ صدفة، بل تمَّ التخطيط له لإضعاف الدولة الوطنية بغية خدمة المصالح الإستراتيجية لبعض القوى العظمى في هذه المنطقة، حيث أطلقت هذه الأخيرة منذ تسعينيات القرن الماضي حملة الترويج لفكرة نهاية عصر الدولة الوطنية بهدف تقسيم أوطان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى كيانات صغيرة متعددة ومنفصلة.
لذلك، فما يدفع اليوم إلى الاستغراب هو الإصرار على تكريس استمرار قيام “المؤسسات المنتخبة” في بلادنا على الطائفية والقَبَلِية والنزعات التقليدية، ما يحول دون تحديثها وبنائها ديمقراطيا ويجعلها أرضا خصبة لإنجاز مخططات التقسيم السالفة الذكر…

*الاثنين 10 اكتوبر 2016.