يبدو ان خصوصية التاريخ السياسي للمغرب خلال العقود التي اعقبت الاستقلال قد خلقت ظروفا ساعدت على بلورة فكرة ملتبسة في صفوف شرائح اجتماعية واسعة مفادها: ان المعارضة تعني الانتماء الى قوى اليسار حصرا. اما ان تتبلور قوى سياسية معارضة اخرى، خارج هذا التصور فليس سهل التقبل، بل وليس مقبولا عند الكثيرين.

فقد كان الصراع السياسي متبلورا بين ما كان يطلق عليه الحكم او النظام تارة، او المخزن تارة اخرى، وبين قوى الحركة الوطنية المغربية عموما بمختلف تياراتها الوازنة. وكان الجميع تقريبا ينظر الى مختلف القوى التي تؤثت المشهد السياسي المغربي من هذه الزاوية الثنائية. اذ لم تكن القوى الوطنية والديمقراطية تعترف بأي حزب آخر خارجها معتبرة عددا من الاحزاب ادارية من حيث المنشأ، وظلت تنظر اليها من زاوية النظر إياها دون أخذ بالاعتبار لأي من التطورات التي عرفتها القوى الحزبية تلك، وتأثير ذلك على مصالحها وعلى المواقع التي تمثلها ضمن شرائح المجتمع المغربي.

كما ان بعضها قد اعتبر كل القوى الصاعدة على يسارها او التي ولدت من رحمها ترجمة لمؤامرات خفية احيانا وانحرافا نظريا وسياسيا وتنظيميا احيانا اخرى غير ان النتيجة واحدة وهي محاولة التشويش على المعارضة السياسية اليسارية وهو امر مرفوض بطبيعة الحال.

ولم يتم إحداث نوع من التطبيع في الحياة السياسية إلا من خلال تشكيل حكومة التناوب برئاسة الاستاذ عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الاول الأسبق للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

غير ان التأمل في نوع من الخطاب السياسي المغربي الراهن يوحي بأننا أمام دعوات مضمرة، على الأقل، الى العودة الى فكر الثنائيات الذي أتت حكومة التناوب أصلا للقطع معه، فأصبحنا نرى مفردات السياسة المعتمدة لدى البعض تنحو منحى حصر المعارضة في احزاب دون غيرها، مع ان التصنيف العادي لحالة المعارضة يسع كل القوى غير المشاركة في الحكومة في اي بلد من البلدان بغض النظر عن تصوراتها السياسية.

صحيح انه يمكن التمييز بين قوى المعارضة انطلاقا من توجهاتها الفكرية الأيديولوجية والسياسية يميناً ويسارا غير ان هذه مسألة أخرى تماما، وهي تتجاوز المستوى الاول من التصنيف لتدخل الى مجال طبيعة المعارضة وأهدافها المجتمعية والسياسية كما لا يخفى على احد.

 

عن صفحة الكاتب

الجمعة 28 اكتوبر 2016.