(1)

لن نقبل أبدا أن يستمر تعامل بعض رجال الأمن بنفس الصورة النمطية و التي ترسخت في الأدهان مند ستينات القرن الماضي ، فلا شك أن الدولة تصرف بسخاء على الأجهزة الأمنية بما يمكنها من القيام بدورها على أكمل وجه في بلد يكاد يكون مهددا في أمنه بشكل يومي .

و قد لا ينكر أحدا بأن أجهزتنا قد أفلحت إلى حد ما في الحد من الجريمة وإحباط الكتير من الخطط الإرهابية التي كانت من الممكن أن تتسبب في إزهاق أرواح العديد من الأبرياء، حيت بسطت نفودها بصورة تستحق عليها الإشادة، وهوما تشهده به الأرقام المتدنية لمعدلات الجريمة بكل أنواعها ،مقارنة بما هو عليه واقع الحال في الكتير من دول الجوار.

إلا أن ما راكمه رجال الأمن من الخبرة و التجربة لم يحول دون وقوع تجاوزات متفرقة تركت آثارا سلبية في نفسية الكتير من المواطنين الدين تعرضوا لمواقف مدلة مست كرامتهم و جعلتهم يشعرون بالإحتقار والإهانة .

و لعل هدا الانطباع الذي يتركه بعض رجال أجهزة الأمن في الشارع، هو انطباع سلبي، يتمثل في الرهبة والخوف اللذين تبعثهما في نفوس المواطنين. ويستطيع المرء ان يرصد انعكاسات هذا الانطباع في العديد من الممارسات، أو العادات التي لا ترجع إلى نقص في مروءة الناس بقدر ما يرجع إلى الخوف من رجل الأمن. إن هده الصورة النمطية لرجل الأمن تحتاج لتغيير بما يتلاءم و متغيرات العصر حيت الدعوة إلى إحترام قيم المواطنة و تعزيز حقوق الإنسان .

فكم من مواطن صادف في طريقه حادثاً ولم يتوقف لإسعاف المصاب خوفاً من الشرطة نائيا بنفسه عن المشاكل والمتاعب التي يتوقعها في حال تدخله النبيل لتقديم المساعدة ؟ وكم من مرة كتم أحدهم شهادته لما رآه بأم عينيه و لم يتدخل لنفس السبب ، وهو الخوف من ان تجرعليه شهامته متاعب وتخلق له مع رجال الأمن . بل إن الطفل الذي يلاحظ ذلك الإرتباط الذي يبدو على تصرفات والده أو عائلته عند توقفهم بحاجز أمني وما يسمعه من تجوزات يجعله مند صغره يتوق إلى أن يكبر ليصبح شرطياً يخيف هو الآخر الأولاد و العباد ! دلك أننا بهذه الصورة النمطية، لم نخسر الشرطي الإنسان فحسب وهوالذي يحمي أمننا و يدعم استقرارنا ، و لكن سنكون أيضا قد خسرنا قبله المؤسسة الشرطية، كمؤسسة ذات أهمية كبرى في حفظ السلم و استتباب الأمن .

(2)

لا شك ان هناك إجماع على أن وظيفة رجال الشرطة بمعناها الواسع هي صيانة النظام العام، وحماية الاشخاص والممتلكات، مما يحتمل أن يقع عليهم من طوارئ أو تصرفات غير قانونية ، فمؤسسة الشرطة بهدا المعنى هي عبارة عن جهاز من الموظفين المسؤولين عن حفظ النظام العام، وتنفيذ القوانين بما في ذلك مكافحة الجريمة و الحد من انتشارها.
و بغض الطرف عن مبدأ العقاب و الجزاء فإننا كمجتمع مدني نطمح إلى الإرتقاء بأجهزتنا الأمنية إلى جعلها أكتر انفتاحا على محيطها بشكل يعزز التقة المتبادلة بين مؤسسات الدولة و عموم المواطنين و سلوك يؤسس ﻟﻔﻜﺮﺓ الشرطة ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ و التي تهدف إلى ﺍﻟﺤﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻈﻮﺍﻫﺮ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﺴﻠﺒﻴﺔ ﻗﺒﻞ ﻭﺻﻮﻟﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺟﻬﺰﺓ ﺍﻷﻣﻨﻴﺔ ﺑﺘﺪﺧﻞ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺷﺨﺼﻴﺎﺕ ﻣﺠﺘﻤﻌﻴﺔ ﻟﻠﺘﺨﻔﻴﻒ ﻣﻦ ﺣﺪّﺓ ﺍﻟﻤﺸﻜﻼﺕ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﻣﻨﻬﺎ ﺍﻧﺤﺮﺍﻑ ﺍﻷﺣﺪﺍﺙ .
و الشرطة المجتمعية ﺗﻤﺜﻞ ﺃﺳﻠﻮﺑﺎً ﺟﺪﻳﺪﺍً ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺸﺮﻃﻲ، ﻭﺗﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺍﺣﺘﻴﺎﺟﺎﺕ ﻭﻣﺸﻜﻼﺕ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ، ﺑﻤﺸﺎﺭﻛﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﻣﻊ ﺍﻟﺸﺮﻃﺔ، ﻟﻤﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻻﻧﺤﺮﺍﻑ ﻭﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻭﻣﻜﺎﻓﺤﺘﻬﺎ ﻭﺍﻟﻮﻗﺎﻳﺔ ﻣﻨﻬﺎ .
و بالنظر إلى الكوادر الشابة التي بدأت تتحمل المسؤولية الأمنية من خريجي الجامعات و المعاهد العليا و المتشبعة أصلا بقيم التضامن و حقوق الإنسان فإن هناك تحول ملموس نحو إستراتيجية أمنية تسعى إلى اﺷﺎﻋﺔ ﺍﻟﻄﻤﺄﻧﻴﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ , ﻭﺗﻌﺰﻳﺰ ﺟﺴﻮﺭ ﺍﻟﺜﻘﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺸﺮﻃﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ , ﻭﺑﻨﺎﺀ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﻣﻌﺎﻓﻰ ﻣﻦ ﺍﻻﻧﺤﺮﺍﻑ ﻭﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﺗﺴﻮﺩﻩ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﻔﺎﺿﻠﺔ , ﻭﺇﺣﻴﺎﺀ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﺘﻜﺎﻓﻞ .
و في الأخير و نحن نوجه العزاء في وفاة أخينا محسن نأمل أن تأخد العدالة مجراها و أن لا تتكرر متل تلك المأساة التي تضر بالجميع و قد توقد نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد .. نسأل الله تعالى أن يرحم محسن فكري و يغفر له و يسكنه فسيح جناته و انا لله وانا اليه راجعون .

عن صفحة الكاتب

الاحد 30 اكتوبر 2016.