1- ضرورة التحرر من “الصواب الموروث”

كتاب “تهتافت التهافت” لابن رشد(*)، اشتهر به مؤلفه واشتهر هو بمؤلفه، ولكن معظم الذين اشتهر عندهم هذا الكتاب وصاحبه لم تتجاوز معرفتهم بهما ما ذاع وشاع عنهما من آراء، جلُّها من ذلك النوع الذي يتلقاه الناس من مصادر يجهلونها أو يجهلون قيمتها ودوافعها وميولها، فتكتسب قوتها ومصداقيتها من كونها “موروثا جماعيا” يتلقاه الناس ويداولونه فيما بينهم بوصفه “الحقيقة”، التي لا تناقش. إنه:”الصواب الموروث”.

من هنا كانت مشكلة الكاتب العربي الذي يسكنه هاجس “البيان والتبيين” و”الفهم والإفهام”، سواء تعلق الأمر بالتراث العربي الإسلامي أو بالفكر الحديث المعاصر. إنها، أولا وقبل كل شيء، مشكلة النقل والتبليغ:

كيف ننقل إلى القارئ العربي المعاصر فكرا “أجنبيا” عنه، له مرجعيات وفضاءات لا يرتبط بها ولا ينتمي إلى إشكاليتها، بلغة لا يشعر معها هذا القارئ بما شعر به ذلك الأعرابي الذي مر في البصرة يوما -زمن عصر التدوين- على جماعة من النحاة، يتناقشون في مسائل نحوية فأنصت إليهم؛ ولما لم يفهم من كلامهم شيئا صاح فيهم متعجبا: “تتكلمون في كلامنا بكلام ليس من كلامنا”!

ذلك ما عبر عنه بلغة “عالمة” -بعد ما لا يقل عن قرنين من عصر ذلك الأعرابي الذي استغرب لغة النحاة- أبو سعيد السيرافي النحوي المشهور، في مناظرته مع متى بن يونس رئيس مناطقة بغداد في عصره، حين صاح في وجهه هذا الأخير معترضا محتجا: إن النحو منطق العربية، أما منطق اليونان فهو نحو لغتهم، وإقحامه في الثقافة العربية هو بمثابة “إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها”!

وأحسب أن معظم -حتى لا أقول جميع- الذين يتصفحون اليوم الكتاب الذي بين أيدينا، كتاب “تهافت التهافت” لابن رشد، يشعرون بما شعر به ذلك الأعرابي: فالكلام الذي يتكلمه ابن رشد -أو غيره من الفلاسفة العرب القدامى- هو كلام عربي، على الأقل على مستوى الألفاظ والتراكيب؛ ولكن القارئ العربي المعاصر يشعر، ومع كثير من المعاناة، أن المعنى يستعصي عن التحصيل، تماما مثلما يستعصي عليه، أعني على القارئ العربي”المعاصر”، تحصيل معنى نص من النصوص الغربية المعاصرة، المترجمة إلى العربية. فإذا تعلق الأمر بنص في “اللسانيات”، مثلا، شعر بما شعر به ذلك الأعرابي! أما إذا كان النص في الفلسفة أو ما يشبهها فهو لا بد أن يحس برد فعل أشبه برد فعل السيرافي النحوي!

نحن لا نريد من هذه الملاحظات طرح المشكل بكافة أبعاده، العملية والنظرية، فهو مشكل عام يطرح مسألة عامة، هي مسألة “الثقافة” عندما ينظر إليها من منظور الخصوصية والكونية، و”المثاقفة” وتداخل الثقافات الخ… كل ما نريد إبرازه هنا هو أن قراءة نص، من نوع نصوص ابن رشد، يتطلب من القارئ استعدادا خاصا. فإذا كان القارئ من المختصين في الفكر الفلسفي العربي القديم -وكم عددهم في الثقافة العربية المعاصرة!- فاستعداده هو تخصصه. أما إذا كان من غير المختصين، وإلى هؤلاء ابتداء نتوجه بالخطاب، فإن المسئولية تتحول حينئذ من “الاستعداد” إلى “الإعداد”: تقريب القارئ غير المختص إلى ما يشبه بالنسبة إليه “كلاما في كلامنا ليس من كلامنا”، وجعله قادرا على اكتشاف نفسه أو بعض همومه بين ثناياه. ليس هذا وحسب بل إننا نطمح إلى أكثر من ذلك: إلى إعداد القارئ “المختص” نوعا خاصا من الإعداد، وذلك بحمله على جعل ما تراكم عنده من “الأحكام المسبقة” و “الآراء الموروثة” موضع سؤال، أو على الأقل وضعها بين قوسين، كما فعل ديكارت عندما عقد العزم على “مسح الطاولة” والبحث عن بداية جديدة.

2- الشهرة العائق… والجهل المركب

كيف السبيل إلى هذا وذاك؟ بعبارة أخرى: كيف السبيل إلى “مدخل” إلى كتاب مشهور لمؤلف مشهور قامت شهرتهما مقام المعرفة بهما! الشهرة في مثل هذه الحال “عائق” معرفـي. الناس يتصورون المشهور، بل ويتحدثون عنه، لا كما هو في نفسه، بل كما تنتجه الشهرة، ويعيد إنتاجه ما كان يسميه القدماء بـ “الجهل المركب”.

وابن رشد يعاني فعلا –لا في نفسه بل في غيره- من هذا النوع من “الجهل المركب”: من “المعرفة” الجاهلة التي تجهل أنها جاهلة. يعاني منها اليوم كموضوع لمعرفة الغير به، بنفس القدر الذي عانى منها كذات عارفة كان عليها أن تواجه جهل “العارفين”. وصيحاته في الكتاب الذي بين أيدينا، وفي كتبه الأخرى، ضد جهل “العارفين” بالموضوع الذي يدعون المعرفة به، تعبر فعلا وبألم، كما سيلاحظ القارئ معنا في هذا الكتاب، عن معاناة العالم الذي يواجه “الجهل المركب”. لنقل بلغة عصرنا: العالم الذي يواجه الإيديولوجيا، التي تقدم نفسها على أنها هي العلم، لا بل “العلم الحق الخالد”.

3- ردود ملأت التاريخ دون أن يكون لها تاريخ!

كان من الممكن أن نسلك في هذا المدخل المسلك نفسه الذي سلكناه في الكتابين السابقين اللذين صدرا في إطار هذا المشروع، كتاب “فصل المقال” الذي جعلنا المدخل إليه بعنوان “تاريخ العلاقة بين الدين والفلسفة في الإسلام”، حتى زمن ابن رشد، قاصدين إعطاء القارئ نظرة عامة عن تطور القضية المركزية التي يعالجها ذلك الكتاب، قضية العلاقة بين الدين والفلسفة في الثقافة العربية الإسلامية؛ وكتاب: “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة” الذي جعلنا المدخل إليه بعنوان: “كتاب في نقد علم الكلام دفاعا عن العلم وحرية الإرادة”، وتلك في الحقيقة هي القضية المركزية في ذلك الكتاب، فجاء هذا المدخل عبارة عن عرض “جينيالوجي”، تاريخي تكويني، لتطور علم الكلام وقضاياه إلى زمن ابن رشد.

كان يمكن أن نسلك هنا مع “تهافت التهافت” المسلك نفسه، فنعمد مثلا إلى التأريخ للردود على الفلسفة والفلاسفة في الثقافة العربية الإسلامية إلى زمن الغزالي، ثم إلى ابن رشد. إننا لو فعلنا ذلك لوجدنا أنفسنا نكرر بصورة أو بأخرى بعض ما قلناه في مدخل الكتابين السابقين، سواء بخصوص تاريخ العلاقة بين الدين والفلسفة أو تطور علم الكلام في الثقافة العربية الإسلامية إلى زمن ابن رشد، هذا فضلا عن أن مثل هذا المسلك لن يفيد كثيرا في هذا المقام. ذلك أن الردود على الفلاسفة، التي كتبها بعض المعتزلة وبعض الأشعرية قبل الغزالي، ومعظمها على “أرسطو” -ولم يبق منها سوى الإشارة إليها في كتب الفهارس والتراجم- لم تكن صادرة عن اطلاع كاف على آراء الفلاسفة. يتجلى ذلك واضحا من الفصل الصغير الذي خصصه الجويني، أستاذ الغزالي، للرد على الفلاسفة في كتابه “الإرشاد”، وهو فصل فقير ينم عن عدم استيعاب كاف لآراء الفلاسفة. أما رد الغزالي فهو يختلف، هو شيء جديد تماما: إن رد الغزالي على “الفلاسفة” ورد ابن رشد عليه هما من تلك الظواهر التي تملأ التاريخ دون أن يكون لها تاريخ!

وفي مثل هذه الأحوال فـ الـ”ما بعد” هو الذي يفسر الـ “ما قبل”. إن كتاب الغزالي يفسره ما بعده، وليس ما قبله. وبالتالي فاسئلتنا ستتجه إلى “المستقبل” الذي تلا لحظة الغزالي، وليس إلى “الماضي” الذي سبقه.

لنبدأ بالسؤال الأول: ما هذا الذي ملأ به الغزالي التاريخ، تاريخ الردود على الفلاسفة؟

4- “الضربة القاضية” الكاذبة!

فعلا، لقد شاع وذاع أن الغزالي وجه بكتابه “تهافت الفلاسفة” ضربة قاضية إلى الفلسفة لم تقم لها بعده قائمة. وهذا من “الحقائق” الموروثة التي ملأت “التاريخ” العربي الذي نسجه “الجهل المركب”؛ وسيكون علينا، إذن، البدء في هذا المدخل بكشف الغطاء عن كذب هذا “الصواب الموروث”. ذلك أن “الفلسفة” التي عارضها الغزالي، وبالتحديد فلسفة ابن سينا، التي عمل هو نفسه على نشرها من خلال معارضته لها، قد بقيت حية بعده تُوَظَّف التوظيف نفسه الذي مارسه فيها وعليها صاحبها، الشيخ الرئيس. وعلى العكس تماما مما هو شائع، فلم يكن لكتاب “تهافت الفلاسفة” ذلك الأثر الذي يعزى له، فلم تترد له أية أصداء تستحق الذكر، ما عدا إدراجه في قائمة كتب الغزالي من طرف بعض مؤرخي الطبقات الذين أرخوا للغزالي كواحد من كبار فقهاء الشافعية. أما المفكرون الأشاعرة الذين خلفوا الغزالي على ساحة علم الكلام والفلسفة فقد تجاهلوه تماما: لقد تم تجاهل ردود الغزالي على ابن سينا وكتبت ردود أخرى بديلة، بعيدا عن الجدل والسفسطة التي اتسم بها كتاب الغزالي؛ وأكثر من ذلك تجاهلت هذه الردود البديلة تكفير الغزالي للفلاسفة تجاهلا تاما!

ومن المفارقات اللافتة للانتباه أن البديل الذي دافع عنه الغزالي، وباسمه كفر “الفلاسفة”، وهو “علم الكلام” الذي كان في عصره يحيل إلى المذهب الأشعري، قد لبس هو نفسه “الفلسفة” ولبسته، مباشرة بعد الغزالي ببضعة عقود من السنين، لا غير، واستمر ذلك لقرون طويلة. وكما لاحظ ابن خلدون فقد “توغل المتأخرون (= من متكلمي الأشاعرة) في مخالطة كتب الفلسفة، والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحدا من اشتباه المسائل فيهما”. لقد أدلى ابن خلدون بهذه الشهادة بعد وفاة الغزالي بنحو ثلاثة قرون! وهي تصدق على ما بعده، وعلى مدى أزيد من ثلاثة قرون أخرى، كما سنرى.

5- كيف تحولت الفلسفة إلى إيديولوجيا

ولكن ما الذي حدث بالضبط خلال هذه القرون الثلاثة؟

علينا أن ننبه أولا إلى أن ابن خلدون أدلى بهذه الشهادة في خاتمة عرضه لتطور “علم الكلام”، الذي قال عنه إنه: “علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة”.(يعني مذهب الأشعرية، وكان معتنقا له). كان ابن خلدون يفكر، إذن، في المذهب الأشعري وحده. وإذا كان المذهب المعتزلي قد حافظ على “أصالته” وعدائه للفلسفة فلم يندمج فيها ولم تندمج فيه –وقد توقف عند النقطة التي تركه فيها كبار شيوخه الذين عاشوا قبل ابن سينا وآخرهم القاضي عبد الجبار، المتوفي سنة 415 هـ، عندما كان ابن سينا ما يزال في مرحلة الدراسة والتأليف- فإن المذهب الشيعي قد لبس هو الآخر الفلسفة السينوية ولبسته. وقد تم له ذلك بحرية أكبر وبصورة أعمق. كيف لا والشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا كان شيعيا إماميا متفتحا على المذهب الإسماعيلي الذي اعتنقه أهله وذووه.

لم تمت الفلسفة التي عارضها الغزالي وكفر أهلها، بل عاشت بعده في المذهب الأشعري نفسه، كما في المذهب الشيعي: عاشت كما أرادها صاحبها، ابن سيناء، أن تكون: بديلا عن علم الكلام، وبالتحديد علم الكلام الأشعري وبعبارة أخرى تحولت إلى فلسفة كلامية معلنة: إلى إيديولوجيا. لنوضح هذه الدعوى ببضع أمثلة:

6- الغزالي “بلع الفلاسفة وأراد أن يتقياهم فما استطاع”!

1- لنبدأ بالغزالي نفسه. في الكتاب الذي بين أيدينا، “تهافت التهافت”، يرد ابن رشد على الغزالي الذي خصص كتابه “تهافت الفلاسفة” للرد على ابن سينا أساسا. هذا شيء معروف ومتداول. ولكن السؤال الذي نريد أن نشرك القارئ معنا فيه هو التالي: لماذا توجه الغزالي بالخطاب والنقد والتجريح إلى ابن سينا بالذات (وإلى الفارابي بالعرض، كما يقول القدماء)؟ لماذا سكت سكوتا تاما ومطلقا عن الكندي، مع أنه كان فيلسوفا، وأقرب إلى المعتزلة خصوم الغزالي؟ ولماذا سكت عن فلاسفة آخرين مثل الرازي الطبيب الذي كان أبعد، من ابن سينا والفارابي، عن المنظور التوحيدي، السني والمعتزلي والأشعري والشيعي ؟

لن نجيب هنا عن هذا السؤال، فسيأتي الجواب عنه بعد حين. يكفينا الآن أن نسجل أن هذا السؤال الإجرائي يضعنا أمام حقيقة تفرض نفسها، وهي أن رد الغزالي على ابن سينا لم يكن بريئا! وإلا فلماذا تجند لابن سينا وسكت عن الآخرين؟ لقد كان ردا إيديولوجيا، كما نقول اليوم. والرد الإيديولوجي خطاب لا ينطق باسم الشخص المنتج له وحده، بل ينطق باسم الجماعة التي ينتمي إليها ذلك الشخص ويتحدث باسمها ولفائدتها، ضد جماعة أو جماعات أخرى. وهذا الطابع الإيديولوجي في الرد على ابن سينا يتكرر -ويا للصدف!- بصورة لافتة للنظر، كما يتكرر الرد المضاد المنافح عن ابن سينا، وذلك عبر أجيال ثلاثة متتابعة تلت الغزالي مباشرة، كما سنرى بعد قليل.

ما يهمنا الآن هو الوجه الآخر للرد الإيديولوجي. نقصد بذلك تبنِّيه بل امتصاصه لفكر الخصم، جزئيا أو كليا. كتب الغزالي عرضا مبسطا وواضحا لفلسفة ابن سينا في كتابه “مقاصد الفلاسفة” تمهيدا، كما قال، لنقدها وبيان تناقضها. ومن هذا الكتاب، الذي كتب بروح حيادية وموضوعية لافتة للنظر، يتجلى مدى امتصاص الغزالي وهضمه للفلسفة السينوية، وذلك إلى درجة يصعب معها تصور الغزالي يفكر خارج السنوية.

ذلك ما لمسه ابن العربي المتكلم الأشعري الأندلسي، الذي التقى بالغزالي وسمع منه، والذي قال فيه قولته المشهورة: “شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع”. وقد صاغ ابن تيمية الفكرة نفسها بعبارة أخرى فقال: “شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما استطاع”.

فعلا، بقي الغزالي مشدودا إلى الفلسفة وعلومها ينشرها بصورة أو بأخرى. لقد دعا بإلحاح إلى تبني المنطق الأرسطي بدلا من منهج المتكلمين، فألف فيه عدة كتب تحمل أسماء مختلفة وصرح، موجها الكلام إلى الأصوليين والفقهاء، بأن من لا يتقن المنطق (الأرسطي) لا يوثق بعلمه. أما ما دعاه ابن سينا بـ “الحكمة المشرقية”، والتي وعد بتأليف كتاب فيها بنفس العنوان ولم يتممه، فقد تبنى الغزالي منطلقاتها وعبر عن آفاقها، بدرجات متفاوتة، في كتبه المعروفة بنزعتها الصوفية الهرمسية: ابتداء من كتابه “إحياء علوم الدين” الذي أراد أن يجعل منه “فقه الروح” في مقابل “فقه الرسوم” و”الشكليات” فقه الفقهاء، إلى كتابه “مشكاة الأنوار” الذي تبنى فيه بوضوح الرؤية الفلسفية الهرمسية للكون وهي الرؤية التي تجد صيغتها “العالمة” في فلسفة أفلاطون وأرسطو. وهكذا فالغزالي الذي اشتهر بـ “الرد” على الفلاسفة، وعلى ابن سينا بالذات، كان سينويا في كل ما كان يعرفه في المنطق والطبيعيات والإلهيات، وفي كل ما ألف في هذه العلوم. لقد بقيت الفلسفة، وفلسفة ابن سينا بالذات، حية في قلب الغزالي نفسه. ومنه انتقلت إلى شيوخ المذهب الأشعري من بعده.

7- الشهرستاني يقدم البديل “الموضوعي” في الرد على ابن سينا

2) كان ذلك عن الغزالي نفسه. أما الشهرستاني، أكثر المؤلفين الأشاعرة التزاما للحياد والموضوعية في عرض آراء الخصوم، والذي خلف الغزالي في التدريس في نظامية بغداد، قبل وفاة هذا الأخير بسنة واحدة لا أكثر، فقد عرض الفلسفة الكلامية السينوية أربع مرات، على الأقل:

– المرة الأولى في كتابه “الملل والنحل” في الباب الذي خصصه لآراء الفلاسفة حيث عرض “رأي أرسطوطاليس” الذي استخرجه -كما يقول- “من مواضع مختلفة وأكثرها من شرح ثامسطيوس وكلام الشيخ أبي علي ابن سينا الذي يتعصب له وينصر مذهبه ولا يقول من القدماء إلا به”!

– والمرة الثانية في الكتاب نفسه في الباب الذي جعل عنوانه: “المتأخرون من فلاسفة الإسلام”، حيث اكتفى بذكر أسماء الذين سبقوا ابن سينا لينتقل مباشرة إلى من وصفه بأنه: “علامة القوم أبو علي بن عبد الله بن سينا”، الذي “كانت طريقته أدق عند الجماعة ونظره في الحقائق أغوص”، ولذلك اختار نقل طريقته من كتبه، معرضا “عن نقل طرق الباقين وكل الصيد في جوف الفرا”، كما قال.

– أما المرة الثالثة فعندما تصدى لـ”مصارعة الفلاسفة” في كتاب له يحمل نفس الاسم والذي اقتصر فيه على منازلة ابن سينا لكونه كما قال: “المبرز في علوم الحكمة وعلامة الدهر في الفلسفة”. وقد سلك الشهرستاني في هذه المصارعة مسلكا خاصا: يورد أطروحات لابن سينا بنصها تقريبا ثم يشرع في بيان ما فيها من تناقض، لينتقل بعد ذلك إلى مناقشة البراهين التي تؤسسها، لدحضها وإبطالها. كل ذلك بأسلوب هادئ لا عنف فيه ولا تشنج. واللافت للنظر أن الشهرستاني لا ينازل ابن سينا من موقعه كمتكلم أشعري، ولا يتعرض لمدى موافقة أو معارضة آرائه للعقيدة الإسلامية، بل يناقشه مناقشة فيلسوف لفيلسوف، متجاهلا تمام التجاهل الغزالي وكتابه “تهافت الفلاسفة”. بل يمكن القول إن كتاب الشهرستاني هذا، هو نوع من البديل “الموضوعي” في الرد على ابن سينا، أراد به مؤلفه نقض كتاب الغزالي موضوعا وشكلا. وهذا ما يشير إليه، ولو من طرف خفي، عندما كتب يقول في مقدمة الكتاب: “أردت أن أصارعه مصارعة الأبطال، وأنازله منازلة الرجال”. “وشرطت على نفسي أن لا أفاوضه (=ابن سينا) بغير صنعته، ولا أعانده على لفظ توافقنا على معناه وحقيقته، فلا أكون متكلما جدليا أو معاندا سوفسطائيا”. وهذه إشارة واضحة إلى رفض الطريقة التي سلكها الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة”، والتي لجأ فيها، بقصد وإصرار، إلى توظيف جميع أساليب الجدل والسفسطة.

– أما في المرة الرابعة فقد عمد إلى الجمع بين آراء ابن سينا وآراء المتكلمين في كتابه ” نهاية الإقدام في علم الكلام”، حيث يورد، بأسلوب يتسم بالهدوء والموضوعية، رأي كل فريق في المسألة الكلامية الواحدة مع ترجيح رأي الأشاعرة. وهكذا يكون الشهرستاني، الذي كان يلقب بـ “الإمام الأفضل”، قد فرش بالورود الطريق التي سيسلكها فخر الدين الرازي.

8- مع الفخر الرازي تحول علم الكلام إلى “فلسفة متنكرة”!

3) بالفعل كان الإمام ابن الخطيب، فخر الدين الرازي شيخ الأشعرية في عصره وفيلسوفهم دون منازع، أكثرَ سينوية من الشهرستاني –وكان قد ولد قبل وفاة هذا الأخير بأربع سنوات لا غير- ليس فقط لكونه لم يكتب ردا على الفلاسفة، إذ اكتفى بكتابة “شرح” نقدي لكتاب ابن سينا “الإشارات والتنبيهات”، وهو الكتاب الذي يعتبر أهم كتب ابن سينا وأكثرها تعبيرا عن اتجاه فكره، بل أيضا لكونه بدأ من حيث انتهى صاحب “نهاية الإقدام”، أعني من عرض آراء الفلاسفة والمتكلمين والمقارنة بينها. والحق أن الرازي -الذي كان معاصرا لابن رشد- يسجل نقطة تحول في تاريخ العلاقة بين علم الكلام والفلسفة، النقطة التي اندمج فيها الاثنان أحدهما في الآخر حتى “التبس على من جاء بعده، وسار على نهجه، شأن الموضوع في العلمين” -كما يقول ابن خلدون- وذلك في كتابه الأشهر: “محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين”، وهو الكتاب الذي أعاد فيه صياغة المذهب الأشعري موظفا المفاهيم الفلسفية السينوية، محاولا امتصاصها وإعطاءها توجيها آخر.

على أن الاتجاه الفلسفي لدى الرازي إنما يتجلى بوضوح أكبر في كتابه “المباحث المشرقية في الطبيعيات والإلهيات”، الذي قلنا عنه في مكان آخر، إنه يستعيد مشروع ابن سينا لتأسيس فلسفة مشرقية، ولكن داخل المذهب الأشعري لا خارجه!

يتعلق الأمر إذن، مع الإمام ابن الخطيب، بالانتقال بالفلسفة الكلامية السينوية من فلسفة تطمح إلى احتواء علم الكلام، إلى فلسفة تفتح صدرها لعلم الكلام ليطرح فيها إشكاليته، ليدخلها من أجل أن يحتويها فتحتويه في نهاية المطاف. ذلك ما نلمسه في مؤلفات الذين خلفوا الرازي أمثال البيضاوي(توفي 685هـ) في كتابه “طوالع الأنوار”، والإيجي (680-756 هـ) في كتابه “المواقف في علم الكلام”، وشرح الجرجاني (740-816هـ) له، إضافة إلى حواشي السيلوكي والشلبي عليه مما ضخم حجمه إلى أزيد من ألفي صفحة، فصار موسوعة في علم الكلام والفلسفة، وبقي المرجع الأساس في الدراسات الكلامية الفلسفية في الجامعات الإسلامية كالأزهر والقرويين والزيتونة إلى مستهل هذا القرن.

في جميع هذه المؤلفات، التي تشكل بمضمونها ومنهجها ما أطلق ابن خلدون عليه اسم “طريقة المتأخرين”، تبدو كفة الفلسفة أرجح كثيرا مما كانت عليه عند مؤسس هذه الطريقة: الفخر الرازي. والحق “أن الفلسفة في هذه المؤلفات أخذت تتزيى بعلم الكلام، وتحوِّل علم الكلام أحيانا إلى فلسفة متنكرة. وما أكثر العلماء الذين التزموا هذا الاتجاه بعد ذلك فقاموا، كلما سنحت سانحة، يتبعون الشيعي نصير الدين الطوسي فيدافعون عن ابن سينا ردا على الغزالي أو الشهرستاني أو التفتازاني”، وذلك إلى درجة أن مؤلفاتهم غدت “أحرى أن تصنف في تاريخ الفلسفة من أن يبحث عنها في تاريخ علم الكلام”.

9- الطوسي والدفاع عن ابن سينا..”على مذهب الإمامية”.

4) كان ذلك ما فعله، في مذهب كلامي، “آخر” للمذهب الأشعري، نصير الدين الطوسي (597-672هـ) الذي كان بالنسبة للفكر الشيعي كالرازي في الفكر الأشعري: كل منهما وظف الفلسفة السينوية في تأسيس المذهب الذي ينتمي إليه، مع هذا الفارق، وهو أن الطوسي كان شيعيا كابن سينا على مذهب الإمامية، إضافة إلى أن كلا منهما كان على صلة مباشرة بالإسماعيلية. وكما تخرج على يد الرازي كثير من كبار الأشاعرة الذين نشروا المذهب وذادوا عنه، كذلك كان الشأن بالنسبة للطوسي الذي تتلمذ عليه كثير من كبار علماء الشيعة الإمامية وفلاسفتها، مثل قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي (633-710) والحسين بن يوسف بن مطهر المحلى(648-727) الذي قال عنه: “كان هذا الشيخ (=الطوسي) أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية، وله مصنفات كثيرة في العلوم الحكمية والشرعية على مذهب الإمامية”. ويتميز الطوسي بكونه مارس العلم أيضا فألف في الهندسة والحساب والجبر وعلوم الفلك والطب والطبيعيات، وله في كثير من هذه العلوم اجتهادات وآراء متقدمة.

جاء نصير الدين الطوسي، المولود قبل وفاة الرازي بأقل من عشر سنوات، ليدافع عن الشيخ الرئيس ابن سينا، ضدا على ناقديه ومصارعيه من الأشاعرة. إن التمذهب، أو لنقل الإيديولوجيا، لا تقبل الاختلاف حتى ولو في إطار أصل واحد. كتب الطوسي إذن ردا على الشهرستاني بعنوان “مصارع المصارع”، قال في مقدمته: “فرأيت أن أكشف عن تمويهاته وأميز بين تخليطاته”. ومع أنه يضيف قائلا: “غير ناصر لابن سينا في مذاهبه”، فإنه نصر ابن سينا وانتصر له في كتبه الأخرى، منها شرحه لكتاب ابن سينا “الإشارات والتنبيهات” الذي عارض به شرح الرازي، متهما هذا الأخير بكونه: “بالغ في الرد على صاحبه (=ابن سينا) أثناء المقال، وجاوز في نقض قواعده حد الاعتدال، فهو بتلك المساعي لم يزده إلا قدحا، ولذلك سمى بعض الظرفاء شرحه جرحا”.

ليس هذا وحسب، بل إن الطوسي لم يكتف بـ “إنصاف” ابن سينا بكتابة “شرح” مضاد، بل عمد كذلك إلى كتابة “محصل” مضاد لـ “محصل” الرازي! كتب الطوسي تلخيصا نقديا لهذا الأخير صدره بمقدمة قال فيها: “وفي هذا الزمان، لما انصرفت الهمم عن تحصيل الحق بالتحقيق، وزلت الأقدام عن سواء الطريق (…) ولم تبق في الكتب التي يتداولونها من علم الأصول عيان ولا خبر، ولا من تمهيد القواعد الحقيقة عين ولا أثر، سوى كتاب “المحصل” (=للرازي) الذي اسمه غير مطابق لمعناه، وبيانه غير موصل إلى دعواه (…)، رأيت أن أكشف القناع عن وجوه أبكار مخدراته، وأبين الخلل في مكامن شبهاته، وأدل على غثه وسمينه”.

هل نواصل الكلام عن مدرسة الطوسي التي امتدت حتى النهضة الصفوية، مع مدرسة اصفهان التي أسسها المير داماد والملا صدرا الشيرازي في القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي؟ لنقف عند الطوسي، فعنده تبدأ في الفكر الشيعي مرحلة أخرى، تاريخ آخر. وبما أن التواريخ يستدعي بعضها بعضا فلنشر إلى هذه المصادفة العجيبة! كان ابن رشد معاصرا للرازي وقد أشرنا إلى ذلك قبل، فلنشر الآن إلى أنه توفي قبل مولد الطوسي بسنتين فقط.

10- جمع بينهم المكان…والعيش في كنف أمير الزمان!

ما الذي يجمع، وما الذي يفرق، بين هؤلاء الذي احتلوا حيزا هاما على مسرح الثقافة العربية في القرنين الخامس والسادس للهجرة: ابن سينا ( 370-428) الغزالي (450-505) الشهرستاني (479-548) الفخر الرازي (544- 606) ثم الطوسي في القرن السابع (597- 672) ؟

– يجمع بينهم المكان أولا، فهم جميعا من “المشرق”، لا بلغة اليوم بل بلغة عصرهم، أعني :خراسان وما إليها. ابن سينا ولد في قرية أفشنة من أعمال بخارى. الغزالي ولد بمدينة طوس. الشهرستاني من بلدة شهرستان. الرازي من مدينة الري، الطوسي من طوس !

– ويجمع بينهم أنهم جميعا كتبوا ما كتبوا بطلب، أو على الأقل في كنف، أمير من أمراء الزمان في عصرهم. ابن سينا كتب في كنف أمراء البويهيين الذي عمل وزيرا لهم، والغزالي كتب في كنف وزراء السلجوقين، الخصوم السياسيين والإيديولوجيين للبويهيين. أما الشهرستاني فهو يخبرنا أنه ألف كتابه “مصارعة الفلاسفة” بطلب “السيد الأجل العالم مجد الدين عمدة الإسلام ملك أمر السادة ” الخ…نقيب ترمذ.. أما الرازي فقد “نال إكراما عظيما من الدولة” مثله في ذلك مثل الغزالي الذي يجمعه به شيء آخر هو: اعتراف كل منهما في آخر عمره بكونه وظف العلم في شبابه وكهولته لطلب شيء لآخر غير الحقيقة.

11- ابن سينا: التعالي والهاجس الإيديولوجي والازدواجية.

نشأ ابن سينا ودرس في طفولته وشبابه في فضاء ما كان يمثل في ذلك الوقت أكثر أنواع الإيديولوجيات إغراقا في الإيديولوجيا، أعني بذلك الفكر الإسماعيلي، وهذا بشهادته هو نفسه. وإذا كان يؤكد أن نفسه كانت تنفر من الانتماء التنظيمي إلى الإسماعيلية رغم إلحاح أبيه وأهله الذي كانوا من دعاتها، فإن الطابع “الإيديولوجي” بقي غالبا على سلوكه العملي والفكري. لقد عمل ابن سينا وزيرا تارة ومستشارا تارة أخرى للأمراء البويهيين في إيران، ونال في بلاطهم منزلة مرموقة، وقد دفع به طموحه السياسي وانخراطه بصورة أو أخرى في صراعات الأمراء إلى التعرض للسجن والنفي ومصادرة المال والمتاع…غير أن ذلك لم يصرفه لحظة عن الدراسة والتأليف.

وما يهمنا إبرازه في هذا المجال هو انعكاس سلوكه السياسي، الذي كان مطبوعا بكثير من الانتهازية، على سلوكه الفكري: فقد مارس السياسة في “العلم” بصورة واعية وعلنية. كان كثير الإدعاء في هذا المجال؛ فهو يقول في سيرته التي أملاها على تلميذه وملازمه أبي عبيد الجوزجاني: ” وكملت العشر من العمر وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب حتى كان يقضى مني العجب”. ويقول عن أستذه في المنطق أبي عبد الله الناتلي : “وكان أي مسألة قالها لي أتصورها خيرا منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه، وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبر”. ثم يحدثنا بعد ذلك كيف أنه قرأ بمفرده جميع العلوم، وأنه أتيحت له فرصة دخول مكتبة السامانيين، فوجدها دارا ذات بيوت كثيرة، في كل بيت منها صناديق كتب منضدة في علم من العلوم، وأنه طلب من فهرست كتب الأوائل ما احتاج إليه منها، وأنه رأى من الكتب “ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط” وما رآه قبل ولا بعد، وأنه قرأ تلك الكتب وظفر بفوائدها الخ… كل ذلك وهو في حدود السابعة عشرة من عمره! فلما بلغ الثامنة عشرة شرع في التأليف، تارة بطلب من جار له وتارة بطلب من أمير…ويواصل راوي سيرته الكلام عن الشيخ الرئيس على نفس النغمة فيذكر قصصا تبرز عبقريته في التأليف وامتلاكه لناصية العلوم الخ…!

وما يهمنا هنا بصدد عمله في التأليف ما يرويه الجوزجاني من أنه طلب منه شرح كتب أرسطوطاليس: “فذكر أنه لا فراغ له في ذلك الوقت، ولكن قال: إن رضيت مني بتصنيف كتاب أورد فيه ما صح عندي من هذه العلوم بلا مناظرة مع المخالفين ولا الاشتغال بالرد عليهم فعلت ذلك”، فألف كتابه الشهير “الشفاء” ثم لخصه فيما بعد في كتابه “النجاة”.

وفي مقدمة كتاب “الشفاء” يصرح بوضوح أن الفلسفة عنده فلسفتان: فلسفة يعبر فيها عن رأيه “الصريح الذي لا يراعي فيه جانب الشركاء في الصناعة، ولا يتقي فيه من شق عصاهم ما يتقي في غيره”، وقد أودعها كتابه “الفلسفة المشرقية”، وفلسفة يراعي فيها “الشركاء من المشائين” ويسير على دربهم مع تلويحات إلى الفلسفة الأخرى، وهذا ما جمعه في كتابه “الشفاء”. أما كتابه الأول فلم يصلنا منه سوى قطعة نشرت باسم “منطق المشرقيين” -ولعله لم يتممه – كشف في مقدمتها عن موقف يتسم بالإدعاء والتعالي الذي طبع سلوكه كما شرحنا. وأيضا، وهذا ما يهمنا هنا، أبان فيها عن الطابع الإيديولوجي الذي يطغى على مخالفته لمن يدعوهم بـ “المشائين”.

إن الاختلاف عنصر مؤسس لكل فكر فلسفي، فلا يكون الفيلسوف فيلسوفا إذا لم يكن ذا رأي خاص به يختلف قليلا أو كثيرا عن آراء غيره من الفلاسفة. ولكن عندما ينظر إلى رأي الآخرين أو إلى اتجاههم على أنه الخطأ بعينه، فإننا سنكون حينئذ لا إزاء فلسفة، بل أمام رأي “الفرقة الناجية” التي تعتبر آراء الآخرين ضلالا، أو بتعبيرنا المعاصر “إيديولوجيا”: باعتبار أن “الإيديولوجيا بهذا المعنى هي “الرأي الذي يقول به خصمي”.

يؤكد ابن سينا، مرة أخرى، في كتابه “منطق المشرقيين”: أنه بصدد تأليف كتاب في الفلسفة الحق التي يعتقدها ويخترعها، ويقول: “وما جمعنا هذا الكتاب إلا لأنفسنا، أعني للذين يقومون منا مقام أنفسنا. وأما العامة من مزاولي هذا الشأن فقد أعطيناهم في كتاب “الشفاء” ما هو كثير لهم وفوق حاجتهم وسنعطيهم في اللواحق ما يصلح لهم زيادة على ما أخذوه”.

هذا الطابع الإيديولوجي وهذه الازدواجية الصريحة نجدها عند الغزالي الذي كفر ابن سينا ومن ذهب مذهبه في ثلاث مسائل، وبدعهم في سبع عشرة مسألة، تشكل في مجموعها مضمون ما أعطاه ابن سينا في كتابه “الشفاء”، قسم الإلهيات، لمن سماهم بـ “العاميين من المتفلسفة”. لقد ذهب الغزالي إلى أبعد من ابن سيناء في هذا المجال، فصرح في خاتمة كتابه “ميزان العمل”، أن “المذهب” الذي يعتنقه المرء، ويعني نفسه بالدرجة الأولى، “اسم مشترك لثلاث مراتب: إحداها ما يتعصب له في المباهاة والمناظرات، والأخرى ما يُسَارُّ به في التعليمات والإرشادات، والثالثة ما يعتقده الإنسان في نفسه مما انكشف له من النظريات”. ويضيف قائلا: “ولكل كامل ثلاثة مذاهب بهذا الاعتبار”. ثم يأخذ في تفصيل القول فيها، فيقول: فأما المذهب بالاعتبار الأول فهو المذهب الذي يتعصب فيه المرء لبلده أو معلمه أو الجماعة التي ينتمي إليها كأن يكون أشعريا أو معتزليا أو حنفيا الخ. ويوضح : إن “مبدأ هذا التعصب حرص جماعة على طلب الرئاسة باستتباع العوام، ولا تنبعث دواعي العوام إلا بجامع يحمل على التظاهر” الخ. وأما “المذهب” بالاعتبار الثاني فهو ” ما ينطق به في الارشاد والتعليم على من جاء مستفيدا مسترشدا، وهذا لا يتعين على وجه واحد بل يختلف بحسب المسترشد، فيناظر كل مسترشد بما يحتمله فهمه”. وأما الذهب بالاعتبار الثالث فهو “ما يعتقده الرجل سرا بينه وبين الله عز وجل، لا يطلع عليه غير الله ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الاطلاع على ما اطلع، أو بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه فهمه”.

أورد الغزالي هذا الكلام دفاعا عن نفسه أمام خصم تخيله -على طريقة القدماء- يعترض على عدم التزامه في كتابه،”ميزان العمل”، مذهبا واحدا، قائلا: ” لعلك تقول: كلامك في هذا الكتاب انقسم إلى ما يطابق مذهب الصوفية، وإلى ما يطابق مذهب الأشعرية وبعض المتكلمين، ولا يفهم الكلام إلا على مذهب واحد؟”، فرد عليه “حجة الإسلام” بما ذكرنا.

ليس هذا وحسب، بل إن الغزالي يعترف بأن نيته لم تكن، يوم كان الشخصية “العلمية” الأولى في بغداد، على عهد الوزير السلجوقي نظام الملك الذي استدعاه إليها، وهو العهد الذي ألف خلاله كتبه الإيديولوجية، وفي مقدمتها “فضائح الباطنية” و”تهافت الفلاسفة”، إن الغزالي يعترف بأن نيته فيما كتب في ذلك العهد لم تكن “صالحة لوجه الله بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت”. يقول: “وكنت في ذلك الزمان انشر العلم الذي به يكسب الجاه وأدعو إليه بقولي وعملي وكان ذلك قصدي ونيتي”.

13- فخر الدين الرازي : ” كنت أكتب في كل شيء، حقا أو باطلا”.

مثل هذه الازدواجية وهذا الاعتراف نجدهما كذلك عند المتكلم الفيلسوف فخر الدين الرازي. فمن جهة اقتفى في كتابه “المباحث المشرقية” أثر الشيخ الرئيس ابن سينا في “فلسفته المشرقية”، ليس في المضمون وحسب -وقد أشرنا إلى هذا قبل- بل أيضا، في دعوى “الأصالة” وعدم اعتبار المخالفين في “أصول” اهتدى إليها، كما يقول: “مما لم يقف عليه أحد من المتقدمين ولم يقدر على الوصول إليه أحد من الساكين السابقين”. هذا بينما ألف كتابه الآخر، “محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين” لـ “جمع من أفاضل العلماء وأماثل الحكماء”، طلبوا منه -كما يقول- أن يصنف لهم “مختصرا في علم الكلام مشتملا على أحكام الأصول والقواعد دون التفاريع والزوائد”.

وكما اعترف الغزالي في أواخر حياته بأن نيته لم تكن “صالحة لوجه الله” فيما ألف، أيام كان يجري وراء الجاه في بغداد، اعترف الرازي في وصية أملاها على أحد تلاميذه، وهو على فراش الموت، بأنه لم يكن هو الآخر مخلصا للحقيقة فيما كتب وألف. يقول في هذه الوصية: “اعلموا أني كنت رجلا محبا للعلم فكنت أكتب في كل شيء شيئا لا أقف عل كمية ولا كيفية، سواء كان حقا أو باطلا، أو غثا أو سمينا (…) ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم”.

14- الطوسي بين الإسماعيلية وهولاكو والشيعة الإمامية.

أما الطوسي فقد طبعت الازدواجية حياته بشكل محير حقا. لقد درس في مسقط رأسه طوس وعلم فيها مدة، ليلتحق بعد ذلك بحاكم قهستان، ثم بزعيم الإساعيلية في ذلك الوقت، علاء الدين بن محمد، في قلعة “ميمون دز” إحدى قلاع الإسماعيلية، ليستقر به المقام في أشهر وأكبر قلاع الإسماعيلية “آلموت”، ولمدة ثمانية وعشرين عاما.

وعندما سقطت هذه القلعة في أيدي المغول سنة 653هـ صار الطوسي من أعلام حاشية هولاكو “مكرما غاية الإكرام”. وقد بعثه سفيرا إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله (640- 656) لمفاوضته للتنازل، فلما امتنع هذا الأخير هجم هولاكو على بغداد واستباحها ودمرها تدميرا. وبقي الطوسي في خدمة هولاكو، “ولازمه مرشدا وموجها”، وتولى له “الأوقاف والتفتيش في شؤون البلاد عامة”.

ولم نقف فيما اطلعنا عليه من أخبار الطوسي على ما يفيد توبة أو تبريرا لهذه الازدواجية ولا للطابع الإيديولوجي الذي طبع مؤلفاته التي تضم، إلى جانب كتب فلسفية وعلمية رفيعة المستوى، كتبا أخرى مختلفة تماما، منها كتاب في “إثبات الفرقة الناجية”، وآخر في “حصر الحق بمقالة الإمامية”، وأخرى في “الجفر” و”الرمل” و”أحكام الكتف” و”استخراج الخبايا” وغير ذلك من “العلوم” السرية السحرية”. وإلى هذا كله يرى بعض الباحثين أن الطوسي كان إسماعيليا طوال مقامه في قلعتهم الشهيرة “آلموت”، وأنه كتب في تلك الفترة “مؤلفاته التي اتجه فيها اتجاها إسماعيليا خالصا، وأهم مؤلفاته هاتيك من الناحية السياسية كتاب “أخلاق ناصري” الذي كتبه بالفارسية وترجم بعدها إلى العربية”. ويذكر بعض المؤرخين أن الطوسي سمى كتابه ذاك باسم الوزير الإسماعيلي، بينما يذكر مؤرخ آخر أن الطوسي” بدا له بعد سنين تغيير ديباجته لاشتمالها على ما لا يرضيه مما يناسب التقية”.

وإذا كان المؤلفون الإسماعيليون يتبنون الطوسي ويعتبرونه من علمائهم، فإن المؤلفين من الشيعة الاثنا عشرية، الذين يحتضنون الطوسي بدورهم، يذهبون إلى أن الإسماعيلين “قد استغلوا الطوسي مرغما، وكتب لهم بما يتفق ومذهبهم تقية منهم ودفاعا عن نفسه”، مستشهدين بما كتبه في آخر شرحه لكتاب “الإشارات والتنبيهات” لابن سينا -وكان قد ألفه سنة 640 هـ وهو عند الإسماعيليين- من أنه ألفه معظمها في “حال صعب لا يمكن أصعب منه ورسمت أغلبها في مدة كدرة بال، بل في أزمنة يكون كل جزء منها ظرفا لغصة وعذاب أليم وندامة وحسرة عظيمة، وأمكنة توقد كل آن فيها زبانية نار جحيم، ما مضى وقت ليس في عيني فيه قطر ولا بالي مكدر ولم يجئ حين لم يزد فيه ألمي ولم يضاعف همي وغمي”.

ومهما يكن من أمر فإن مواقف الطوسي السياسية وانتماءه المذهبي يكتنفها غموض كثيف، فمقامه عند الإسماسيلية ثمانية وعشرين سنة حيث ألف أهم مؤلفاته، ثم اتصاله بهولاكو والعمل معه ومع ابنه بعده تسعة عشر عاما، وإعلانه حينها عن انتمائه إلى الشيعة الاثنا عشرية، كل ذلك يفسح المجال أمام كثير من التخمينات والتأويلات حول حياته، لعل آخرها تلك التي تتعلق بظروف وفاته. فقد ذكر أحد المؤرخين القريبين من عصره بأنه “انتحر سنة 673 هـ”.

وبعد، فلعل القارئ يتساءل: وما علاقة هذا كله بموضوعنا: كتاب “تهافت التهافت ” لابن رشد!؟

والجواب نجمله في الأطروحات التالية، التي نعتقد أن القارئ ما كان سيرحب بها، أو على الأقل يقبل التفكير فيها، لولا ما قدمناه:

15- مواجهة “الأفكار الموروثة” بما يحرجها من داخلها.

– الأطروحة الأولى هي أن “الفكرة الموروثة” التي شاعت وذاعت منذ الغزالي، ومازالت تحكم تصور الكثيرين في العصر الحاضر، والتي تقرر بلغة إيديولوجية سافرة أن الغزالي وجه ضربة قاضية للفلسفة “لم تقم لها بعده قائمة”، فكرة خاطئة تماما، وأن الضربة المزعومة ضربة كاذبة لا وجود لها إلا في ذهن من روجها، وهي تعبر عن رغبة أو جهل، وليس عن واقع.

لقد فضلنا بيان كذب هذه الدعوى، ليس باللجوء إلى الاستنجاد بما عرفته الفلسفة من تطور وازدهار في المغرب والأندلس بعد الغزالي مع ابن باجة وابن طفيل وابن رشد، الشيء الذي يعني ضمنيا أنها قضي عليها في المشرق، ولا بالتنويه بالجانب الفلسفي في كل من إشراقية أبي الفتوح يحي بن حبش الملقب بشهاب الدين السهروردي المقتول (545؟-588 هـ)، و تصوف أبي بكر محمد بن علي الطائي الحاتمي الملقب بمحيي الدين بن عربي (560-638 هـ)، الشيء الذي يعني الاعتراف بأن الفلسفة الكلامية السينوية التي هاجمها الغزالي قد تركت مكانها لنوع من التصوف الفلسفي، ألف فيه الغزالي كتبا اعتبرها المفصحة على حقيقة رأيه، مثل كتابه الذي نوه به “المضنون على غير أهله” (والمشكوك في وجوده)، وكتابه “مشكاة الأنوار”، المشهور والمتداول بين الناس قديما وحديثا الخ…أقول فضلنا إبطال تلك الدعوى لا بسلوك هذا المسلك الذي لا يشكل حجة قوية غير قابلة للرد، بل فضلنا مواجهة تلك “الفكرة الموروثة” بما يحرجها من داخلها، ويفضح زيفها وكذبها. لقد رأينا الفلسفة الكلامية السينوية نفسها، التي هاجمها الغزالي، تواصل حضورها في الفكر الأشعري الذي باسمه ولفائدته هاجمها وكفر أهلها, ورأيناها تحتل موقع المؤسس والمؤطر للفكر الشيعي الاثنا عشري بعد الغزالي وليس قبله. أما الإسماعيلية فلقد كانت لهم فلسفتهم قبل ابن سينا، وقد تعززت بفلسفة هذا الأخير إذ كانت تلتقي معها في كل شيء تقريبا، ما عدا في مسألة “الإمامة”.

16- نقد ابن رشد للغزالي ينسحب على ما بعده… إلى اليوم.

– الأطروحة الثانية هي أن نقد ابن رشد في “تهافت التهافت” لم يكن موجها للغزالي وحده، كما سنرى، بل ولابن سينا أيضا، وبالتالي فهو ينسحب وينطبق على جميع من ذكرناهم ومن جاء بعدهم من تلامذته: على الفخر الرازي ومن سلك مسلكه إلى الإيجي وشارحيه ومحشيه. وإذا تذكرنا ما أشرنا إليه من أن “مواقف الإيجي” كان هو المرجع الأساس في الدراسات الكلامية والفلسفية في المعاهد العربية الإسلامية في كل من الأزهر بمصر والقرويين في المغرب والزيتونة في تونس، إلى أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، من جهة، وأن ابن سينا قد ظل حيا في إيران من خلال رواج مؤلفاته، وأيضا من خلال نصير الدين الطوسي، الذي رأينا الشيعة الإمامية تتبناه وتعتبره واحدا من أكبر علمائها الذين تنتظمهم سلسلة غير منقطعة تمتد من الطوسي إلى الخميني مشعل “الثورة الإسلامية” الراهنة في إيران، أدركنا كيف أن نقد ابن رشد للغزالي وابن سينا هو في الوقت نفسه نقد للفكر الكلامي الفلسفي العربي الإسلامي في عصرنا ، لا بل هو جزء مهم وأساسي من نقد العقل العربي نفسه.

17- إعراض في المشرق والمغرب عن سفسطائية الغزالي.

– الأطروحة الثالثة هيأن الطريقة الجدلية السفسطائية التي سلكها الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة”، مثلها مثل تكفيره لهم، لم يلقيا أي ترحيب من أية شخصية علمية ممن خاض في موضوعات علم الكلام والفلسفة، سواء كانوا من المتكلمين والفلاسفة أو كانوا ممن وقفوا موقفا سلبيا منهما. وهكذا رأينا الشهرستاني، كبير الأشاعرة بعده، والملقب بـ “الإمام الأفضل”، يكتب في الرد على ابن سينا رد فيلسوف، معلنا إعراضه عن الطريقة الجدلية السفطائية في الرد، وذلك تعريض واضح بالغزالي وأسلوبه في “تهافت الفلاسفة”. والشيء نفسه فعله الفخر الرازي الذي عرض جنبا إلى جنب أراء المتكلمين والفلاسفة بكثير من الموضوعية والحياد لا أثر فيها لذلك النوع من السجال السفسطائي الذي شحن به الغزالي كتابه، والذي لا نجد له أي حضور في المؤلفات الكلامية الفلسفية اللاحقة (البيضاوي، الإيجي، التفتازاني، الجرجاني الخ..).

هذا في المشرق. أما في المغرب والأندلس فقد كان رد الفعل عاما وقويا ضد الغزالي من طرف المشتغلين بالفلسفة، من ابن باجة وابن طفيل وابن رشد. ليس هذا وحسب، بل إننا نصادف “شيئا عجبا” في هذا المجال! ذلك أنه في الوقت الذي كان ابن رشد مشغولا فيه بالرد على الغزالي وبشرح أرسطو، منتقدا تأويلات ابن سينا لفكر هذا الأخير، كان هناك أصولي مغربي معاصر لابن رشد، هو أبو الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي المتوفي سنة 626 هـ، أي بعد ابن رشد بثلاثين سنة فقط، كتب هو الآخر كتابا في الرد على “الفلاسفة”، الفاربي وابن سينا، أسماه : “كتاب لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول”، وكأنه لم يكن هو الآخر راضيا بطريقة الغزالي في الرد على ابن سينا، فكتب ردا أقرب من حيث المنهج إلى رد الشهرستاني ومن حيث المضمون إلى “محصل” الرازي.

لم يتعرض المكلاتي إطلاقا لفلاسفة الأندلس، لا لابن باجة ولا لابن طفيل ولا لمعاصره ابن رشد، وإنما خص برده الفارابي وابن سينا وحدهما، متجاهلا الغزالي وكتابه تجاهلا تاما، مفضلا لغة الفلسفة، منتقدا مصطلاحات المتكلمين، معرضا عن طريقتهم، مع ولع زائد بصياغة آرائه على شكل أنساق منطقية يصحح مقدماتها ويبرهن على سلامة الاستدلال فيها. وكان المكلاتي قد ألف في المنطق أيضا، إذ يشير إلى كتابين له، أحدهما في “البرهان”، والثاني في “المقولات”.

18- رد الغزالي على الفلاسفة كان دفاعا، ولم يكن يمثل الحق عنده.

الأطروحة الرابعة وتتعلق بحقيقة موقف الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة”. هل كان مخلصا فيما كتب ضد الفلاسفة؟ وهل كان يرى حقا أن الموقف الشرعي الصحيح هو تكفيرهم؟

إن هذا السؤال يستمد مشروعيته من التمييز الذي أقامه الغزالي نفسه –أعلاه- بين المواقف الثلاثة التي يقفها المتمذهب في نظره: التعصب في المباهاة والمناظرات لفرقة من الفرق، ما يدلي به العالم والمحاضرفي مجالسه التعليمية، وما يعتقده الإنسان في نفسه أنه الحق. إن الغزالي يعترف أنه يقف هذه المواقف الثلاثة حسب الظروف… وإذا نحن تذكرنا أنه ألف كتابه ” تهافت الفلاسفة” في الفترة ذاتها التي ألف فيها “فضائح الباطنية” بطلب من الخليفة المستظهري –أيام كان أستاذا في نظامية بغداد التي استقدمه إليها نظام الملك ليكون الناطق الإيديولوجي باسم الدولة- كما يحدثنا بذلك هو نفسه، وكما بينا ذلك في مناسبة سابقة، أمكننا أن نقرر بدون تجنٍّ ولا تردد أن الموقف الذي وقفه الغزالي في هذين الكتابين معا هو الموقف الأول في تصنيفه، أعني موقف التعصب لمذهب، والمذهب الأشعري بالذات. والتعصب لمذهب معين هو موقف إيديولوجي في كل وقت، ولكنه ينقلب إلى موقف سياسي عندما يتخذ صبغة الرد الذي يتوخى تكفير الخصم، أي إخراجه من جماعة المسلمين واستباحة دمه. إنه موقف لا يستسيغه الوعي الإيديولوجي –صحيحا كان أو مزيفا- إلا في حالة شعوره بالحاجة إلى الدفاع عن النفس إزاء خطر يتهدّدها.

19- هل كان خطر الإسماعيلية هو وحده وراء “تهافت التهافت”؟

ومن هنا السؤال الذي يشكل مفتاح اللغز كله؟ السؤال الذي تمكن صياغته كما يلي: أي خطر على النفس، أعني على الأشعرية، كان يشكله ابن سينا حين كتب الغزالي “تهافت الفلاسفة”؟

لقد كان الغزالي صريحا غاية الصراحة في مقدمة كتابه “فضائح الباطنية”، حينما أخبر قارئه بأنه ألف الكتاب تلبية لــ “الأوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية”، نسبة إلى الخليفة المستظهر العباسي.

والمبرر واضح. فلقد كانت التنظيمات الباطنية الإسماعيلية، التي كانت الدولة الفاطمية في مصر تقف وراءها، تهدد تهديدا جديا الدولة السجوقية والخليفة العباسي الذي تستظل به: لقد تمكنت من نشر إيديولوجيتها القائلة بضرورة “الإمام المعلم” المعصوم، على نطاق واسع في العراق، ونجحت في زرع الذعر في العاصمة بغداد نفسها من خلال ما قام به فدائيوها من عمليات الاغتيال والتخريب. لقد قلنا في مناسبات سابقة: إن كتاب “تهافت الفلاسفة” كان من أجل “فضائح الباطنية”، بمعنى أن تقويض المذهب الباطني كان يتطلب زعزعة الأسس الفلسفية التي ينبني عليها. وقد أشار الغزالي نفسه إلى هذا المعنى في مقدمة كتابه ذاك. وهذا مفهوم: فالفلسفة الفيضية السينوية عموما، وآراء الشيخ الرئيس في النفس والعقل خصوصا، تلتقي في نقاط كثيرة مع الفلسفة الإسماعيلية. فضلا عن أنهما معا تغرفان من منبع واحد هو الفلسفة الدينية الهرمسية.

هذا صحيح لا شك فيه، فهو يفسر الجانب الإيديولوجي من موقف الغزالي من فلسفة ابن سينا. ولكن يبقى مع ذلك أن هجوم الغزالي على ابن سينا، على هذا المستوى، كان “بالعرض لا بالذات”، حسب عبارة القدماء، بمعنى أنه لولا خطر الإسماعيلية لما هاجم الغزالي الفلاسفة ذلك الهجوم الذي كان هو أيضا ضد ابن سينا بالذات، وضد الفارابي بالعرض.

فهل كان هذا هو الدافع الوحيد الذي حرك الغزالي لكتابة “تهافت الفلاسفة”؟

20- ابن سينا انتقد كلام الأشعرية وقدم بديلا فلسفيا لخصومهم.

لنتخيل الغزالي حاضرا بجانبنا اليوم، ينظر إلى التطور الذي حصل بعده، والذي رسمنا خطوطه العريضة أعلاه: فلاسفة الأشعرية يردون على ابن سينا بهدوء، وفي الوقت نفسه يتبنون مفاهيمه الفلسفية مثلما تبنى هو منطقه، والنتيجة تطور المذهب الأشعري من مذهب بقي أسير مفاهيم المعتزلة (كنظرية الجوهر الفرد، ونظرية الأحوال) ورهين منهجهم ( منهج الاستدلال بالشاهد على الغائب)، إلى مذهب يتكلم الفلسفة منهجا ومفاهيم ومصطلحات، وأيضا كآفاق وإشكاليات!

ترى لو سألنا الغزالي -الحاضر بيننا افتراضا- عن موقفه في “تهافت الفلاسفة”، وقلنا له إنه كان موقف “المتعصب” لمذهب ضد مذهب؛ وأنه كان موقفا ضد التاريخ وضد التطور، ولا مبرر له لا من العقل ولا من الشرع، بدليل موقف الشهرستاني والرازي والبيضاوي والإيجي وغيرهم من الذين حافظوا على المذهب وطوروه ونافحوا عليه، وجعلوا من الكلام الأشعري والفلسفة السينوية فنا واحدا من “الكلام”؟ ثم لو استفسرناه: لماذا ركزت هجومك على ابن سينا وجعلت ردك ردا مباشرا على نصوصه في “الشفاء” و “النجاة” في حين تركت نصوص الفارابي ولم تتعرض له إلا بالاسم مقرونا بابن سينا؟

تُرى بماذا سيجيب، صاحبنا أبو حامد؟

الغالب على الظن أنه سيفتح أمامنا كتاب “الشفاء” أو ملخصه “النجاة” ويقرأ لنا من قسم الإلهيات فقرات فيها تعريض مباشر بـالأشعرية ومذهبهم، من جملتها على سبيل المثال، فقرات تحمل العناويين التالية: ” في أن الحاجة إلى الواجب هي الإمكان لا الحدوث على ما يتوهمه ضعفاء المتكلمين”، و ” في الاستطراد لإثبات الدائرة والرد على المتكلمين”، وأيضا: “في أنه يلزم على قول المخالفين (=الأشعرية) أن يكون الله تعالى سابقا على الزمان والحركة بزمان”، وأيضا: ” في أن المخالفين يلزمهم أن يضعوا وقتا قبل وقت بلا نهاية، وزماما ممتدا في الماضي بلا نهاية…”. ويفتتح ابن سينا كلامه في هذا الفصل بقوله: “وهؤلاء المعطلة الذين عطلوا الله تعالى عن جوده…”، فيصف الأشعرية بـ “التعطيل” وهو الوصف الذي كانوا يرمون به خصومهم المعتزلة، لكونهم لا يثبتون الصفات لله زائدة عن الذات! ها هو ابن سينا، إذن، يقلب ظهر المجن على الأشعرية فيعطي لمفهوم “التعطيل” معنى أقوى وأعمق، ويرميهم به لكونهم يقولون: إن الله خلق العالم في زمن لم يكن قبله مع الله شيء! أي أن الجود الإلهي الذي منه كان العالم قد تعطل زمانا قبل صدور العالم منه.

وقد يضيف الغزالي قائلا: “لقد هاجمنا ابن سينا، وهو كما تعلمون، شيعي اثنا عشري وكان يريد بفلسفته أن يؤسس علم كلام شيعي جديد على حسابنا وضدنا، ولذلك فكتُبُه أيام محنتنا مع الإسماعيلية كانت تشكل خطرا علينا، على دولتنا ومذهبنا”. أما عن الفارابي فسيقول: “إني لم أرجع إلى نصوصه لأنها ليس فيها هجوم على أحد، وإنما فيها تقرير آراء في “الموجود الأول”، و “نفي الشريك عنه”، ونفي الضد عنه”، و “نفي الحد عنه”، و “في أن وحدته عين ذاته وأنه تعالى عالم حكيم وأنه حق وحي وحياة”، و “في كيفية صدور الكثرة منه”، وغير ذلك من الآراء التي قال عنها إنها “آراء أهل المدينة الفاضلة” التي نسجها خياله ولم يمتد لبنائها ذراعه. ولكن بما أن ابن سينا قد اعتمدها وحولها إلى “علم كلام” بديل لـ “كلامنا” وبالتالي مذهبا لدولة غير دولتنا، فلقد هاجمته هو الآخر …وقد يضيف:”والبادي أظلم!”.

(*) القسم الأول من المدخل الذي صرنا به طبعتنا من “تهافت التهافت” لابن رشد. صدر بمركز دؤاسات الوحدة العربية ببيروت. لم نذكر هنا الإحالات والهوامش ويجدها القارئ في متن الكتاب.