ليس في صالح البناء الديمقراطي في المغرب، ولا في خدمة الثقافة السياسية للشعب المغربي، أن تستمر المفاوضات حول تشكيلة الحكومة الجديدة، بالشكل الذي تتم به الآن، حيث يغلب الحديث، أساسا، حول هندستها الحزبية، وكأنه لا فرق بين التوجهات الاقتصادية والاجتماعية والايديولوجية، للتنظيمات المعنية بهذه المفاوضات.

لقد عشنا حملة انتخابية طبعها جدل عقيم، غلب عليه التراشق الكلامي، الذي وصل أحيانا إلى حد التجريح، وإلى الاتهامات المتبادلة، حيث تراجعت البرامج إلى خلفية المشهد، بينما قفزت إلى السطح قضايا أخرى، لا تتعلق بحصيلة الحكومة السابقة، وبمشاريع المستقبل.

يتكرر المشهد، اليوم، في المشاورات التي يقوم بها رئيس الحكومة المعين، عبد الإله بنكيران، حيث يتم الحديث عن عدة سيناريوهات لتشكيل الأغلبية الحكومية في عملية تشبيك عددي، لا تبرز فيها، نهائيا، أية تصورات للبرامج والمشاريع المزمع تنفيذها، ولا الاتفاقات حول الأولويات الضرورية لمواجهة المعضلات الاقتصادية والاجتماعية التي تطغى على الواقع المغربي، ناهيك عن القضايا الأخرى التي تهم إصلاح الإدارة ومحاربة الفساد، وغيرها من الإشكالات السياسية والحقوقية والتعليمية والثقافية…

فرغم كل محاولات بعض الأحزاب إعادة عقارب الساعة إلى النقاش الحقيقي حول هذه القضايا، التي تبرر وجود الأحزاب والتعددية والاختلاف، وتعطي للحياة السياسية مضمونها وللعملية الديمقراطية مشروعيتها، إلا أن هناك إصرارا من طرف أغلب القوى على أن يظل هذا النقاش خارج السياق و الجدل ،شكليا وعدديا، في المفاوضات لتشكيل الحكومة. وتساهم كذلك العديد من وسائل الإعلام ومختلف الوسائط في تكريس هذا الواقع، حيث يغلب على تغطياتها وتعليقاتها نفس نظرية التشبيك العددي، ومتابعة لقاءات و»إشارات» وتحركات زعماء الأحزاب، بنفس الشكل الذي تتم به ملاحقة تحركات وتصرفات المشاهير…

يمكن القول، إننا أمام ضحالة، لا تساعد على تطوير الوعي الديمقراطي والثقافة السياسية، ومنها يمكن فهم أحد أسباب الحجم الكبير للعزوف عن المشاركة في الانتخابات، التي تشكل وصمة سلبية في الشرعية السياسية، وأزمة مزمنة في النظام السياسي.

وإذا كان هناك من يسعى إلى تمييع الواقع السياسي والمشهد الحزبي، فمسؤولية الديمقراطيين هي الارتقاء بالنقاش إلى الجدل حول الاختيارات الكبرى والمشاريع المستقبلية والبرامج المختلفة، بأفق سياسي متميز وتوجه فكري واضح.

بالفصيح

   الاثنين 07 نونبر 2016.