(1) الحق والواجب أم الحقوق الطبيعية.

مفهوم “حقوق الإنسان” متحرر من التقيد بعلاقة التلازم القائمة بين الحق والواجب، علاقة “المقايضة” التي أبرزناها قبل. ذلك أنه إذا كانت فكرة “الحق”، على المستويين القانوني والأخلاقي، تستدعي فكرة “الواجب”، لكونها تعبر عن علاقة بين الناس، أو بين الفرد والمجتمع، يكون فيها “الحق” كنوع من العوض لـ “الواجب”، فإن مفهوم “حقوق الإنسان” لا يستدعي أي مقابل ولا أي عوض. حقوق الإنسان بالمعنى المعاصر هي حقوق له من حيث هو إنسان وليس من حيث أن عليه واجبات.

هذه المزاوجة بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي هي التي سمحت –في العصر الحديث- بالارتفاع بـ “حقوق الإنسان” إلى مستوى أعلى: من مستوى القانون الوضعي النسبي إلى مستوى القانون الطبيعي المطلق، ومن ثمة القول: إن حقوق الإنسان هي حقوق طبيعية للإنسان، تماما مثلما أن القوانين الطبيعية هي “حقوق” طبيعية للكون، أعني قوانينه. ويمكن أن نفهم هذا جيدا إذا نحن فهمنا الإنسان على أنه “جسم” أولا وقبل كل شيء؛ وأنه بالتالي جزء من الطبيعة تسري عليه قوانينها، وأن له “حقوقا” –أو قوانين خاصة به.

 

1- الحق في الدفاع عن الحق!

منذ عقد من السنين أو أزيد قليلا صار الحديث عن حقوق الإنسان على كل لسان. والظاهرة اللافتة للنظر هي أن الذين رفعوا هذا الشعار وروجوا له واتخذوه ذريعة لكثير من تصرفاتهم ومواقفهم، بحق أو بغير بحق، هم من “الأقوياء” في هذا العالم، أعني “الدول العظمى”، الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوربا الغربية. هذا في حين أن شعار “حقوق الإنسان” هو شعار المستضعفين في الأرض، شعوبا وأفرادا؛ فهم الذين هضمت حقوقهم وتهضم باستمرار.

ليس هذا وحسب، بل إن مما لا يجوز للملاحظ اليقظ النزيه أن يغفل عنه، أو يتغافل، هو أن الحكومات التي ترفع شعار “حقوق الإنسان” لا تحترمها، ولا تتصرف بموجبها في بلدانها هي، إلا بالنسبة لفئة من مواطنيها. أما غير هذه الفئة فهم يعاملون معاملة تهضم فيها كثير من الحقوق التي يجب أن يتمتعوا بها بموجب حق المساواة بين الناس، وهو الحق المؤسس لغيره من حقوق الإنسان الأخرى.

هذه المفارقة تطرح قضية أخلاقية من قبيل: “لا تنه عن خلق وتأتي مثله”‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! ومثل هذا السلوك هو محل ريبة دوما: فالذي يأتي سلوكا ينهى عنه، أو يمتنع عن إتيان فضيلة يحث الناس على التحلي بها، يفتقد المصداقية ويفسح المجال للشك في نواياه الحقيقية. إن حكومة ترفع شعار حقوق الإنسان سياطا تلوح به في وجه غيرها من الحكومات، وفي نفس الوقت تسكت عن غياب بعض حقوق الإنسان في بلدانها، أو بلدان مرتبطة بها، لا يمكن أن تمنع الناس من الشك في مدى إخلاصها في دعواها ولا في مشروعية ما تلوح به من تنديد أو عقاب إزاء انتهاك غيرها من الحكومات لحقوق الإنسان! إن انتهاك حقوق المستضعفين من المهاجرين والسكان الأصليين وغيرهم من فئات الشعب الأمريكي أو الشعب الفرنسي أو البريطاني أو الألماني الخ، يطعن في مصداقية حكام هذه الشعوب عندما يعاتبون أو يعاقبون حكومات أخرى تنتهك فيها حقوق المستضعفين من أبنائها أو من الطوائف المتساكنة فيها. كما أن سكوت حكومات الدول الغربية عن انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني في إسرائيل، أو الإنسان العربي في بعض الدول العربية، والتنديد بالمقابل بانتهاك حقوق الإنسان في دول عربية أخرى، سلوك يفتقد المصداقية لكونه يخرق أهم دعامة في حقوق الإنسان وهي المساواة. فالأمر لا يتعلق هنا بالكيل بمكيالين إزاء الحكام وحسب، بل أيضا بالتمييز في الشعوب بين من يستحق أن تكون حقوقه المهضومة المنتهكة موضوع دفاع ومن لا يستحق!

هذه المسألة تطرح سؤالا عويصا يمكن صياغته كما يلي: هل الدفاع عن حقوق الإنسان حق لكل إنسان، أم أنه حق فقط لمن يحترم حقوق الإنسان ويلتزم بها إزاء البشر جميعا بدون تمييز؟ المشكلة المطروحة هنا هي مشكلة : الحق في الدفاع عن الحق!

لقد اعتاد الناس تجاوز هذه المشكلة العويصة، بل إلغاءها بالمرة، بالتمييز ابتداء بين “الحق” و”الواجب”، وبالتالي تصنيف السلوك البشري إلى قسمين: قسم ينتمي إلى “الحق” وقسم ينتمي إلى “الواجب”. وبناء عليه فالمطالبة باحترام حقوق الإنسان هي حق لمن تنتهك هذه الحقوق في شخصه، ولكنها واجب بالنسبة لمن يرى حقوق الإنسان تنتهك في شخص غيره. والقاعدة الأخلاقية العامة، على الأقل كما تواضع الناس عليها، هي أن الحق والواجب فضاءان مستقلان لا يتوقف أحدهما على الآخر. فليس من شرط التمتع بالحق أداء الواجب، كما أن أداء الواجب لا يشترط فيه التمتع بالحق، إلا إذا كان عدم التمتع به يفقد القدرة على أداء الواجب. فمن حق الفرد التمتع بالحرية والمساواة والعدل الخ، حتى ولو كان مقصرا في واجباته الدينية والاجتماعية وغيرها، أو كان هو نفسه يعرقل بصورة أو بأخرى تمتع غيره بتلك الحقوق. ومن واجبه أن يقوم بما هو واجب عليه حتى ولو لم يكن يتمتع بحقوقه كاملة، مادام غير محروم من حقوق يتوقف عليها عمليا أداء الواجب.

لنأخذ مثالا من الميدان الديني فهو ميدان الحق والواجب بامتياز: من حق الفقير أن يحصل على نصيب من الزكاة، فالزكاة للفقراء والمساكين بنص القرآن. ولكن من واجبه أن يؤدي الصلوات الخمس في أوقاتها، سواء حصل على نصيب من الزكاة أو لم يحصل. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فتارك الصلاة ليس محرما عليه أن يأمر الناس بالصلاة. وبصورة عامة ليس من شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكف عن كل منكر. وقد واجه المسلمون ويواجهون هذه المسألة في شخص الحاكم: هل تجوز ولاية الحاكم الفاجر إذا فرض نفسه بالشوكة والقوة وأقام الأمن؟ قال معظم الفقهاء بجوازها. وجوازها يعني الصلاة وراءه، والقتال تحت قيادته الخ.

أما من الناحية الأخلاقية فيمكن أن نسوق المثال التالي: لنفرض أن شخصا منهمكا في إغراق رجل في البحر، وفي نفس الوقت ينبه من حوله من المتفرجين إلى أن هناك شخصا آخر يغرق بجانبه لكونه لا يعرف السباحة! فهل يجوز للمتفرجين أن يدعوا هذا الغارق الأخير يغرق، بدعوى أن الذي نبه عليه لا يتمتع بالمصداقية لكونه يمارس هو نفسه فعل الإغراق؟

هذه المسألة التي طرحناها هنا على مستوى السلوك تطرح كذلك على مستوى المعرفة. فالحق على مستوى المعرفة يؤخذ من أي مصدر كان، فلا يعتبر فيه إلا كونه حقا. والمثل يقول: “خذ الحكمة من أفواه الحمقى”. والحديث النبوي يقول :”أطلب العلم ولو في الصين”. وقد رد ابن رشد على الفقهاء الذين حرموا المنطق والفلسفة ردا فقهيا شهيرا قال فيه: “وإن كان غيرنا قد فحص عن ذلك (الحق) فبيِّن أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك، وسواء كان [ذلك] الغير مشاركا لنا أو غير مشارك في الملة. فإن الآلة (السكين) التي تصح بها التذكية (ذبح الأضحية) ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك، إذا كانت فيها شروط الصحة (=أن تكون نظيفة وحادة). وأعني بغير المشارك من نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام. وإذا كان الأمر هكذا، وكان كل ما يُحتاج إليه من النظر في أمر المقاييس العقلية (المنطق) قد فحص [عنه] القدماء أتم فحص، فقد ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم، فننظر فيما قالوه من ذلك، فإن كان كله صوابا قبلناه منهم، وإن كان فيه ما ليس بصواب نبَّهنا عليه” (فصل المقال).

وإذن فكما أننا نأخذ الحق في ميدان المعرفة من أين أتى، ولا نعتبر إلا كونه حقا، فكذلك الأمر في ميدان السلوك: فالآمر بالمعروف كالمنادي باحترام حقوق الإنسان، يقول الحق. وكما نعمل بالحق المعرفي، أعني الحقيقة العلمية، دونما اعتبار لسلوك مكتشفها أو معتقَد ناشرها فكذلك يجب أن نعتبر حقوق الإنسان التي ينادي بها من قد لا يحترمها أو لا يعدل عندما يدعو إلى احترامها. فالحق حق في نفسه، وليس بقائله. نعم يمكن الطعن في شهادة شخص ما استنادا إلى جرح في سلوكه. ولكن هذا الجرح لا ينال من الحق الذي قد تنطق به شهادته، فلا يجوز تجريح شخص ما، فقط لأن شاهد الزور شهد له بالصلاح.

نخلص مما تقدم إلى النتيجة التالية: لا يطعن في حقوق الإنسان كون من ينادي بها لا يحترمها. إن حقوق الإنسان هي حق. والحق حق في نفسه، سواء كان حقيقة علمية أو خصالا سلوكية.

*

قد تبدو هذه النتيجة بديهية في منأى عن كل شك أو اعتراض؛ غير أن الأمر ليس كذلك، فالقول بأن “الحق حق في نفسه” هي وجهة نظر وليست حقيقة علمية. ذلك أن لمعترض أن يعترض: إذا كان الحق حقا في نفسه فلماذا يختلف الناس في “الحق” ، المعرفي والسلوكي، من مجتمع لآخر ومن عصر لآخر؟ في عصرنا ومجتمعاتنا يعتبر الحق في الحرية من أقدس الحقوق وبالتالي يقتضي احترام حقوق الإنسان، أول ما يقتضي، إلغاء الرق وتحريمه. ومعلوم أنه لم يكن الأمر هكذا في جميع العصور ولا في جميع الحضارات. ففي العصور القديمة كان الرق شيئا طبيعيا، كان حقا. كان “الحق” في جانب السيد ولم يكن في جانب العبد. وأكثر من ذلك لم يكن للعبد الحق في المطالبة بالحق. كان يقع خارج فضاء الحقوق. كان فضاؤه يتكون من الواجب وحده.

ويجب أن لا نجعل المسافة الزمنية التي تفصل بيننا وبين العصور “القديمة” هي المسئولة عن هذا الغياب للحق عن فضاء العبيد. هناك غياب مماثل يعاني منه فضاء المرأة مثلا. فحق الانتخاب لم يمنح للمرأة إلا منذ فترة وجيزة في بريطانيا مهد المناداة بـ”حقوق الإنسان” بالمعنى المعاصر. وما زال هذا الحق مرفوضا في الكويت رفضه البرلمان بينما اقترحه الأمير! وهو غائب في بلدان أخرى مجاورة عن أن يكون موضوع مزايدة بين الأمير والبرلمان، والأخير منهما غائب كذلك .

ويمكن الذهاب في الاعتراض على وجهة النظر القائلة “الحق حق في نفسه” إلى أبعد من ذلك. يمكن التساؤل مثلا: إذا كان الحق حقا في نفسه فلماذا يقبل الناس التمييز بين الحقوق، أقصد ما يشبه “التمييز العنصري”! يحتج الناس اليوم على التضييق على حرية التعبير مثلا، ولا يقبلون ما قد يدلي به المضيِّق عليها من تبريرات حتى ولو كانت معقولة من زاوية كون الممارس لحرية التعبير أضر بحرية غيره. ولكن كثيرا من الناس هم أقل احتجاجا، أو لا يحتجون بالمرة، على حكم الإعدام الذي يقضي قضاء مبرما على أول حقوق الإنسان وهو الحق في الحياة. والغالب أن السكوت عن الإعدام يبرر بكونه جزاء على جريمة القتل، وهي إلحاق الضرر بحق الحياة لدى الغير. وهذا يعني أن أول حقوق الإنسان ، أعني الحق في الحياة، ليس حقا في نفسه، ليس حقا مطلقا، بل هو مقيد بـ “الواجب” الذي يعني هنا عدم المس بحق الغير.

بعبارة قصيرة إنه لو كان الحق حقا في نفسه لكانت الحقوق متساوية في قيمتها وفي نوع العقاب الذي يخصص لمنتهكها. لكن الناس يميزون بين الحقوق ويجعلون لكل حق جزاء خاصا به يطبق على منتهكه. ولا بد من الاعتراف بأن الناس يتعاملون مع الحقوق على أساس أنها عبارة عن لائحة مرتبة ترتيبا هرميا. وينعكس هذا الترتيب بصورة مباشرة وواضحة في العقوبات التي يخصون بها العدوان الذي تتعرض لها هذه الحقوق.

كيف نحل هذه المشكلة؟ كيف نجد مخرجا من هذا التناقض القائم بين وصفنا الحق بأنه “حق في نفسه”، وبين الواقع الذي نعترف به جميعا وهو اختلاف نظرة الناس إلى الأشياء، من زاوية “الحق والواجب”، باختلاف العصور والمجتمعات؟ وبعبارة أخرى : أين نضع “حقوق الإنسان” هل في فضاء المطلق أم في ميدان النسبي؟

2- الحق والواجب… والحقوق الطبيعية

“حقوق الإنسان” مفهوم حديث نسبيا إذ يرجع إلى الربع الأخير من القرن الثامن عشر. ولكن جدة المفهوم لا تعني بالضرورة جدة مضمونه. إن حقوق الإنسان كمضمون سابقة لظهور هذا المفهوم وذلك بقرون وقرون، بل يمكن القول إن عبارة “حقوق الإنسان” كمضمون ترجع إلى ذلك الوقت الذي ظهر فيه كل من مفهوم “الإنسان” و”مفهوم “الحق”، وهو وقت لا يمكن تحديده ولا تخمين بداية له. إن ظهور مفهوم “الإنسان”، بأية لغة كانت، لا بد أن يكون متأخرا بما لا يقاس عن وجود الإنسان؛ ذلك أنه يتطلب وجود لغة يُمارَس فيها التجريد، وبالتالي يتطلب مستوى من التفكير يتم فيه التمييز بين الإنسان وغيره من الكائنات. وهذا التمييز يتطلب وعيا بالفوارق، كأن يعي الإنسان الفرق بينه وبين الحيوانات الأخرى، فيعطي لنفسه “الحق” في القيام بأمور معينة وينزع من نفسه الحق في القيام بأمور أخرى. ولا بد من المرور عبر مراحل أعلى من التطور لكي ينقل الإنسان هذا التمييز إلى المستوى البشري نفسه، فيعطي الإنسان لنفسه “الحق” في أمور ويحجب هذا “الحق” نفسه عن غيره من بني جلدته. ولا بد أن يكون القوي –في البداية على الأقل- هو الذي يعطي الحق ويمنعه، وقد قيل بحق في المثل السائر: “إن حجة الأقوى هي الأفضل دائما”. ومع ذلك فلا بد أن تكون هناك ردود فعل، و لابد أن تكون ردود الفعل التي تأتي احتجاجا على ذلك من أهم الوسائل التي عملت على إضفاء نوع من النظام على “حق الأقوى” هذا، وذلك بإقرار أنواع من التبرير لكل من العطاء والمنع. ومن هنا سينشأ “القانون” الذي يوزع “الحقوق” و”الواجبات” وينظمها.

والغالب أن فكرة “الحق” قد ظهرت هي وفكرة “الواجب” في وقت واحد وذلك لعلاقة التلازم والتضايف القائمة بينهما، وهي علاقة ما زالت حية قائمة في معاجم اللغة التي تعنى بالبحث في أصل الكلمات. ففي اللغة العربية يرتبط مفهوم “الحق” بـمفهوم “الواجب” ارتباط تناوب وتلازم، ولا يتخصص معنى أي منهما إلا بحرف الجر. وهكذا فـالفعل: “حق له” يفيد معنى “وجب له”، تماما مثلما أن “حق عليه” هو بمعنى “وجب عليه”، أو ثبت عليه. وأغلب ما ورد في القرآن من فعل “حق” جاء متعديا بحرف “على” ليفيد ثبوت الشيء ولزومه ووجوبه. من ذلك مثلا قوله تعالى: “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فـحق عليها القول فدمرناها تدميرا” (الإسراء 16)، وأيضا: “ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المِؤمنين” (الروم 47). ويشرح الزمخشري هذه الآية بقوله: “حيث جعلهم (يعني المؤمنين) مستحقين على الله أن ينصرهم، مستوجبين عليه أن يُظهِرهم ويظفرهم”. ويورد في هذا المعنى حديثا للنبي (ص) جاء فيه: “ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة”. وفي حديث آخر أن الرسول سأل معاذا: “يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا”. وواضح أن هذا النوع من التلازم والتناوب بين “الحق” و”الواجب” يفيد أن ما يجب على طرف هو حق للطرف المقابل: فما يجب على الله هو حق للإنسان، وما يجب على الإنسان هو حق لله.

وعلى هذا المنوال تم ترتيب العلاقة بين حقوق الحاكم وحقوق المحكومين. فما يجب على “الراعي” هو حق للرعية عليه، وما يجب على الرعية هو حق للراعي عليها. والحق الذي يتردد في هذا المجال هو حق العدل وحق الطاعة: من حق الرعية أن يعدل فيها الراعي ومن حق الراعي أن تطيعه الرعية؛ فالعدل حق للراعية وواجب على الراعي، أما الطاعة فهي واجبة على الرعية وحق للراعي. والعدل على مستوى علاقة الراعي بالرعية يقتضي الجمع بين الاثنين بحيث يكون عدل الراعي بمثابة تعويض لطاعة الرعية. ومثل هذا يقال في ترتيب العلاقة بين الحق والواجب على مستوى العلاقة بين الناس: فالقيام بما يفرضه الواجب قد يكون شرطا في التمتع بالحقوق، والتمتع بالحقوق يفرض القيام بواجبات. والمسألة في نهاية التحليل مسألة معاملة بالعوض، وبالتالي مسألة تعامل تجاري: “مقايضة”. ذلك أن “الحق” بهذا المعنى هو دوما حق لـفلان على فلان: حق لـ “البائع” على “المشتري” أو حق لـ “المشتري” على “البائع”. وسواء ذكر الطرفان معا أو ذكر أحدهما فقط فالعلاقة مع ذلك تبقى ثابتة، علاقة مبادلة.

*

كان قصدنا من الملاحظات السابقة الوصول إلى السؤال التالي الذي ينقلنا إلى موضوعنا، أعني خصوصية مفهوم “الحق” في عبارة “حقوق الإنسان”:

هل نستطيع الوصول إلى “حقوق الإنسان” بمفهومها المعاصر من هذه الطريق التي سلكنا لحد الآن؟ وبعبارة أخرى: كيف يمكن انتشال مفهوم “حقوق الإنسان” من ميدان النسبي والتفكير فيه في فضاء المطلق؟

لقد انطلقنا في التفكير في مفهوم “حقوق الإنسان” تحت سلطة وتوجيه فكرة “الحق والواجب”؛ ومع أنه بالإمكان الاسترسال في التنظير للحق والواجب على المستويين القانوني والأخلاقي فإن ما تقدم يكفي لجعلنا ندرك أنه يصعب جدا، إن لم يكن يستحيل، الوصول من هذا الطريق إلى مفهوم “حقوق الإنسان”!

لماذا؟

يمكن أن نقدم كتبرير أولي أن مفهوم “حقوق الإنسان” متحرر من التقيد بعلاقة التلازم القائمة بين الحق والواجب، علاقة “المقايضة” التي أبرزناها قبل. ذلك أنه إذا كانت فكرة “الحق”، على المستويين القانوني والأخلاقي، تستدعي فكرة “الواجب”، لكونها تعبر عن علاقة بين الناس، أو بين الفرد والمجتمع، يكون فيها “الحق” كنوع من العوض لـ “الواجب”، فإن مفهوم “حقوق الإنسان” لا يستدعي أي مقابل ولا أي عوض. حقوق الإنسان بالمعنى المعاصر هي حقوق له من حيث هو إنسان وليس من حيث أن عليه واجبات.

كيف نتصور أو كيف نؤسس “حقوق الإنسان” بهذا المعنى؟

هنا لابد من تجاوز التحليل القانوني والأخلاقي الذي يستمد مواده من التاريخ والمجتمع، ومن ثم الارتقاء إلى مستوى التحليل الفلسفي الذي يشرع لكل من المجتمع والتاريخ!

هذا ما تم مع اليونان، مع سقراط وأفلاطون وأرسطو. لماذا فقط مع هؤلاء؟ يمكن أن نجيب جوابا عاما فنقول: لأن التحليل الفلسفي المنظم إنما ظهر مع هؤلاء، حسب ما لدينا الآن من معارف عن تاريخ الفكر البشري! (قد يكون هناك فلاسفة قبل هؤلاء، ومن شعوب أخرى، ولكن لا شيء لدينا عنهم). ومع ذلك فالتحليل الفلسفي، كطريقة في النظر، لا يفسر بمفرده ما نحن بصدده، أعني ما عبرنا عنه بالارتقاء بالتفكير في “الحق” إلى المستوى الفلسفي الذي سنخوض فيه الآن. ذلك أن الانتقال بفكرة “الحق” من المستوى القانوني التاريخي الاجتماعي إلى المستوى الفلسفي إنما تم عبر خاصية لغوية هي كون الكلمة التي تفيد معنى “الحق” من الكلمات التي تقال بـ “اشتراك”، في اللغة اليونانية واللغات الأوربية عموما؛ فهي تقال بمعنى “القانون الوضعي” الذي تعتمده المحاكم –مثلا- كما تقال بمعنى “القانون الطبيعي” الذي يحكم الظواهر الطبيعية (بالفرنسية: droit, loi بالإنجليزية: right, law). أما في اللغة العربية فكلمة “حق” لا تقال بهذا النوع من الاشتراك: لا نقول:”الحق الطبيعي” بمعنى القانون الطبيعي كقوانين الفيزياء.

ربما يرجع هذا الاشتراك، (والاشتراك هنا يعني دلالة الكلمة الواحدة على معان مختلفة)، إلى كون الفلسفة بدأت عند اليونان بالبحث في الأخلاق والسياسة مع الحكماء السبعة في القرن السابع قبل الميلاد. فهؤلاء –ومنهم صولون ودراكون- هم الذين شرعوا للمدينة اليونانية فوضعوا لها قوانين وضعية (من وضع العقل) بعد أن كانت تتبع “الناموس”، أي القانون الذي ينسب للآلهة. كان من بين هؤلاء الحكماء طاليس أول الفلاسفة، وكان في نفس الوقت من العلماء الطبيعيين الذين كان شغلهم الشاغل إرجاع ظواهر الطبيعة إلى مبدأ واحد أو جملة مبادئ. ومن هنا كان التفلسف يعني البحث عن “القوانين” التي تحكم الطبيعة وتحافظ على نظامها. وربما كانت فكرة “القانون” الطبيعي مستوحاة من القانون الاجتماعي الذي ينظم المدينة (اليونانية: الدولة)؛ وعلى كل حال ففكرة القانون الذي يحكم ظواهر الطبيعة والقانون الذي ينظم شؤون المدينة قد عرفت النور في فضاء فكري واحد، مما لابد أن يكون له دور ما في هذا “الاشتراك” الذي تختص به كلمة “قانون” ورديفها كلمة “حق”.

وعندما أخذ السوفسطائيون يشككون في قوانين المجتمع، في ثباتها وعموميتها، ويلحون على كونها نسبية تختلف من مجتمع لآخر ومن عصر لآخر، انطلاقا من مبدأ أن “الإنسان مقياس كل شيء”، وأن القانون الحقيقي الذي يحكم شؤون المجتمع البشري هو نفسه “قانون الغاب”، أعني “رأي الأقوى”، جاء الرد على لسان سقراط أولا، ثم أفلاطون وأرسطو من بعده. وقد اعتمدوا في ردهم على التمييز بين القانون الوضعي، الذي تطبقه المحاكم والقانون الطبيعي الذي هو “العدل” نفسه. القانون الوضعي يتغير ويختلف بتغير المجتمعات والعصور واختلافها. أما القانون الطبيعي فيتميز بالثبات والاطراد، قوامه نظام الكون؛ والنظام في الطبيعة معناه أن كل شيء من أشياء الكون وكل ظاهرة من ظواهره يحتل المكان المناسب له وللنظام ككل. وذلك هو العدل. فالعدل على مستوى الكون هو إنزال كل شيء منزلته “الطبيعية”. وقد استعير هذا المعنى من الطبيعة ووظف في المجتمع، فقيل –قال فلاسفة اليونان- العدل في المجتمع هو “إنزال الناس منازلهم”. والقانون الوضعي مهمته هي هذه بالضبط: أعني إنزال الناس منازلهم، وذلك هو مفهوم العدل في العصور القديمة والوسطى. من هنا يتضح أن للقانون الوضعي، الذي هو نسبي بطبيعته، مرجعية تنتمي إلى فضاء المطلق، هي “القانون الطبيعي”، أو نظام الكون (الكوسموس)، الذي لا يتخلَّف ولا يختلف ولا يتغير!

هذه المزاوجة بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي هي التي سمحت –في العصر الحديث- بالارتفاع بـ “حقوق الإنسان” إلى مستوى أعلى: من مستوى القانون الوضعي النسبي إلى مستوى القانون الطبيعي المطلق، ومن ثمة القول: إن حقوق الإنسان هي حقوق طبيعية للإنسان، تماما مثلما أن القوانين الطبيعية هي “حقوق” طبيعية للكون، أعني قوانينه. ويمكن أن نفهم هذا جيدا إذا نحن فهمنا الإنسان على أنه “جسم” أولا وقبل كل شيء؛ وأنه بالتالي جزء من الطبيعة تسري عليه قوانينها، وأن له “حقوقا” –أو قوانين خاصة به.

يتضح مما سبق أن المرجعية التي تؤسس مفهوم “حقوق الإنسان” هي غير المرجعية التي تؤسس مفهوم “الحق والواجب”، وبالتالي فكلمة “حقوق”، في عبارة “حقوق الإنسان”، لا تجد خصوصية معناها لا في سجل العلوم القانونية ولا في لغة الأخلاق. إن لها مرجعية خاصة، هي تلك التي شرحنا أصولها. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل هذه “الأصول” أصول واقعية تاريخية أم أنها افتراضية نظرية؟

3- مسألة التأريخ لحقوق الإنسان

يمكن لمعترض أن يعترض: اتخذت من الفلسفة اليونانية مرجعية أولى لظهور فكرة حقوق الإنسان، هذا في حين أن النظام الاجتماعي اليوناني كان مجتمع عبودية وأن فلاسفة اليونان، بمن فيهم من ذكرتهم، سقراط وأفلاطون وأرسطو، كانوا لا يرون في أن يستعبد إنسان أخاه الإنسان خرقا لأي حق من حقوق الإنسان، بل كانوا يعتبرون ذلك من الأمور الطبيعية. كانوا يقولون إن العبد آلة، وهو كجميع الآلات الطبيعية مسخر لخدمة الإنسان. والإنسان عندهم هو “المواطن” أي الرجل اليوناني الحر الذي له وحده الحق في الكلام في شؤون المدينة والمساهمة في تسييرها. أما غير هذا “المواطن” ممن ينتمون إلى الطبقات المنتجة من عمال ومزارعين وأجانب الخ، فلم يكونوا يدخلون في زمرة “المواطنين”! فكيف يمكن اتخاذ الفكر اليوناني مرجعية لحقوق الإنسان التي هي حقوق لجميع بني البشر، لا فرق بين مواطن وأجنبي، بين من يعتقل أسيرا في الحروب –وهذا هو المصدر الأول للعبودية والاسترقاق- وبين من يحتفل بانتصاره في معاركه ضد الأعداء الخ. إن أول حق من حقوق الإنسان هو التصرف في نفسه، أي الحرية بالمعنى القديم الذي يعني عدم وقوع الشخص البشري عبدا لغيره.

قلت : هذا صحيح. وصحيح أيضا أن فكرة حقوق الإنسان لم تظهر إلا في الفلسفة الأوربية الحديثة، فلسفة القرن الثامن عشر بالخصوص. ولكن الفلاسفة الذين طرحوها آنذاك لم يطرحوها في فراغ و من فراغ، وإلا لما كان من الممكن إقناع الناس بها. إن الناس لا يقبلون الجديد من الأفكار –خاصة في بعض المراحل من تطورهم- إلا إذا قدمت لهم ذات أصول في تراثهم. إن الفكرة الجديدة لا تكون جديدة إلا ذا كان ينجم عنها نوع ما من التغيير، والناس عادة لا يقبلون التغيير إلا إذا قدم لهم –أو قدموه لأنفسهم، لا فرق- كشيء “يوجد” عندهم بصورة من الصور، وليس كشيء خاص بالغير خصوصا إذا كان هذا الغير خصما أو بمنزلة “الآخر” لهم. بعبارة أخرى : أنصار الجديد لا يستطيعون عادة الانتصار على أنصار القديم إذا هم قدموا الجديد كشيء لا أصل له عندهم، وأنه كله من عند الغير. إن من شروط منازلة أنصار القديم، منازلة ناجحة، خوض المعركة معهم في ميدانهم وإظهارهم بمظهر المقلد الجامد، وبالتالي العاجز عن استيعاب الآفاق الرحبة التي تثوي وراء الأصول إذا ما هي فهمت بعيدا عن التقليد والفهم الجامد. ذلك هو الطريق الذي سلكته النهضات والثورات. والدعوة المحمدية التي كانت جديدة تماما قد ركزت، كما نعرف، على انتمائها إلى الأصل الذي ترتبط به : دين إبراهيم. ومثل ذلك فعلت النهضة الأوربية التي ارتبطت بالآداب والفكر اليوناني والروماني. وفكرة “حقوق الإنسان” كما ظهرت في الفكر الأوربي في القرن الثامن عشر كانت فكرة جديدة تماما. وبالتالي كان لابد من ربطها بـ “الأصول” التي ترتبط بها الثقافية الأوربية في ذلك الوقت لكي يكون في الإمكان جعلها واحدة من الأفكار التي يمكن أن تجد مكانا لها في هذه الثقافة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لابد من أن تكون عملية الربط بالأصول تخدم ليس الفكرة الجديدة وحدها، بل لابد أن تخدم كامل النظام الفكري الذي يراد تعزيزه بها بوصفها جزءا منه أو تنتمي إليه نوعا من الانتماء. وهذا لا يتأتى في الغالب إلا اعتمادا على فهم جديد لتلك الأصول نفسها، بحيث تبدو هذه الأصول كـ”جديد” يخوض مع “القديم” معركة مماثلة للمعركة التي يخوضها النظام الفكري الجديد. وهكذا ففكرة حقوق الإنسان لم تظهر، حين ظهرت في القرن الثامن عشر، كفكرة معزولة يتيمة، بل كانت جزءا من نظام فكري عام يمثل الجديد في كل مجال، الجديد الذي يخوض معركة شرسة مع نظام قديم خصم نصبه مناصروه خصما لكل تجديد.

كان هذا الخصم هو النظام الإقطاعي وحليفه الكنيسة. كان النظام الإقطاعي صاحب السلطة الزمنية، يملك الأبدان، ويسن القوانين التي “تنظم” ذلك، وكانت الكنيسة صاحبة السلطة الروحية تملك النفوس وتصدر القوانين التي تتعلق بهذا المجال بوصفها قوانين –شريعة- إلهية. وهكذا كانت القوانين أو الحقوق صنفين: قوانين زمنية يسنها الحاكم الإقطاعي، وشريعة دينية تسنها الكنيسة. وكفاح قوى التغيير والتجديد في أوربا القرن الثامن عشر كان ضد هاتين القوتين معا. ومن أجل سحب حق وضع القوانين عن الكنيسة كان لا بد من اللجوء إلى مرجعية تعلو عليها، أو يمكن ادعاء التفوق لها، موجودة بشكل أو آخر في التراث الأوربي. وكان لابد أن تكون هذه المرجعية قد أدت وظيفة مشابهة للوظيفة التي يراد لها أن تؤديها في الحاضر –أوربا القرن الثامن عشر. وقد وجد فلاسفة أوربا بغيتهم في فكرة القانون الطبيعي الذي قال به فلاسفة اليونان والذي شرحنا ملابساته في الفقرة السابقة. وهذه الفكرة –فكرة القانون الطبيعي- تخدم قضيتهم، أعني الصراع ضد الكنيسة والإقطاع، لأنها تعطي للإنسان حقوقا لا تتحكم فيها لا الكنيسة ولا الإقطاع لكونها من جنس قوانين الطبيعية، أي نظام الكون، الذي يسري مفعوله على الكنيسة والإقطاع كليهما.

ما نريد أن نخلص إليه مما تقدم هو أن لجوء فلاسفة أوربا، في القرن الثامن عشر، إلى فكرة “القانون الطبيعي” لتأسيس فكرة حقوق الإنسان ودمجها في المنظومة الفكرية التجديدية التي كانوا يناضلون من أجلها، سلوك مشروع تماما بالنظر للمقاييس التي ذكرنا، وهي المقاييس أو الشروط التي لا بد من مراعاتها في كل عملية تجديد أو نهضة.

تبقى بعد هذا نقطة أخرى، في الاعتراض الذي أوردنا في مستهل هذا المقال، وهي المتعلقة بكون فلاسفة اليونان كانوا يجيزون الرق ويعتبرون العبيد آلات أو كالآلات ليس لها حق في المواطنة وبالتالي لا حق لها في التمتع بحقوق الإنسان. وهنا لابد من التذكير بأن عدم تعميم حقوق الإنسان على كافة الكائنات التي تنتمي إلى نوع الإنسان لا يطعن في هذه الحقوق ولا في المنادي بها في مجال من المجالات. وكما أشرنا إلى ذلك قبل فحق الانتخاب والترشيح مثلا لم يمنح للمرأة في كثير من الدول الأوربية الحاملة للواء حقوق الإنسان إلا في فترة متأخرة، وهذا لا يطعن بصورة مطلقة في دفاع هذه الدول عن حقوق الإنسان. إن المسألة تتوقف على درجة الوعي بهذه الحقوق كما تسمح بها مرحلة من المراحل. والديانات نفسها، والإسلام من بينها، تسلك سبيل التدرج في تشريعاتها. فالشريعة المحمدية لم تنزل مرة واحدة على الناس وإنما جاءت بالتدريج مراعية تطور الإسلام في النفوس: من مجرد القبول إلى التشبع بروحه إلى طلب المزيد الخ. وهذا ما حدث مع مفهوم “حقوق الإنسان” في الظرف المعاصر. لقد كان هذا المفهوم لحقبة طويلة من الزمن مقصورا على ما ينتمي إلى الحريات السياسية، أما اليوم فهو يضم حقوقا اجتماعية واقتصادية. إن لائحة حقوق الإنسان ليس نهائية ولا مقفلة، بل هي لائحة مفتوحة، ويجب أن تبقى كذلك، لأن ما يمكن أن يتمتع يه الإنسان من حقوق ليس نهائـيا ولا محصورا بل هو شيء ينمو بنمو وعي الإنسان وباتساع المجالات التي يمكن أن يتمتع فيها بهذه الحقوق، مادية كانت هذه المجالات أو معنوية.

*

لنخم هذه “الهوامش”، قبل الاستمرار في متابعة فكرة الحق الطبيعي في القرن السابع عشر، بملاحظة أعتقد أنه من الضروري الوعي بها واستحضارها. أقصد بذلك عملية الارتباط بالتراث وبناء العلاقة مع الأصول.

إن المجال الذي تتحرك فيه هذه الهوامش يمكن وصفه بأنه : الخلفيات التاريخية والفلسفية لحقوق الإنسان المعاصرة. فالأمر يتعلق إذن بكتابة تاريخ فكرة حقوق الإنسان، لا بل بإعادة كتابة هذا التاريخ، فكل كتابة للتاريخ هي في واقع الأمر إعادة كتابة، فليس هناك كتابة “أولى” للتاريخ. ونحن عندما نتجه إلى التاريخ سواء لقراءته –قراءة ما- أو لإعادة كتابته، فإنما نفعل ذلك، وفي جميع الأحوال، بدافع من الحاضر. والتاريخ –أعني الماضي كما يعيد الناس كتابته أو قراءته- قابل لأن يتعامل الناس معه بوصفه يحتوي على كل شيء.

والتعامل مع التاريخ، من هذا المنظور، يتم في الغالب على أساس أنه أشبه ما يكون بما لا يحصى من المسالك والطرق والشعاب الملتوية المتداخلة المتقاطعة تمتد من الحاضر إلى الماضي. ونحن نرجع القهقرى ونتتبع مسلكا أو طريقا بعينه تاركين المسالك والشعاب الأخرى إلى حين الحاجة. فالحاجة، حاجة الحاضر، هي التي تدفعنا إلى اختيار مسلك معين، دون غيره، فحاجتنا اليوم إلى التمتع بحقوق الإنسان هي التي تدفعنا إلى الرجوع القهقرى مع تاريخ تطور نظرة الإنسان إلى هذه الحقوق. وهذا المسلك الذي يشكل ما نعبر عنه اليوم بـ”الخلفيات التاريخية والفلسفية لحقوق الإنسان” كان موجودا دوما. غير أن اهتمامنا به كان ضعيفا أو منعدما لأنه لم يكن هناك في الحاضر ما يدفع إلى الاهتمام به. وليس ذلك لأننا لم نكن في حاجة إلى حقوق الإنسان، بل فقط لأن وعينا بهذا الموضوع كان ضعيفا أو منعدما. وهكذا فالتاريخ لا وجود له بدون من يهتم به ويطلب المعرفة به ويكتبه ويعيد كتابته. بعبارة أخرى : الإنسان هو الذي يصنع التاريخ، ليس التاريخ بوصفه أحداثا واقعية وحسب بل أيضا التاريخ كمعرفة. وكل شعب يصنع تاريخه باستمرار، تاريخه الفعلي اليومي وتاريخه المكتوب. وأوربا صنعت في القرن التاسع عشر تاريخها المكتوب، وهو المعتمد اليوم إلى حد كبير. وبما أنها كانت، في ذلك القرن، هي التي تصنع التاريخ الفعلي، تاريخ الحاضر في العالم كله، بالعلم والاستعمار الخ، فقد جعلت من تاريخها التي أعادت كتابته تاريخا للعالم كله.

وفي مجال حقوق الإنسان لا فرق في الحقيقة بين “الخلفيات التاريخية” و”الخلفيات الفلسفية” لأن الأمر يتعلق في الحالتين معا بتاريخ الأفكار. ومع أنه يمكن التثبت من وجود فكرة ما في هذا العصر أو ذلك، والقول إنها كانت من المفكر فيه الذي يؤسس لما بعده، فليس من الممكن التثبت بسهولة بوجود رابطة ما سببية بين فكرة سابقة وأخرى لاحقة؛ فقد تؤدي الظروف المتشابهة إلى ظهور أفكار متشابهة. ومع ذلك فإقامة علاقة ما بين هذه الأفكار هي مسألة اجتهاد وتخمين، والمهم في الأمر –في الغالب- ليس الوجود الفعلي لهذه العلاقة بل ما ينبني على وجودها من نتائج. والنتائج تقاس بمدى أهميتها بالنسبة للحاضر. والنتائج التي تؤثر في الحاضر هي التي تأتي وفق منطق مقبول. أما التي تفرض فرضا فهي مجرد دعاوى. والمنطق المقبول اليوم في الموضوع الذي يهمنا هو أن “تاريخ” حقوق الإنسان بمعناها المعاصر يبدأ مع فلاسفة اليونان، أو لنقل يبدأ من الحاضر الراهن ويمتد في الماضي على الخط الذي يربطها باليونان.

ولا يعني هذا أن هذا التاريخ الأوربي لحقوق الإنسان هو وحده الممكن. كلا، إنه بالإمكان دوما بناء تاريخ آخر عبر مسلك آخر من المسالك التي تمتد وراء اللحظة الراهنة لتشكل الماضي. من الممكن مثلا بناء مسلك في الثقافة العربية مماثل أو مختلف أو مكمل أو مصحح للمسلك الذي شيدته أوربا. وهذا ما لم ينجز بعد. وسيصبح قابلا للإنجاز يوم ترسخ حقوق الإنسان في الوطن العربي والثقافة العربية ويصبح لها تاريخ.

 

2 – حالة الطبيعة والعدوان … أساس حقوق الإنسان

لنكتف بالقول إذن، كان سقراط حسن النية بالإنسان، فلنقتد به، ولننشر ثقافة حقوق الإنسان ليس من أجل إقناع الناس باحترام هذه الحقوق وحسب بل أيضا، وهذا أهم، من أجل توعية أصحاب الحقوق الضائعة ليطالبوا بحقوقهم. وبالمطالبة المستمرة المتواصلة سيحصلون عليها. وحقا: “ما ضاع حق وراءه طالب”.

1- الحق … والقانون

ظلت فكرة الحق الطبيعي الذي قال به فلاسفة اليونان وبعض مفكري الرومان غائبة، أو بالأحرى مغمورة في كتبهم طوال القرون الوسطى: لقد حل محلها قانون الإيمان الذي تحدده الكنيسة هو و”الحق الإلهي” للملوك الذي باسمه يحكمون ويشرعون ويضعون القوانين ويحددون الحقوق…

مع القرن السابع عشر أخذت الأمور تتغير: لقد قطع العلم الحديث وعلى رأسه علوم الطبيعة أشواطا جديدة تماما من التقدم والازدهار. وأصبح لفكرة “القانون الطبيعي” معنى آخر: لم تعد تعني، كما كان الشأن عند اليونان، مجرد النظام والترتيب الذين يسودان العالم، بل صار القانون الطبيعي وسيلة العقل البشري للسيطرة على الطبيعة: الإنسان هو الذي يكتشفه وهو الذي يستثمره لصالحه. العقل هو واضع القوانين، وقوانين العقل متطابقة مع قوانين الطبيعة، لأن الأمر يتعلق في الحقيقة بقانون واحد. لقد كانت الفكرة السائدة هي أن : “القانون كما هو في العقل الإلهي، يظهر في الطبيعة وفي العقل البشري معا، ولا تناقض بين الاثنين”. العقل البشري هو واضع القوانين والقيم، يكتشف قوانين الطبيعة بعقله، أو لنقل في عقله، ويحدد القيم التي يجب أن يعمل بها الإنسان وفقا لطبيعة الإنسان نفسه.

هانحن إزاء فكرة جديدة تحل محل فكرة قديمة: فكرة الطبيعة الإنسانية التي تحل محل الطبيعة الكونية -أو الكوسموس- التي كانت تؤسس من قبل فكرة القانون الطبيعي. إنه انقلاب في الفكر الأوربي، يقطع مع التصور اليوناني القديم: كان اليونان يتخذون من الطبيعة ونظام الكون مرجعية لتأسيس القانون والقيم على المستوى البشري، أما مع القرن السابع عشر فقد غدت الطبيعة الإنسانية هي نفسها المرجعية للقانون والقيم. ومع ذلك فلم تكن هذه القطيعة عامة فلقد تمسك فلاسفة ذوو وزن بالطبيعة ونظام الكون كمرجعية، ربما لأنها كانت تقدم لهم ما كانوا في حاجة إليه أكثر مما تقدمه فكرة “الطبيعة الإنسانية”. ومهما يكن فقد شهدت أوربا القرن السابع عشر تيارين في موضوع الحق الطبيعي : تيار يتخذ الطبيعة الإنسانية، وبالتالي العقل البشري نفسه، مرجعية له، وتيار يتمسك بالطبيعة بمعنى نظام الكون وقوانينه.

كان غروتيوس، وهو رجل قانون وديبلوماسي هولاندي أول من طرح سنة 1625 فكرة الطبيعة الإنسانية كمصدر للقانون. لقد استبعد المصدر الإلهي بحجة أن شعوب الأرض تدين بديانات مختلفة، وبالتالي فلو كان القانون راجعا إلى المصدر الإلهي لكان واحدا لدى جميع الشعوب، وهذا غير الواقع. فلكل شعب قوانين قد تختلف قليلا أو كثيرا عن قوانين الشعوب الأخرى، مما يدل على أن المصدر الحقيقي للقانون يوجد في الطبيعة الإنسانية ذاتها: في عقل الإنسان كما في عاطفته. فأساس القانون إذن، هو أن الناس يرتبطون فيما بينهم بوشائج التعاون والمحبة، مدفوعين إلى لذلك بعقولهم وعواطفهم، مما يجعلهم ينظمون حياتهم بقوانين يلتزمون بها وقيم يحترمونها. ويشمل هذا النظام تلك المؤسسة التي يقيمونها بالتعاقد فيما بينهم والمسماة “الدولة”، ومن هنا كانت الدولة مؤسسة ترتكز هي الأخرى على العقل وروابط العاطفة والمحبة التي تجمع بين الناس.

ويأتي الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز ليضع بكتابه الشهير، ليفياتان Léviathan الذي ألف سنة 1651، لبنات أخرى في صرح نظرية “الحق الطبيعي”. لقد انطلق هوبز من فكرة جديدة هي ما سيعرف بـ”حالة الطبيعة”، أي الحالة التي كان عليها الإنسان يوم كان يعيش بدون دولة وبدون نظام اجتماعي ما. كان الإنسان يعيش في تلك الحالة على أساس حق الأقوى: الأقوياء هم الذين يفرضون إرادتهم على الضعفاء. جوهر هذه الحالة هي أن “الإنسان ذئب للإنسان”. إن حالة الطبيعة التي يعيش فيها الإنسان في حرية مطلقة هي حالة حرب دائمة بين الإنسان وأخيه الإنسان. والحق الطبيعي في هذه الحالة هو الحق في تلبية الرغبات وإشباعها. يقول هوبز: “إن الحق الطبيعي، الذي يسميه الكتاب عادة بالعدل الطبيعي Jus Naturals معناه: حرية كل واحد في العمل بكامل قوته، وكما يحلو له، من أجل الحفاظ على طبيعته الخاصة، وبعبارة أخرى على حياته الخاصة، وبالتالي القيام بكل ما يبدو له، حسب تقديره الخاص وعقله الخاص، أنه أنسب وسيلة لتحقيق هذا الغرض”.

هذا عن “الحق الطبيعي”، وهو غير “القانون الطبيعي”، وهوبز يميز بينهما تمييزا حاسما. يقول: “أنا لا أعني بكلمة الحق Right شيئا آخر سوى الحرية الممنوحة لكل إنسان لكي يستخدم قدراته الطبيعية طبقا للعقل السليم، ومن ثم فإن الأساس الذي يرتكز عليه الحق الطبيعي هو: كل إنسان لديه القدرة والجهد لحماية حياته وأعضائه”. “وما دام لكل إنسان الحق في البقاء فلا بد أن يمنح أيضا حق استخدام الوسائل، أعني أن يفعل أي شيء بدونه لا يمكن أن يبقى”. ومن هنا كانت الحقوق الطبيعية للإنسان أربعة: حق البقاء أو المحافظة على الذات. الحق في استخدام كافة الوسائل التي تؤمن الحق السابق (حق البقاء). حق تقرير أنواع الوسائل الضرورية التي تكفل حق البقاء ودرء الخطر. حق وضع اليد على كل ما تصل إليه : “لقد منحت الطبيعة كل إنسان الحق في كل شيء ولذلك فمن المشروع لكل إنسان أن يفعل أي شيء يساعده على البقاء”.

هذا عن “الحق الطبيعي”. أما “القانون الطبيعي” فهو قانون، بمعنى قاعدة من صميم العقل البشري، يمنع الناس من القيام بما يقودهم إلى الهلاك الذي لابد أن يجرهم إليه تمسك كل منهم بحقوقه كاملة. يقول هوبز: “ينبغي مع ذلك التمييز بين الحق والقانون، ذلك أن الحق يعتمد الحرية، حرية المرء في أن يفعل فعلا ما أو يمتنع عن فعله. أما القانون فهو الذي يرتبط بواحد منهما دون الآخر، (أي بالفعل أو الامتناع عن الفعل)، فهو الذي يحدد ويعين. ومن ثم فالقانون والحق يختلفان اختلافا كبيرا مثلما يختلف الإلزام obligation والحرية liberty من حيث أنهما يتناقضان في الموضوع الواحد”.

“الحق الطبيعي”، الذي تعطيه الطبيعة، يعطي الإنسان كل شيء. أما “القانون الطبيعي”، الذي يصدر من طبيعة عقل الإنسان نفسه فهو يعين ويحدد الطريقة الأكثر ملاءمة للحفاظ على الحقوق الطبيعية وعلى رأسها حق البقاء. إن العقل يملي على الإنسان فكرة على درجة كبيرة من الأهمية، فكرة التنازل عن حقه الطبيعي، الذي يعني حرية التصرف بدون قيود، والدخول مع الآخرين في حال من السلم، قوامها الكف عن الاقتتال والتحرر من الخوف. هذا التنازل عن “الحق الطبيعي” هو أساس الدولة. هو العقد الاجتماعي الذي يجعل قيام الدولة ممكنا كما سنرى.

*

من الفلاسفة الأوائل الذي وظفوا فكرة “الحق الطبيعي” الفيلسوف الهولاندي الشهير باروخ سبينوزا. لقد ألف هذا الفيلسوف كتابا هاما بعنوان “رسالة في اللاهوت والسياسة”، شرح مضمونها بقوله” : “وفيها تتم البرهنة على أن حرية التفلسف لا تمثل خطرا على التقوى (الدين) أو على سلامة الدولة، بل إن في القضاء عليها قضاءٌ على سلامة الدولة وعلى التقوى ذاتها في آن واحد”. أما الغرض من الرسالة فقد حدده في شيئين اثنين :

أولا: “الفصل بين الفلسفة واللاهوت (الدين) وبيان أن اللاهوت يترك لكل فرد حرية التفلسف”، حسب عبارة سبينوزا نفسه. وهنا يلتقي هذا الفيلسوف الذي عاش في القرن في القرن السابع عشر مع الفكرة نفسها التي دافع عنها ابن رشد قبل ذلك بخمسة قرون في كثير من كتبه، فكرة الفصل بين الدين والفلسفة.

ثانيا: “معالجة الأسس التي تقوم عليها الدولة”. وهذا ما يهمنا هنا لأنه في هذا المجال بالذات يوظف هذا الفيلسوف فكرة “الحق الطبيعي الذي لكل إنسان بغض النظر عن الدين والدولة”. ويعني: “بالحق الطبيعي وبالتنظيم الطبيعي مجرد القواعد التي تتميز بها طبيعة كل فرد، وهي القواعد التي ندرك بها أن كل موجود يتحدد وجوده وسلوكه حتميا على نحو معين”. ولما كان القانون الأعظم للطبيعة هو أن كل شيء يحاول بقدر استطاعته أن يبقى على وضعه، وبالنظر إلى نفسه فقط، دون اعتبار لأي شيء آخر، فينبني على ذلك أن يكون لكل موجود حق مطلق في البقاء على وضعه، أي في أن يوجد ويسلك كما يتحتم عليه طبيعيا أن يفعل”. ويضيف سبينوزا: “وفي هذا الصدد لا نجد فارقا بين الناس والموجودات الطبيعية الأخرى، أو بين ذوي العقول السليمة ومن هم خلو منها، أو بين أصحاء النفوس والأغبياء وضعاف العقول. والواقع أن كل من يفعل شيئا طبقا لقوانين الطبيعة إنما يمارس حقا مطلقا لأنه يسلك طبقا لما تمليه عليه طبيعته ولا يمكنه أن يفعل سوى ذلك. فبقدر ما ننظر إلى الناس على أنهم يعيشون تحت حكم الطبيعة وحدها نجد أن لهم جميعا وضعا واحدا: فمن لم يعرف العقل بعد، أو من لم يحصل بعد على حياة فاضلة، يعيش طبقا لحق مطلق خاضع لقوانين الشهوة وحدها، شأنه شأن من يعيش طبقا لقوانين العقل. وكما أن للحكيم حقا مطلقا في أن يعمل كل ما يأمر به العقل، أي من يحيا طبقا لقوانين العقل، فإن للجاهل ولمن هو خلو من أية صفة خلقية حقا مطلقا في أن يفعل كل ما تدفعه الشهوة نفسها نحوه، أي أن يعيش طبقا لقوانين الشهوة”.

وهذا لا يعني أن سبينوزا يدعو الناس إلى العيش حسب طبيعتهم وحدها دون اعتبار لما تمليه عليهم عقولهم. كلا، إنه يؤكد: “أنه يظل من الصحيح دون شك أن من الأنفع للناس أن يعيشوا طبقا لقوانين عقولهم ومعاييرها اليقينية لأنها، كما قلنا، لا تتجه إلا إلى تحقيق ما فيه نفع حقيقي للبشر. وفضلا عن ذلك فإن كل إنسان يود العيش في أمان من كل خوف بقدر الإمكان. ولكن ذلك مستحيل ما دام كل فرد يستطيع أن يفعل ما يشاء وما دام العقل لا يعطي حقوقا تعلو على حقوق الكراهية والغضب. والواقع أنه لا يوجد إنسان واحد يعيش دون قلق وسط العداء والكراهية والغضب والمخادعة، ومن ثم لا يوجد إنسان واحد لا يحاول الخلاص من ذلك بقدر استطاعته”.

كيف يمكن الخلاص من العداء والكراهية التي قد تنجم عن عمل كل فرد طبقا للحق الطبيعي؟ يجيب سبينوزا: “ولنلحظ أيضا أن الناس يعيشون في شقاء عظيم إذا لم يتعاونوا، ويظلون عبيدا لضرورة الحياة إن لم ينموا عقولهم … ومن ثم يظهر لنا بوضوح تام أنه لكي يعيش الناس في أمان وعلى أفضل نحو ممكن كان لزاما عليهم أن يسعوا إلى التوحد في نظام واحد (الدولة)، وكان من نتيجة ذلك أن الحق الذي كان لدى كل منهم على الأشياء جميعا، بحكم الطبيعة، أصبح ينتمي إلى الجماعة ولم تعد تتحكم فيه قوته أو شهوته بل قوة الجميع وإرادتهم”.

2-حالة الطبيعة وحالة المدنية

كان من نتائج تقدم العلم الحديث (الرياضيات والفيزياء خاصة) في القرنين السادس عشر والسابع عشر أن تبلورت في القرن الثامن عشر، مع نيوتن خاصة، النظرة الآلية للطبيعة التي زعزعت كامل النظام المعرفي السائد وخلخلت سائر التصورات العلمية والفلسفية السابقة، مما كانت نتيجته قيام ما عرف بـ”عصر التنوير والعقل”. لقد صاغ نيوتن كما هو معروف نظرية الجاذبية العامة في صورة قانون رياضي (عقلي) جعل نظام الطبيعة ونظام العقل مظهرين لحقيقة واحدة، فأصبح مفهوم “الطبيعة” يعني لا الأشياء الجامدة المعروضة أمام الإنسان، بل أصبح يعني “النظام العقلي للأشياء بوصفه نظاما كليا يشمل كل ما في الطبيعة بما في ذلك الإنسان نفسه”. ونتيجة لذلك صار الناس يطابقون بين ما هو طبيعي وما هو عقلي: بمعنى أن ما في الطبيعة يخضع لنظام دقيق خضوع أجزاء الآلة للآلة ككل، مما يجعل تلك الأجزاء قابلة لإدراك العقل وفهمه. وبالمثل: كل ما يبدو معقولا، أي مبررا في نظر العقل، فهو طبيعي، أي أنه متسق أو لابد أن يكون متسقا مع الطبيعة.

من هنا بدأت فكرة القانون الطبيعي تغتني وتكتسي دلالات جديدة واضحة. لقد ألف الفيلسوف الإنجليزي كرستيان وولف كتابا يحمل عنوانا ذا دلالة خاصة: “القانون الطبيعي مدروسا حسب المنهج العلمي” (1754) والمقصود بالمنهج العلمي هنا هو المنهج الاستدلالي الرياضي. يقوم هذا المنهج على النظر إلى القانون الطبيعي على أنه جزء من الطبيعة الإنسانية المغروزة في كل فرد بشري. وعلى أساسه يتم التمييز بين الحق والواجب. ذلك لأن فكرة “ما هو شرعي –قانوني- وما هو لازم يجب القيام به”، أي فكرة الحق والواجب، هي فكرة من صميم الجوهر الإنساني نفسه، ومن هنا كانت هذه الفكرة كلية عالمية. يقول: “إن الحق الطبيعي، أعني الفطري في الإنسان، هو حق مشتق من إلزام طبيعي بحيث أنه متى فرضنا هذا الإلزام وجب وجود هذا الحق. وبما أن الطبيعة، أو جوهر الإنسان، تفرض بعض الواجبات والإلزامات فهي بالنتيجة تقرر بعض الحقوق. وبما أن الطبيعة، أو جوهر الإنسان، شيء مشترك بين جميع الناس فإن كل قانون طبيعي هو قانون كلي عالمي، لم يكتسبه الإنسان بل يحمله معه مع مجيئه إلى هذا العالم”.

في إطار هذا المنهج “العلمي” كتب المفكر الفرنسي المعروف البارون دو مونتسكيو كتابه الشهير “روح القوانين”. يقول في مستهل هذا الكتاب: “إن الكائنات الخاصة المزودة بالعقل والذكاء يمكن أن تتوفر لها قوانين سنتها لنفسها، ولكن يمكن أيضا أن تكون لديها قوانين لم تسنها هي. وقبل أن توجد كائنات عاقلة، كان من الممكن أن توجد هذه الكائنات، وكان يمكن أن تقوم بينها علاقات وبالتالي قوانين ممكنة. وإذن فقبل أن تكون هناك قوانين موضوعة (وضعية) كانت هناك علاقات عادلة ممكنة. أما القول بأنه لم يكن هناك شيء عادل أو غير عادل إلا ما يأمر به أو تحدده القوانين الوضعية فهو كالقول بأنه قبل رسم الدائرة لم تكن شعاعاتها متساوية. يجب إذن الاعتراف بوجود قوانين عادلة سابقة للقانون الوضعي الذي يقررها”. هكذا أصبحت مهمة العقل هي الكشف عن الجانب الطبيعي، أي المعقول، في كل ميدان، والإلقاء بالتالي عرض الحائط بكل ما هو غير طبيعي، أي بجميع الزيادات والإضافات التي تراكمت عبر العصور نتيجة تصورات ترجع إلى التقليد، والاعتقاد في أمور من دون استعمال العقل.

وإذا كان القانون العلمي الذي يجمع شتات الظواهر في علاقة كلية ثابتة مطردة، هو القانون المعبر عن حقيقة الطبيعة، فإن هناك في الحياة الإنسانية ما هو بمثابة طبيعتها وقانونها الكلي : إنه الطبيعة الإنسانية وأيضا المثل العليا التي تتصف بـ”العالمية” والتي يجدها الإنسان في كل مكان، في الشرق وفي الغرب، لدى الشعوب المتحضرة كما لدى الشعوب البدائية. ومن هنا تلك الظاهرة التي عرفتها الثقافة الأوروبية يومئذ، ظاهرة نقد المجتمع الأوروبي بواسطة رسائل “فارسية” و”صينية” وما يكتب عن “الرجل البدائي”. كل ذلك لإبراز قيم “عالمية” تحدد المثل الأعلى الذي يجب السعي إلى تحقيقه.

ذلك أنه كما أدى تقدم البحث في العلوم الرياضية والطبيعية إلى المطابقة بين ما هو عقلي وما هو طبيعي، فلقد أدى اتساع اطلاع مفكري أوربا على حياة المجتمعات المختلفة (الشرقية والبدائية) إلى المطابقة بين ما هو طبيعي وما هو بدائي أولي –فطري– في الحياة البشرية، مما كانت نتيجته قيام تصورات لـ”عصر ذهبي للبشرية كان الناس فيه على دين طبيعي قبلوه لأنه معقول في جوهره” –دين الفطرة بالتعبير الإسلامي– لكن القائمين على السلطتين الدينية والسياسية من “الكهنة المتآمرين والملوك في العصور التالية أفسدوه وانتهوا به إلى الخرافات من أجل منفعتهم”. إنها فرضية “حالة الطبيعة” التي سننتقل إلى الحديث عنها الآن.

فعلا، افترض فلاسفة الفكر السياسي الحديث في أوروبا القرن السابع عشر والثامن عشر وجود “حالة طبيعية” للإنسان، بعضهم جعلها واقعا بشريا سابقا للتنظيم الاجتماعي والسلطة السياسية، بينما أراد منها آخرون التعبير فقط عما يمكن أن يكون عليه الإنسان إذا هو لم يخضع لفعل التربية ولا لسلطة قانون أو حكومة. وإذا كان جميع فلاسفة الفكر السياسي الحديث في أوروبا قد وظفوا بصورة أو بأخرى فرضية “حالة الطبيعة” هذه، فإن الفيلسوف الإنكليزي جون لوك (1632 – 704 ا) هو الذي عمل أكثر من غيره على بناء هذه الفرضية بالصورة التي تجعلها قابلة لأن تكون مرجعية تؤسس فكرة “الحرية والمساواة”، وهي الفكرة التي ستتأسس عليها كافة حقوق الإنسان. يقول : “لكي نفهم السلطة السياسية فهما صحيحا ونستنتجها من أصلها يجب علينا أن نتحرى الحالة الطبيعية التي وجد عليها جميع الأفراد، وهي حالة الحرية الكاملة في تنظيم أفعالهم والتصرف بأشخاصهم وممتلكاتهم بما يظنون أنه ملائم لهم، ضمن قيود قانون الطبيعة، دون أن يستأذنوا إنسانا أو يعتمدوا على إرادته، وهي أيضا حالة المساواة حيث السلطة والتشريع متقابلان لا يأخذ الواحد أكثر من الآخر، إذ ليس هناك حقيقة أكثر بداهة من أن المخلوقات المنتمية إلى النوع والرتبة نفسها، المتمتعة كلها بالمنافع نفسها التي تمنحها الطبيعة وباستخدام الملكات نفسها، يجب أيضا أن يتساوى بعضهم مع بعضهم الآخر”.

“حالة الطبيعة” إذن هي حالة الحرية والمساواة التي يكون عليها الناس قبل أن تقوم فيهم سلطة تحد من حقهم في ممارستهما -أعني الحرية والمساواة- غير “قانون الطبيعة” نفسه، القانون الذي يرمي إلى “حفظ الجنس البشري وضمان سلامته والذي يؤول أمر تنفيذه إلى كل إنسان”.

ولم تكن فرضية “حالة الطبيعة” مجرد فكرة تعتمد على الوهم والخيال بل كانت تستند على التصور الجديد الذي شيده العلم الحديث عن “الطبيعة”، كما رأينا. وهكذا فالمقصود بـ”الطبيعة” في عبارة “حالة الطبيعة” ليس الأشياء الجامدة المنفصلة عن الإنسان، بل المقصود، كما قلنا هو: “كامل النظام الفعلي للأشياء بما في ذلك الإنسان الذي هو جزء منه”، الإنسان الذي هو من عمل الطبيعة: موجود فيها وخاضع لقوانينها”.

والناس في هذا سواسية وأحرار، بعضهم إزاء بعضا، لأن حق الإنسان في الحرية والمساواة هو حق طبيعي له، من عمل الطبيعة. ومن هنا تلك المطابقة بين مفهوم “حقوق الإنسان” وعبارة “الحقوق الطبيعية”: حقوق الإنسان هي حقوق طبيعية له. وواضح أن الإحالة إلى “الطبيعة” هنا معناها تأسيس تلك الحقوق على مرجعية سابقة على كل مرجعية: فالطبيعة سابقة على كل ثقافة وحضارة، على كل مجتمع ودولة، وبالتالي ، فهي مرجعية كلية مطلقة، والحقوق التي نتأسس عليها هي حقوق كلية مطلقة كذلك.

على أن “حالة الطبيعة” لا تعني الفوضى، بل هي حالة يسري فيها، كما قلنا، قانون الطبيعة. ولما كان من المحتمل جدا أن تقوم نزاعات بين الناس عند ممارسة كل منهم حقه الطبيعي، فلقد صار من الطبيعي كذلك أن يعملوا على تأويل وتطبيق “قانون الطبيعة” بالصورة التي تضمن حقوق كل فرد، وهذا لا يتأتى إلا بـ “إقامة ضرب من الاتحاد بينهم يحمي شخص كل واحد منهم ويمكنه من ممارسة حقوقه ويسمح لكل منهم، وهو متحد مع الكل، بأن لا يخضع إلا لنفسه، وبالتالي يبقى متمتعا بالحرية الني كانت له من قبل”. ومن هنا فرضية “العقد الاجتماعي” التي تفسر كيفية الانتقال من “حالة الطبيعة” إلى “حالة المدنية”.

أجل، إذا كان جون لوك قد اهتم بتقرير “حالة الطبيعة” أكثر من غيره ، فإن جان جاك روسو (1712–1778).كان أكثر فلاسفة القرن الثامن عشر تقريرا لفرضية “العقد الاجتماعي”، وهي الفرضية التي تقرر كيفية الانتقال من “حالة الطبيعة” إلى “حالة المدنية” مع ممارسة الإنسان لحقوقه الطبيعية. وملخص هذه الفرضية أن الإنسان بطبعه لا يستطيع أن يعيش بمفرده، بل لا بد من اجتماعه مع غيره من بني جنسه. ولما كانت إراداتهم تختلف وتتضارب، فإن اجتماعهم لا يستقيم له حال إلا إذا كان مبنيا على “تعاقد” فيما بينهم يتنازل بموجبه كل واحد منهم عن حقوقه كافة للجماعة التي ينتمي إليها، والتي تجسمها الدولة كشخص اعتباري ينوب عن الناس في تنظيم ممارستهم لحقوقهم، وبذلك تتحول تلك الحقوق الطبيعية، إلى “حقوق مدنية”، وتبقى الحرية والمساواة هما جوهر هذه الحقوق.

وهكذا فتنازل الناس عن حقوقهم للإرادة الجماعية، التي تجسمها الدولة، بموجب هذا العقد الاجتماعي، هو تنازل شكلي، الغاية منه إقرار الحق في الحرية والمساواة على أساس اجتماعي، ولا شيء غير هذا يسوغ قيام الدولة. أما القوانين التي تضعها هذه الأخيرة فهي إنما تكتسي شرعيتها من كونها تعبر عن الإرادة العامة للناس، وهي الإرادة التي تلتمس المصلحة المشتركة وتسعى إلى الخير العام . وهكذا تجد “حقوق الإنسان الطبيعية” مجال تحققها من خلال تحولها إلى “حقوق مدنية” تؤسسها مرجعية عامة كلية مطلقة هي الإرادة العامة التي تعلو على جميع الإرادات في الوقت الذي تعبر عنها جميعا: الإرادة التي لا يحركها إلا المصلحة المشتركة والخير العام.

واضح أن هذا النوع من التأسيس لحقوق الإنسان الذي قام به فلاسفة أوروبا في العصر الحديث يتجاوز الخصوصيات الثقافية، إنه تأسيس يرجع بحقوق الإنسان إلى “البداية”، إلى ما “قبل” كل ثقافة وحضارة، إلى “حالة الطبيعة”، ومنها إلى “العقد الاجتماعي” المؤسس للاجتماع البشري، وبالتالي للثقافة والحضارة.

*

كان الهدف من هذه الهوامش بيان كيف أن فكرة حقوق الإنسان لم تترسخ في الذهنية الأوربية بدون مجهودات فكرية. لقد تطلب الأمر وقتا، وتطلب فرضيات كانت تبدو علمية في وقتها. إن انتصار الجديد على القديم لا يتم عبر مجرد الكلام أو مجرد الدعوى والإدعاء. إنه لابد من مجهود فكري حقيقي يقوم به مثقفون مؤمنون بالقضايا التي يدافعون عنها. وأيضا يتحملون التضحيات الضرورية في سبيلها. وجل المفكرين الأوربيين الذين ذكرنا في هذه الهوامش -وهناك آخرون كثيرون مثلهم- خاضوا معارك للصدع بقناعاتهم وآراءهم فتحملوا النفي والاعتقال والتهميش الخ، بسبب أفكارهم تلك، هذه الأفكار التي ننقلها عنهم نحن اليوم مجانا ونروج لها بالمجان.

ربما كان هذا سببا في بقائها عندنا على السطح.

3- العدوان … أساس حقوق الإنسان !

العدوان … أساس حقوق الإنسان ! عبارة تنطوي على قدر من الاستفزاز: كيف يكون العدوان أساسا لحقوق الإنسان وهي الحقوق التي تقف على طرفي نقيض من كل عدوان؟

الحق أن هذا العنوان لم ينبثق في ذهني من تلقاء نفسه، بل جاءت جوابا عن سؤال من المشروع تماما أن نطرحه هنا. ولا شك أن مشروعية هذا السؤال تزداد وتتعزز في ذهن القارئ الذي عمل بما اقترحناه عليه في الحلقة السابقة من هذه الهوامش فكلف نفسه عناء مراجعة ما سبق أن كتبناه في موضوع “التأصيل الثقافي لحقوق الإنسان في الوعي العربي المعاصر” وأيضا “من أجل تنمية الوعي بحقوق الإنسان في الإسلام” (القسمان الثالث والرابع من كتابنا “الديموقراطية وحقوق الإنسان“. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. 1994).

لقد أكدنا فيما كتبناه هناك أنه من الممكن بناء “حقوق الإنسان”، كما هي في الفكر الغربي المعاصر، على مرجعية إسلامية، وذلك بإقامة نوع من التناظر بين أصولها النظرية في هذا الفكر وبين أصول مماثلة توجد في المرجعية الإسلامية. وهكذا أقمنا نوعا من التناظر بين مفهومي “حالة الطبيعة” و”العقد الاجتماعي”، الذين أسس عليهما فلاسفة أوربا مفهوم حقوق الإنسان كما رأينا في “الهوامش” السابقة، وبين مفهومي “الفطرة” و”الميثاق” كما وردا في المرجعية الإسلامية، وفي القرآن بكيفية خاصة.

في هذا السياق يمكن أن يسأل سائل: “لماذا أدت فكرة “حالة الطبيعة” وفكرة “العقد الاجتماعي” إلى تبلور مفهوم حقوق الإنسان في الفكر الأوربي ولم تؤد فكرتا “الفطرة” و”الميثاق” في الثقافة العربة الإسلامية” إلى تبلو هذا المفهوم، لا في القرون الوسطى ولا في ما نسميه “عصر النهضة”؟

والحق أني أكره مثل هذه الأسئلة التي تطلب “سبب ما لم يحدث”، لأنها أسئلة غير علمية؛ إذ السؤال العلمي يطلب سبب ما حدث، ويكون ذلك في الغالب بالبحث في الشيء الحادث: في عناصر الذاتية وعلاقات بعضها ببعض من جهة، وعلاقتها بالمحيط ودوره من جهة ثانية. أما “ما لم يحدث” فهو لا يمتلك “عناصر ذاتية” ولا يمكن بالمرة تحديد أي نوع من العلاقة بينه وبين المحيط.

ومع ذلك كله وجدتني هذه المرة منساقا مع هذا السؤال. والذي شجعني على المضي في التفكير فيه –ربما- أمران اثنان: أولهما أن السؤال المطروح يمكن تحويله من صيغة طلب “سبب ما لم يحدث” إلى صيغة أخرى مشروعة ومبررة من الناحية المنهجية: فبما أن الأمر يتعلق بعالم الأفكار، وبتسلسلها وتراتبها المنطقي، فمن الممكن صياغة السؤال السابق كما يلي:

لماذا لا تؤدي مقدمات معينة إلى النتائج نفسها التي تؤدي إليها مقدمات مماثلة لها؟

للجواب عن هذا السؤال يمكن أن ننطلق من ملاحظة أن فكرة “حالة الطبيعة” وفكرة “العقد الاجتماعي” هما معا مجرد فرضيتين ذهنيتين، والذين أدلوا بهما توخوا منهما النتائج التي يمكن ترتيبها عليهما. وهكذا وصل فلاسفة أوربا في القرن الثامن عشر إلى مفهوم حقوق الإنسان انطلاقا مما فسروا به الانتقال من “حالة الطبيعة” إلى “حالة المدنية”، أعني فكرة العقد الاجتماعي.

أما فكرة “الفطرة” وفكرة “الميثاق” فلم تكونا مجرد فرضيتين بل لقد تم تقريرهما كحقيقتين، طرحتا لذاتهما وليس كمقدمات من أجل نتائج ما، ولذلك فلم يتوصل أحد بهما، لا قديما ولا حديثا، إلى مفهوم حقوق الإنسان بمعناه المعاصر. صحيح أن الإسلام أقر حقوقا للرجل والمرأة والولد والوالد والعبد والفقير والمظلوم وابن السبيل والجار والأسرى الخ الخ، ولكن هذه الحقوق التي قد تتسع لتشمل كافة الحقوق المندرجة تحت مفهوم “حقوق الإنسان”، بالمعنى المعاصر، قد أخذت على أنها تشريع إلهي وبالتالي لم تكن هناك حاجة إلى تأسيسها تأسيسا نظريا، لا على فكرة “حالة الفطرة” ولا على فكرة “الميثاق”. والفقهاء الذين تعرضوا بصورة أو بأخرى للتأسيس النظري لبعض هذه الحقوق فعلوا ذلك في الغالب انطلاقا من فكرة شاعت في الثقافة العربية الإسلامية شيوعا كبيرا، عند الفلاسفة كما عند الفقهاء والمتكلمين، فكرة أن أصل الاجتماع البشري وأصل الدولة هو حاجة الناس بعضهم إلى بعض. فالواحد من بني البشر لا يستطيع بمفرده الوفاء بجميع حاجياته: فلا بد من فلاح وحداد ونساج وخياط الخ، ولابد من جنود وحماة وحفظة الخ، ولابد من رئيس على الكل حتى يستقيم أمر الاجتماع ويكون وازعا لهم بالسلطان الذي يكون له عليهم والذي لامناص من الخضوع له إذا هم أرادوا لأمورهم أن تنتظم وأن لا تكون فوضى… وقليلة هي الأفكار التي حصل عليها إجماع في الثقافة العربية مماثل للإجماع الذي حصل حول هذه الفكرة. والجميع يعرف أنها فكرة يونانية الأصل. نجدها عند أفلاطون وعند أرسطو.

الفكرة أصلها يوناني. وإذن فالسؤال الذي طرحناه قبل بخوص عدم تبلور مفهوم “حقوق الإنسان” في الثقافة العربية الإسلامية ينسحب أيضا على الثقافة اليونانية، ما دامت الفكرة التي تؤسس الاجتماع والسلطة الحافظة له هي هي في الثقافتين العربية الإسلامية واليونانية؟

لماذا لم تؤد هذه الفكرة إلى طرح مسألة “حقوق الإنسان”؟

السبب هو أن “أصل الاجتماع” و”أصل السلطة” في الفكر اليوناني، كما في الفكر العربي الإسلامي، تحكمه فكرة التعاون والتضامن، الفكرة التي عبر عنها أرسطو بقوله: “الإنسان مدني بالطبع”، وأيضا: “الإنسان حيوان سياسي”. ومعنى ذلك أن الناس من طبعهم أن يجتمعوا وأن يتعاونوا وأن يقوموا بنوع من تقسيم العمل فيما بينهم حتى يستطيعوا الوفاء بحاجاتهم، كما بينا.

التعاون والتضامن هما طبع في البشر، فبدونهما لا يستقيم حال الدنيا. وفكرة “الطبع” هذه فكرة خطيرة جدا. ذلك أن “ما هو بالطبع”، أعني ما يعتقد الناس أنه كذلك، يأخذونه في الغالب كـ “واقع لا يرتفع”، بل ولا يرغبون في رفعه وتغييره. إن هذا يعني أنه لابد من الحفاظ على هذا النوع من “تقسيم العمل” وبالتالي لابد للحفاظ لكل على منزلته الخاصة: فالفلاح يجب أن يبقى هو وبنوه في الفلاحة، والصناع يجب أن يبقوا صناعا، والعبيد عبيدا، والجند جندا، والرؤساء رؤساء. لا تغيير في المنازل والمراتب، لأن أي تغيير سيكون بالضرورة ضد “الطبع” وبالتالي لفائدة بعضهم على حساب بعضهم الآخر، وهذا ظلم. ومن هنا ذلك التعريف لـ”العدل”، التعريف الشائع منذ أفلاطون على الأقل، والقائل: “العدل هو إنزال الناس منازلهم”. وبما أن المنازل متفاوتة بـ “الطبع” وغير متساوية –وإلا لما كانت منازل- فإن ما يحكم وضعية الفرد هو “الواجب” وليس “الحق”. واجب على كل إنسان أن يعمل في مكانه، في إطار منزلته لا يتعداها، وواجب عليه أن لا يخرق نظام المجتمع الذي يجب أن يحاكي نظام الكون ليس فقط في اتساقه وترتيبه بل أيضا في ثباته وعدم تغيره، (وهذا في الحقيقة هو ما يؤسس عندهم فكرة “الطبع”).

واضح أن فكرة “الحق” وبالتدقيق “حقوق الإنسان” غائبة هنا غيابا تاما. إنها ليست من المفكر فيه وحسب بل أيضا ليست من القابل للتفكير فيه. “الحاضر” والمفكر فيه باستمرار في هذا النمط من الرؤية هو “المنزلة”، والمنزلة يرثها المرء وليس له أن يتعدها ولا أن يخترق حدودها، بل عليه أن يجتهد في أداء الوظيفة التي تمليها عليه. الناس كـالكواكب والنجوم، “كل في فلك يسبحون”، وذلك هو العدل، لأن ذلك هو النظام. والعدل والنظام في الفكر اليونان بمعنى واحد.

في هذا الإطار تجد العبودية تبريرها في كون العبد كالآلة، بل هو آلة. وتجد الطبقية تبريرها في كون المجتمع أشبه بالجسد كل يخدم ما فوقه ويخدمه ما تحته إلى أن نصل إلى القمة، إلى الرأس، حيث الرؤساء الذين يخدمهم مَن تحتهم، وهو لا يخدمون أحدا لأنه ليس فوقهم أحد. وبما أن أشرف شيء في الرأس هو الدماغ، وبالتالي العقل والتفكير والحكمة، فالرؤساء يجب أن يكونوا فلاسفة. وبالعكس منهم العبيد ومن في معناهم، فهم يخدمون من هم فوقهم من الناس وليس هناك تحتهم أحد يخدمهم. إنهم كالأرجل ليس بينهم وبين الأرض، وبالتالي الجمادات والحيوانات والنباتات، فاصل. هم أدوات مثلها.

لم يكن من الممكن للفكر الإنساني التوصل إلى مفهوم “حقوق الإنسان”، من هذا المنطلق فكان لابد من تشييد منطلق آخر. وهذا المنطلق هو مفهوم “حالة الطبيعة” الذي شرحناه قبل.

ماذا تعني “حال الطبيعة” من المنظور الذي نتحدث في إطاره؟

إنها تعني أن الناس كانوا قبل قيام المجتمع أحرارا متساويين، لهم حقوق متساوية، وأولها حسب الفيلسوف الإنجليزي هوبز “حق المحافظة على البقاء”، والحق في استعمال كافة الوسائل التي تمكن من ذلك. وبعبارة أخرى لم يكن هناك شيء خاص بإنسان معين بل كل شيء من حقكل الناس. والنتيجة هي أن أي إنسان يحاول التمتع بهذا الحق لا بد أن يصطدم بحق الآخر في التمتع بنفس الحق. ومن هنا كان الناس حسب عبارة هوبز في حالة: “الكل في حرب مع الكل”. وواضح أنه في مثل هذه الحال لا مجال لا للتعاون ولا للتضامن، بل القانون السائد هو قانون الغاب، “الإنسان ذئب للإنسان”. كما يقول هوبز. العلاقة بين الناس هي علاقة عدوان دائم.

العدوان على ماذا؟

العدوان على “حق” الغير أو ما يعتبره أنه حق له. من هنا تبرز فكرة “الحق” كواقعة أساسية وأولى في الحياة البشرية. فكرة “الحق” لا معنى لها إذا لم يكن هناك عدوان. العدوان هو الذي يجعل المعتدى عليه يطالب بحقه ويدافع عنه، فإذا لم يكن هناك عدوان من أحد على أحد فلا حاجة لفكرة “الحق”. الحق إذا لم يهضم يبقى غائبا في عالم النسيان، يكون عدما. وإذن: فإذا فرضنا أن حالة الطبيعة هي حالة عدوان الكل على الكل فإن النتيجة ستكون أنها حالة الحقوق للكل، بدون استثناء، لأنه ليس هناك مستثنى من العدوان. إن هوبز ينتقد أرسطو ويرى أن فكرته القائلة “الإنسان مدني بالطبع” فكرة خاطئة. فالواقع يعطينا كل يوم ألف دليل على أن “الإنسان ذئب للإنسان”، هو حيوان ذئب، وليس “حيوانا مدنيا ” ولا “سياسيا”.

ما العمل لتلافي الصراع ومضاره وأخطاره؟ ليس هناك من سبيل غير التعاقد بين الناس. إن العقل يدل على الحل الواقعي. والحل الواقعي في هذا المجال هو أن يتنازل كل إنسان عن بعض حقوقه –أو عن حقوقه كلها حسب بعض الفلاسفة- للجماعة التي تقوم هي نيابة عنه بضمانها له. إنه العقد الاجتماعي الذي هو وراء قيام المجتمعات البشرية وبالتالي الدولة.

*

العدوان الذي هو من طبيعة الإنسان هو الأصل في “حقوق الإنسان” وهو الأصل في قيام الدولة. ليس هناك من سبيل لتجنب “حالة حرب الكل ضد الكل” التي تقتضيها الطبيعة البشرية –أي “حالة الطبيعة”- إلا سبيل واحدة: الاعتراف بحقوق الإنسان والتعاقد من أجل قيام سلطة باسم المجوع مهمتها رعاية حقوق الإنسان هذه.

ذلك هو الطريق الذي سلكه فلاسفة أوربا في عملية التأسيس النظري لحقوق الإنسان. ولعل القارئ يفهم الآن مغزى قول بعضهم: “الإنسان ذئب للإنسان”. إن فكرة “الحق” تطلبت عندهم وضع فكرة “الذئب”.

بالفعل يجب الانتباه إلى أن هناك في دارنا ذئبا، بل ذئابا!

4- حقوق الإنسان : ثقافة أم إيديولوجيا؟

المفاهيم لها تاريخ، ومنها مفهوما: “إيديولوجيا” و”ثقافة”. فما الفرق إذن بين قولنا “إيديولوجيا حقوق الإنسان” وقولنا “ثقافة حقوق الإنسان”؟

الفرق في نظرنا، وفي السياق الذي نتحرك فيه، كما يلي:

عندما عرضنا لتاريخ تطور مفهوم “حقوق الإنسان”، في الفقرات السابقة- كنا بصدد عرض نظريات وفرضيات تختلف من مفكر لآخر وفي الغالب من عصر لآخر. كان هناك مفهومان كان يتحدد بهما، صراحة أو ضمنا، مفهوم “حقوق الإنسان”. هذان المفهومان هما: مفهوم “الطبع” كما هو في عبارة أرسطو “الإنسان مدني بالطبع”، ومفهوم “حال الطبيعة” (أو حال الفطرة) عند فلاسفة أوربا في العصر الحديث. يمكن القول إن غرض أرسطو كان “علميا” بحتا، فهو قد لاحظ أن الفرد البشري يبدأ حياته في حضن أمه وأبيه، وأنه بطبعه ينشأ ويعيش في مجتمع يتعاون أفراده على الحصول على حاجاتهم الضرورية ولا يستطيع الواحد منهم العيش بمفرده، ومن هنا قوله: “الإنسان اجتماعي بطبعه”. والمجتمع يبدأ بالأسرة، ثم يتطور إلى القبيلة ثم إلى المدينة/ الدولة، وبالتالي فالإنسان بطبعه يحيا حياة مدينية، حياة المدينة/الدولة، ومن هنا قوله أيضا : “الإنسان حيوان سياسي”.

لا أستطيع أن أتهم أرسطو بكونه كان يريد من وراء نظريته في أصل الاجتماع والدولة، غير تقرير ما كان يبدو له أنه الحقيقة العلمية التي تعطيها الملاحظة والتأمل. قد تكون نظريته تلك تخدم واقعا معينا، ولكنه لم يكن يفعل ذلك عن قصد ولا عن وعي. وإذا صح وصف وعيه هنا بأنه وعي منحاز فإن الأمر لا يتعلق بانحياز تقرره الإرادة بل هو من النوع الذي تكرسه الألفة والعرف.

يتجلى هذا واضحا بالمقارنة مع وعي أصحاب نظرية “حالة الطبيعة” في القرنين السابع عشر والثامن عشر. فالذين قالوا بهذه النظرية كانوا يعرفون أنهم يتحدثون عن حالة افتراضية، والذين منهم حاولوا إثبات وقوعها اجتماعيا وتاريخيا لم يكونوا بصدد تقرير واقع كما يتبدى لوعيهم –كما كان الحال عند أرسطو- بل كانوا يعرفون أنهم يبحثون عن سند اجتماعي تاريخي لِـَما افترضوا أنه أصل الاجتماع والدولة، بل لما ينبغي أن يكون أصلهما! بعبارة أخرى إن ما كان يهمهم في الدرجة الأولى هو الوظيفة التي يريدون لهذه الفرضية أن تؤديها: وظيفة تفسير منشأ الدولة والسلطة تفسيرا يقرر صراحة أو ضمنا أن السلطة التي تمارسها الدولة ومن يتصرف باسمها هي سلطة الشعب، وأن الحاكم إنما يستقي الشرعية لحكمه من رضى الناس.

لم تكن فرضية “حالة الطبيعة” مطلوبة لذاتها بل من أجل الوظيفة التي تؤديها وهي الوصول إلى فرضية “العقد الاجتماعي”، التي لم تكن هي الأخرى مقصودة لذاتها بل من أجل ربط شرعية الحكم برضى الناس واختيارهم. وواضح أن هذه الوظيفة التي يراد لفرضيتي “حالة الطبيعة” و”العقد الاجتماعي” أن تقوما بها هي وظيفة لها علاقة مباشرة بالصراع الاجتماعي الذي تحركه المصالح المتناقضة، الشيء الذي يعني أنه كان هناك خصم تواجهه هاتان الفرضيتان، هو النظريات التي تربط شرعية الحكم بغير نظرية الاختيار والتراضي والتعاقد؛ وكانت زمن ظهور هذه الأخيرة قسمان : قسم يربطها بفكرة “الطبع” عند أرسطو، أعني بالأسرة/القبيلة، وقسم يربطها بما عرف في أوروبا بـ “الحق الإلهي للملوك”.

عندما يكون الأمر على هذه الشاكلة، نكون أمام ما ندعوه “الإيديولوجيا”. فالمهم هنا ليس معرفة كيف تم سير الأمور واقعيا كما هو شأن العلم، بل المهم هو الكيفية التي يجب أن تسير عليه الأمور سياسيا واجتماعيا. ذلك باختصار –مع ما يكتنف الاختصار من تجاوزات- هو الفرق بين العلم والإيديولوجيا.

أين يقع مفهوم “الثقافة”، في عبارة “ثقافة حقوق الإنسان”، مثلا، هل داخل الإيديولوجيا أم خارجها ؟

أعترف أنني لا أستطيع أن أناقش هذه المسألة في المجال الذي بقي من حجم هذا المقال، إن كان قد بقي ثمة مجال. علي أن أدلي بتحديد مؤقت أستند فيه إلى ما يبدو أنه هو ما نريد تقريره من وراء مثل هذه العبارة، فأقول: يخيل إلي أننا نقصد بعبارة “ثقافة حقوق الإنسان” –أو ثقافة “العقد الاجتماعي”، أو”ثقافة التسامح” الخ- شيئا يمكن التعبير عنه هكذا: تأسيس مفهوم “حقوق اّلإنسان” في الوعي وتطبيق مضمونه في السلوك.

تحديد قد يبدو واضحا بسيطا وأنه من الممكن أن نتعاقد عليه. ليكن ! ولكن يجب أن لا ننسى أن وراء الشجرة أكمة، وأن “وراء الأكمة ما وراءها”! إن التحديد الذي اقترحناه يعبر عما نريد، ولكن “هل كل ما يريد المرء يدركه” ؟ يكفي أن نشكك في إمكانية إدراك هذا الذي نريد حتى ينهار ذلك التحديد. سؤال واحد قد يقلق راحتنا، نصوغه كما يلي: لقد عاش الغرب مسألة حقوق الإنسان كإيديولوجيا، أي في إطار صراع فكري واجتماعي وديني وسياسي، فكانت النتيجة أن ترسخت “حقوق الإنسان” في فكره ووعيه وسلوكه، على الأقل إزاء بني جلدته، فهل يمكن، لنا أو لغيرنا، الحصول على النتيجة نفسها بمجرد استعادة تلك الإيديولوجيا، لا بوصفها صراعا متعدد الأبعاد، بل فقط بوصفها “ثقافة”؟ بوصفها “معرفة” ؟

كان سقراط يقرر أن الفضيلة معرفة: يعني أن من يعرف الخير لا بد أن يفعله!

هل كان ساذجا؟ هل كان مخطئا؟

ماذا يفيد الجواب عن مثل هذه الأسئلة وقد رأينا كيف تأسس مفهوم “حقوق الإنسان” على فكرة أن “الإنسان ذئب للإنسان”!

لنكتف بالقول إذن: كان سقراط حسن النية بالإنسان، فلنقتد به، ولننشر ثقافة حقوق الإنسان ليس من أجل إقناع الناس باحترام هذه الحقوق وحسب بل أيضا، وهذا أهم، من أجل توعية أصحاب الحقوق الضائعة ليطالبوا بحقوقهم. وبالمطالبة المستمرة المتواصلة سيحصلون عليها. وحقا: “ما ضاع حق وراءه طالب”.