التقيت به أول مرة، عندما قرر زيارتنا في الجريدة سنة 2004. وقتها كنا قد نشرنا مقاطع واسعة من كتابه المثير “بيان من أجل إسلام للأنوار” أو” 27 اقتراحا لإصلاح الإسلام”.، وكان في حاجة إليها معربة، وكنا في حاجة إلى موافقته، رحمه لله، على الترجمة شبه الحرفية، وكان الاتفاق..
لم يطل البقاء في الجريدة، فقد كان على عجل من أمره، لموعد سابق بعين الذياب بالدار البيضاء..

أذكر أن العنوان، كان محط نقاش بيننا، كمحررين وكإدارة، وهناك من رأى أن العنوان قد يكون مثار سجال في لحظة كانت تبني توازنها على التخوفات من بعد ضربات 16 ماي 2003…وقتها تنبأت في تقديم الترجمة أن كتاب مالك شبل سيثير ويصدم ويحث على السجال، كما أنه يخلخل الكثير من القناعات ويذهب بعيدا في تلمس السبيل الذي بإمكانه أن يطرح “خارطة طريق” لإصلاح شأننا الديني العام. ويمكن، لمن يبحث عن الاستفزاز في كل فكرة جديدة، أن يلخص ما قام به أحد المفكرين والباحثين المثابرين في الوقت الراهن مجرد “تجذيف” يبحث عن الإثارة أو أنه ، في أحسن الأحوال، خطاب موجه إلى أقلية من النخبة العربية الإسلامية . لكن مالك شبل يختار، منذ بداية تقديمه لمجهوده، أن يضع ما يعتبره معابر ضرورية لإصلاح حالتنا في سياق المفكرين المتنورين. لهذا فهو يلح منذ البداية على أنه “لا يمكن أن نصلح، إصلاحا عميقا، إلا الأشياء التي نحبها بعمق وقوة إحساس· وهو ما ينطبق على حالتي· وإذا كنت أدلي بهذا الاعتراف في بداية الكتاب، فذلك لكي أذكر من يهمه ذلك بأن الهدم والثأر لا يمثلان بالنسبة لي غاية، سواء كانت معلنة أو مستترة· بل العكس هو الصحيح، إذ أقتسم مع محمد اقبال، المصلح الأفغاني الذي عاش في بداية القرن فكرة “إعادة بناء” الإسلام. وأشاطر مالك بن نبي إرادته في إدخال المزيد من الانسجام في التفكير حول الإسلام.وأشاطر العديد من علماء اللاهوت، من ينتمي منهم إلى السنة ومن ينتمي منهم إلى الشيعة، كل حسب مجال اهتمامه الخاص، فكرة مصالحة الإسلام مع عصره. وهناك العديد من المفكرين الذين ينتسبون إلى حقل العقلانية الواسع منهم محمد الطالبي في تونس ومحمد أركون في فرنسا وبشارة خضير في بلجيكا ومحمد سعيد العشماوي وناصر أبو زيد في مصر ومحمد عابد الجابري في المغرب، الطامحين إلى إخراج النقاش من المرحلة النبوية والتبشيرية التي يحشر فيها غالبا ، من أجل إدراجه في مرحلته التاريخية”· ومن المحقق أن اختيارنا كان نابعا من اقتسام هذه القناعة التي “لا تصلح بعمق إلا ما تحبه بعمق”، ونعتبر أن الجرأة هنا تجد ما يبررها في هذا التعلق بالقيم السمحة والدائمة لكيان إسلامي يتماشى مع قيم العصر التحررية والتنويرية · و مالك شبل الباحث في العلوم الإنسانية والأنثروبولوجي الجزائري ألف أزيد من 18 كتابا باللغة الفرنسية أبرزها الرعية في الإسلام الصادر عن دار سوي، والتحليل النفسي لحكايات ألف ليلة وليلة عن دار بايو، ومحمد·· رسول لله عن دار كاسترمان، وقاموس الرموز الإسلامية عن دار البان ميشيل، ومقدمة للقرآن الكريم عن دار بايو، إضافة إلى الكتب الأخرى المتعلقة بالقاموس العاشق للإسلام، وعن الحب في ديانة النبي الحبيب… هنا أحد نصوص كتابه الأولى كما ترجمها العبد الضعيف لربه..
حرية الاعتقاد وحرية التفكير كفضيلتين إسلاميتين

من البدهي أن يكون البند الأخلاقي هو الأصعب من جهة تصوره، باعتبار أن الإسلام هو نظام معتقدات وممارسات في نفس الآن، دين ودولة، عالم مدنس وعالم روحي، دولة سياسية ودين للسمو والتعالي، مدونة سلوك قابلة للتطبيق على مستوى أوسع ودليل أخلاقي. ومعنى ذلك أن لا شيء في سلوك المؤمن يمكن أن يفلت من هذه الشبكة الكثيفة من الشبكات الحية والمنسوجة الواحدة تلو الأخرى طوال حياة الطفولة ، كضمانة لسلامة تصمد أمام كل الاختبارات، ومراقبة مشددة على المؤمنين في نفس الآن· فماهي طبيعة حرية الاعتقاد المطلوبة هنا؟ علما بأن هذه الحرية تعني أيضا أن مجال الإيمان ليس غريبا عنها. وفي الواقع ،أعني بحرية الاعتقاد أن يتم قبول الشاب المسلم بخصوصياته وأن لا يواجه بأي نبذ واستبعاد مرتبط بدرجة إيمانه. والمشكلة تكتسي أهمية جوهرية، إلى درجة أن أغلب الحركات الفلسفية في الماضي، مثل المعتزلة أو إخوان الصفا، وكبار الفلاسفة الأوائل من أمثال ابن رشد واجهوا صعوبات جمة في استماع السلطات الدينية القائمة آنذاك لهم. لأن هاته السلطات لا ترى حرية خارج العقيدة نفسها، وهو ما يعني أنه لا وجود للحرية بتاتا، باستثناء حرية اتباع الطريق المرسوم منذ زمان، في قلب هذا النظام الإكراهي، لا بد من التذكير بما يمثله غياب استقلال الفرد من إفراغ رهيب من الذات، فقد نجح الإسلام، بفضل العديد من الآليات، في صهر مجمل المجتمع في قالب واحد ، بحيث لا يوجد أسود ولا أبيض، لا غني ولا فقير، غير أن عمل التنميط أدى إلى انتفاء الاختلافات إلى درجة أن المؤمن الضعيف يصبح شبيها لأي مؤمن آخر، والمتسائل الفلسفي سرعان ما يصبح عدوا صريحا للإسلام ومعارضا عنيفا ومناهضا للدين·غياب المرونة في تقدير مسار كل واحد قتل الاختلاف الديني إلى درجة أن كل المفكرين الأحرار سرعان ما يصبحون مجرد كفرة وزنادقة! ويظهر ذلك بجلاء خلال شهر الصيام ما دام العديد ممن لا يصومون يختبئون لذلك، كم عددهم يا ترى؟ لا أحد بإمكانه أن يقول ذلك بدقة، لكن ما هو مؤكد هو أن نظاما مثل هذا يدفع الأفراد إلى الازدواجية والكذب لا يمكنه أن يعطينا إسلاما قويا وأكثر قدرة على فرض احترامه، وما دامت حرية الاعتقاد هي أولا حرية، لابد ألا يبقى الإسلام مجرد فضاء تعبير عن المطالب، سواء تم تفهمها جيدا أو بشكل سيء، بل يجب أن يكون فضاء تتبلور فيه نزعة إنسانية جديدة، وبمعنى آخر، فالجمود والركود ليس بنصوح موثوق إضافة إلى أن حقل الاعتقاد جد شاسع، هذا عندما لا يكون حقلا مقنعا، إن جزئيا أو كليا· لم أدرج في هذا المقترح حرية التنقل، لكن من المفيد أن يتم الرفع من قيمتها في كل مكان، لكن ما نلاحظه اليوم هو الهوة السديمية الموجودة بين خطاب الوحدة الإسلامية – وقيمة الكلمات هنا تساوي مضمون ما يعطيها إياه المتحدثون – والواقع، فالشعوب في البلدان العربية الإسلامية، التي احتجزها الحاكمون كرهينة ، ينظر إليها كخطر، وكحاملين سليمين لفيروس- العنف الإرهابي مثلا- يمكن أن يلقحوا به الشعوب التي تستقبلهم. ويكفي النظر إلى الدورة الكافكاوية التي يكون على كل مواطن من بلد عربي أو أي مسلم أن يقوم بها من أجل الحصول على تأشيرة السفر إلى بلد عربي (مسلم) آخر لكي يفهم المرء أن قدرا قاتلا نزل بهذا الجزء من العالم، والطريقة التي تلجأ إليها الأنظمة العربية وغيرها من الأنظمة الإسلامية في حد ذاتها مظهر معبر عن الاحتقار أو الحذر الذي يحدو أغلب الفرق الحاكمة.

عمود كسر الخاطر

  الثلاثاء 15 نونبر 2016.