لكل امر ظاهر وباطن ومعلوم ومجهول …ولكل تفكر وعمل قصد عام وخاص.. ..ولكل مبادرة كيفما كان نوعها  خلفية ومرجعية معلنة وخفية …وقد تسير الامور على نقيض ما يقال ويقدم .. وكل جهة مستقبلة لجزئيات وكليات السياسات العمومية لها من وسائل الايضاح  الملائمة  لنواياها والمعللة لها ما يكفي من الدفوعات لتبني القبول او الرفض وتاسيس القرارات الملائمة لاية حالة ..

ومن هنا يمكن القول علميا انه لا احد يمتلك الحقيقة الكاملة كما لا احد يحتكر المعرفة بجميع فروعها واصولها ….لهذا فكما ان النظرية النسبية تعتمد في العديد من العلوم ..فكذلك امور الفهم والاجتهاد  والتدبير والتطبيق في الدين  والسياسة والحياة الاجتماعية نسبية …وكيفما كانت الاحوال فالعبرة  ترتكز على ان يعرف كل واحد  كيف  يقيم اموره ويقومها في علاقة بنفسه ومحيطه الخاص والمحيط  العام …فالايجابيات التي يتبناها ويفتخر بها الناس لاتتطلب ان يكون عليها اجماع المجتمع كله ..لانها قد تكون غير ذلك مع من تتقاطع  وتتضارب اوتتعارض مصالحهم  مع مصالح الاخرين  ..ومن هنا اهمية الوسطية والعدالة  والتوازنات والكفاءة …

قلكل واحد  طريقته في الاختيار والفهم والعمل التي قد  يراها  ويعتقد بانها الصحيحة .. ومن هنا  فالصحيح الوحيد  غير موجود …

لهذا لايتم الانتباه في زحمة وضجيج القـيل والقال والمزايدات ان العديد من المواقف والادوار يتناوب عليها المتناقضون والمتعارضون مع المتوافقين والموافقين ..فما هو ممنوع ومحرم ومكروه وغير مقبول يتحول الى مباح وموقف ثوري بعد ان كان رجعيا او انبطاحيا  او …وماهو مباح وايجابي يصبح بدعة وضلالة وخروجا عن الاجماع ..فحتى الاسلحة التي تستعمل في المعارك السياسية والاجتماعية والفكرية  يتناوب عليها الجميع كل بمنهجه واسلوبه وتعابيره …ليصبح البسطاء وحتى النخب امام  اشكالية ان المختلفين والمتعارضين  يدينون  اسلحة بعينها ويستعملونها في نفس الان …؟

والاخطر هو تحول  البعض من  هؤلاء  الى وحوش  ادمية في نظر المتتبعين والمتتبعات لتناطحهم الفكري والسياسي والمذهبي …بتعطيلهم لعقولهم  وبعدم احترامهم لمستويات وعي ادراك النخب والعامة …

 ان اغرب انواع الغباء/ الجهل  الذي يملا كل الفضاءات   افة النسيان التي قد تطال التاريخ والهوية المشتركة بين اهل الملة او المذهب او اليسار او اليمين او ما بينهما  اي بين الناس كافة .. والقصد هنا هو القيم الاخلاقية الانسانية  والعمل المشترك من اجل الصالح العام  بالتنافس الايجابي والنقد الناصح  المطور للمبادرات  …

فعندما ينسى الانسان حقائق او يتجاهلها او يزورها يفقد طريقه وهويته ويضيعهما ..وتتعارض عنده الاهداف الشخصية مع العامة .. وتتم الاساءات الى الغايات السامية والنبيلة  من الوجود  الانساني …

ان الاسئلة التي نطرحها لنؤسس بها لاجوبة من اجل   تحقيق التغيير المنشود  مرتبطة بشكل قوي  بدرجة فهمنا وتصورنا الموضوعي والواقعي  لعالمنا ومجتمعنا وانفسنا  ….قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)سورة الرعد

فالناس  يكونون كما يريدون بالتربية والثقافة التي يمتلكون ..كما تتحكم ايضا السياسات الرسمية والنخبوية  في احوالهم بتكريس جهلهم وتخلفهم او تقدمهم وازدهارهم ..ان اية  مجموعة بشرية منغلقة على نفسها ولاتتفاعل مع محيطها ومن هم احسن منها خبرة وتجربة تعتقد انها  الافضل والاحسن  سواء أتعلق الامر بالشعوب البدائية في ادغال افريقيا او الامازون او بغيرهم من الشعوب التي تظن انها في طور النمو او حتى المتقدمة …

فما الذي نسعى اليه ونبذل الجهد الكبير  ليصبح واقعا ملموسا ؟ .. هل بناء  العالم/ الوطن  ببناء الانسان ..او تقوية الانا الجشعة ..؟..وماذا يرجح عند تضارب المصالح العامة والشخصية ..؟  وكيف يفسر  منطق الربح  والخسارة ..؟

ان النقص في المعارف والغموض في الخطط والرؤى والتردد في اختيار  واتخاذ  القرارات المناسبة يوسع من مساحات المجهول عند اصحاب القرار والمتتبعين  ويقلص من حجم وقوة  المعلوم ..

ان المبادرات  المبنية  على افاق مجهولة بغض النظر عن مصدرها  …لايمكن ان تحقق اي تراكم ايجابي مستدام بقدر ما تعطل الاليات والارادات المترددة والتائهة بين الوصول بتضحية ونكران ذات ..وبين تحقيق مصالح شخصية او فئوية معينة ..

اننا جميعا في حاجة  الى اصلاح وتجديد وتحديث وتخليق انفسنا ..وفي حاجة الى استنهاض الهمم والتفرغ للمصالح العليا للشعب  مع الوفاء لخط وتضحيات من حرروا الاوطان والعقول ودافعوا  عن الحقوق والانسان …وضرورة تجنب تصنيف الادوار الى شياطين وملائكة في تعاملنا مع واقعنا الذي نتحمل جميعا مسؤوليات ترديه وتدهوره كل من موقعه  وبطريقته  وخاصة اهل الحل والعقد عند الدولة والجماعات المدنية …

ان تغيير الحكومات والحاكمين وحدهم لايكفي للاجابة العملية  على الانتظارات ان لم تتغير عقلياتهم وممارساتهم وطرق عملهم ..وكذلك الشان بالنسبة  للشعوب تحتاج الى تطور معارفها وامتلاكها  لسلطة اتخاذ  القرارات الواعية الملائمة  لكل مرحلة ..

ان تجاهل الدولة والقوى الحية لضرورة تحقق وعي عام بكل الياته بالمجتمع هو تعبير عن جهل او خوف من وعي الناس وتجاوزهم للنخب الحاكمة وللسياسيين  …

اننا يجب ان نؤمن بان ضمان الاستقرار والتطور لايكتملان الا بان يعم نور الحق والمعرفة والعدالة كل مفاصل وجزئيات وكليات الدولة والشعب  …

الخميس 17 نونبر 2016.