انطلقت جلسات الاستماع العلنية لضحايا الانتهاكات الجسيمة، التي طالت الشعب التونسي بهذا البلد المغاربي منذ استقلاله في خمسينيات القرن الماضي، واختارت « هيئة الحقيقة والكرامة « مكانا رمزيا لانعقاد هذه الجلسات، هو نادي زوجة الرئيس الهارب زين العابدين بنعلي، الذي كان مرتعا بل رمزا للفساد والاستبداد.

في شهادات الضحايا وأقاربهم، يتضح مدى القمع الذي عرفه عهدا النظامين السابقين،وفظاعة الممارسات التي كانت تنتهجها أجهزة البوليس، والانحياز المطلق للقضاء ضد الحق والعدالة … ومبلغ الاستهتار بكرامة وحرية الناس على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية ومشاربهم الايديولوجية وفئاتهم العمرية . بل إنه ،حتى بالرغم من قيام ثورة الياسمين في يناير 2011 ، استمرت بقايا نظام زين العابدين بنعلي نشيطة في أجهزة الأمن والقضاء و….

تونس جزء من المغرب الكبير، وفي سياق الكشف عن جوانب من انتهاكات نصف قرن، اتضح أن سنوات الرصاص وحدت هذا المغرب . فكما عاش المغاربة حملات قمع وملاحقات واغتيالات وتعذيبا في هذه السنوات، كذلك ومثال في تونس ، وبالتأكيد فالجزائر ذاقت المعاناة نفسها إن لم نقل أقسى وأبشع وموريتانيا ،هي الأخرى، لا تقل في شيئ عن نظرائها المغاربيين . وحين تحط الحرب أوزارها بليبيا، وتفتح ملفات عهد القذافي وبعده، ستكون الصورة أكثر قتامة، إذ تفوح روائح الدم، لجثث خمجت وتعفنت في الأقبية والمعتقلات السرية والعلنية …

لقد أضاعت المنطقة المغاربية خمسين سنة على شعوبها، بسبب استبداد السلطة واعتمادها على أساليب القهر والقمع وإهانة الكرامة الإنسانية . وقد أكدت هيئة الإنصاف والمصالحة، التي أنشأها المغرب سنة 2004 هذه الحقيقة، بحيث تم تبذير زمن كان فيه حماس الشعب المغربي متوهجا، من أجل بناء صرح مجتمع جديد . وبدل أن تحظى التنمية وحقوق الإنسان بوصفهما وجهين لعملة واحدة، بالأولوية، تم تكريس جهود السلطات للجانب الأمني بشريا وماديا.. وفي الوقت الذي كانت فيه بلدانٌ أقلَّ إمكانيات منا، تصقل نموها، وتطور بنياتها،وتبني مستقبلها، كنا نحن نتوجس خيفة من الأحزاب والنقابات ومنظمات الشباب ومن مجالات وتوجهات فكرية ..

أهدرت المنطقة المغاربية زمنا بمعطياته المحلية والإقليمية والدولية،بينما عرفت دول أخرى كيفية استثماره واستغلاله إيجابيا . أما مغربنا الكبير، الذي وحّده النضال ضد الاستعمار، وتؤلِّف بين شعوبه قواسمُ مشتركة شتى، تجعل منه شعبا واحدا لا انفصام بين مكوناته، فإن هذا المغرب العربي، وبسبب غياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية،للأسف، ووضع بلدين في بؤرة اقتتال، والأرض المحروقة، ذهب ضحيته نصف مليون شخص على الأقل في الجزائر، التي عاشت عشريتها السوداء في نهاية القرن الماضي وليبيا ،التي تعيش اليوم، عقدها الدموي، بتدمير الأرض والإنسان .

إن أبلغ درس يمكن استخلاصه من هيئتيْ «الإنصاف والمصالحة» بالمغرب، و»الحقيقة والكرامة» بتونس، هو أن لا سبيل-مطلقا- للمستقبل، إلا من خلال المصالحة مع الماضي، وجبر ضرر الضحايا فرادى وجماعات ومجالات من جهة، واحترام إرادة المواطنات والمواطنين، بكل حرية ، حرية الرأي والتعبير . ومن متطلبات هذا الدرس الأولى تنفيذُ سائر التوصيات، التي يتم إقرارها، والعمل بإرادة صادقة أن لايتكرر الماضي في المستقبل .

رسالة الاتحاد

الثلاثاء 22 نونبر 2016.