2 – حقائق اتحادية عن المنهجية الديمقراطية اليوم وسياسة الأقطاب..

نال الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، شرف الدفاع عن المنهجية الديمقراطية وقد كان وحيدا ، ونقول وحيدا في ذلك وفي الوسط السياسي المغربي، عقب انتخابات 2002، الذي دافع عن هذه المنهجية بوضوح وشجاعة.

ثم نال من بعدُ، شرف «دسترة» هذه المنهجية، عبر المذكرة الإصلاحية التي رفعها إلى جلالة الملك في ماي 2009 – وقد وجد نفسه مرة أخرى الوحيد الذي اقتنع بضرورة الدخول في دورة إصلاحية جديدة – عندما طالب بالتنصيص عليها في دستور جديد، قبل الحراك المغربي بسنتين، وقبل أن تتبنى كل الطبقة السياسية وعموم الشعب المغربي مطلبه، في احترام المنهجية ودسترتها.

وإننا إذ نذكر بهذه الحقائق، التي لا يمكن أن يغفلها أي تناول موضوعي، فلكي نعلن أن الصرامة الأخلاقية التي تعامل بها الاتحاد، في دفاعه عن حكم الصناديق، والتعبيرات المؤسساتية عن الإرادة الشعبية.. لم يضاهها أي التزام أخلاقي بالسيادة الشعبية وبمنطوق الاقتراع.

ولكي نفحم في الوقت نفسه، من يريدون تقزيم الاتحاد وتقديمه وكأنه «الحاضنة» السياسية لما يسمى، دون توصيف دقيق، «الانقلاب » على المنهجية الديموقراطية …

فالحقيقة مثلها مثل الوقائع، ومثل المواقف، ما زالت حية في الأذهان، وفي الأدبيات السياسية لمغرب العهد الجديد، وفي المنابر التي رافقت النقاش الديمقراطي الخصب الذي دشنه الاتحاد..

وعليه، ليكن واضحا لدى الرأي العام، أن الدفاع عن سير المنهجية الديمقراطية، لا يكون بالتدليس على الحزب الذي دافع عنها، بل بالنقاش العمومي والشفاف حول سبل تكريسها في الحياة الوطنية، وتوسيع وعائها الدستوري، وتحصين ممارستها من طرف الجميع، ضمن التوازن المؤسساتي بين السلط والمؤسسات، كما جاء في نص الدستور الذي صوت عليه المغاربة وتوافقوا حوله جميعا، قيادة وقواعد..

ومن شروط التطوير اللازم للمنهجية الديمقراطية، تطوير أساليب البناء الديمقراطي، وطبيعة الحوار السياسي والارتقاء به إلى مستويات أرفع مما رأيناه إلى حد الآن… وهو ما ورد فعلا في بلاغ المكتب السياسي، بتاريخ 21 أكتوبر 2016، بعد اللقاء التشاوري، مع رئيس الحكومة المعين، حيث أكد على «الأولوية التي ينبغي أن تحظى بها البرامج والمواقف والمشاريع، بهدف تحصين الاختيار الديمقراطي، والتفعيل الأمثل للدستور، والاستجابة لمطالب الجماهير الشعبية». وهو ما سبق أن أكد عليه الكاتب الأول الأخ ادريس لشكر، في استجوابه مع جريدتيْ “الاتحاد الاشتراكي” و“ليبراسيون”، حيث قال إن «المشاورات، هي التي ستحدد ظروف، وشروط المشاركة في الحكومة، مؤكدا أن مايهمنا هو البرنامج الحكومي، وتحديد الأقطاب الأساسية بشأنه، وترتيب الأولويات، على أساس هيكلة جديدة للحكومة، تتوخى التقليص من عدد أعضائها، وكذلك الفعالية والنجاعة في عملها».

إن الفلسفة التي تنطلق منها هذه المبادئ ليست فلسفة تعجيزية، كما أنها لا تروم خلق جو مناهض للمشاركة، بقدر ما أن ديدنها هو التفعيل العملي، وإعطاء مدلول ملموس، لما نعنيه بالنجاعة الديمقراطية للعمل الحكومي.

إنها دعوة لتجاوز التقني إلى السياسي، وتحرير التشكيلة الحكومية من توازنات حسابية تلغي الدينامية السياسية كما نريدها لثاني تجربة تحت سقف دستور 2011..

وقد تصدرت هذه المواقف الثابتة التقرير التوجيهي باسم المكتب السياسي، والذي تقدم به الكاتب الأول أمام اللجنة الإدارية الوطنية ، وجاء فيه بالحرف «إن مشاركة الاتحاد الاشتراكي في أي تشكيلة حكومية، ستبقى دائما رهينة بشروط ،تتجاوز النقاش التقني المرتبط بعدد الحقائب الوزارية ونوعيتها، وتضع أسسا صلبة لأي عمل حكومي مستقبلي. فنحن نعتبر أن المشاورات حول تشكيلة الحكومة، ينبغي أن تتم ضمن سياق معين، تكون معالمه الرئيسية محددة مسبقا ومُتعاقدا بشأنها».

نخلص من كل ما سبق، إلى أن الموافقة المبدئية للاتحاد في المشاركة الحكومية قائمة، وأن ربطها بعرض رئيس الحكومة المعين، هو في الوقت ذاته، ربط بالطابع السياسي للحكومة التي يريد الاتحاد المشاركة فيها..

لقد قال الاتحاد إن « حزبنا لا يستمد موقعه من وجوده في الحكومة أو المعارضة، بل من الدور الذي يمكن أن نلعبه في البناء الديمقراطي والتنموي وتغيير الأوضاع للأفضل»، لكي يعطي سقفا أعلى لهذه المشاركة، وهو بذلك يرفع من منسوب الديمقراطية والسياسة في الاختيارات، وليس «منسوب الغنيمة» ، كما ورد في خطاب داكار الشهير.
وهذا الموقف يعني، في محصلة التحليل ككل، أن محاولة الزج بالاتحاد في «تعليب» حزبي سياسي تحت مسميات واهية كالارتهان إلى هذا القطب أو ذاك، هو افتراء واضح.

فقد ورد، في تحليل القوات الشعبية للفترة ما بين 2015 و2016، تعبير واضح من الاتحاد :
-1في رفض القطبية المزيفة المفروضة علي الحقل السياسي
-2 في تأكيد الاتحاد الاشتراكي رفضه لمسلكيات معينة في ما يتعلق بالأقطاب..

ومن هنا يحق للاتحاديين أن يتساءلوا باستغراب مضاعف: أَحِزبٌ هذا هو موقفه، يمكن أن يتهم بأنه حشر نفسه رهينة لهذا الطرف أو ذاك، أحزب قام سلوكه السياسي على الفضح ورفض كل التشكلات المصطنعة، يمكن أن يزجّ به في قفص معلب تحت تصرف هذه الإرادة أوتلك؟

إن التاريخ يصنع كل لحظة، تماما كما السياسة الحقيقية. سياسة الحقيقة، وغير ذلك، يمسي في القاموس المتداول

«التعتيم على المواقف». وتلك نقطة أخرى، نعود إليها غدا..