منذ حكومة التناوب، التي تزامنت مع انتقال المُلك من ملك إلى ملك في المغرب، بل إنها رافقت ذلك الانتقال، ترسخت استراتيجية جديدة للدولة المغربية إفريقيا. ميزتها الكبرى، أنها تأسست على رؤية سياسية مبادرة، مسنودة بوعي واضح لمنطق العلاقات الدولية الجديدة

إفريقيا رهان عالمي، هذه حقيقة مسلم بها اليوم، ليس فقط لأن ترف تأمل السياسة العالمية، ذلك الذي تبشر به، عادة، بعض مراكز التفكير الدولية، يبشر بذلك ،بل لأن الواقع العالمي الجديد أصبح يفرض ذلك بقوة، لأنه برؤية تاريخانية (بالمعنى الاصطلاحي الذي نحته المفكر المغربي عبد الله العروي)، فإن البشرية، قد دخلت منذ عقد من الزمن، في مرحلة انعطافة جديدة، تدشن لمنطق علائقي مصالحي عالمي جديد، تعتبر القارة الإفريقية جزءا محوريا فيه. ولعل أكبر عناوين ذلك التحول، هو بداية نهاية «المركزية الغربية الأوروبية»، وميلاد ما يمكن وصفه ب «مركزيات عالمية جديدة»، صاعدة من الجنوب، تقدم الصين والهند والبرازيل، عناوين خطاطاتها المعقدة والمركبة الناهضة فيها. وكلما وسعنا دائرة التحليل الملموس (بالأدلة والنتائج)، للواقع الملموس (خرائط العالم الاقتصادية والصناعية والمالية والعسكرية الجديدة)، سنجد كخلاصة كبرى، كما لو أن دورة عالمية كبرى قد انتهت، وبدأت تتبرعم بتواتر راسخ، دورة عالمية جديدة كبرى. يمكننا هنا، لفت الانتباه إلى أن عنوانها الأكبر، هو انتقال الثقل العالمي من الفضاء الأطلنتي، صوب الفضاء الهادئ، أي الانتقال من الثقل التاريخي للغرب (أوروبا وأمريكا الشمالية)، الذي كان مجال قوته وعمقه الجيوستراتيجي هو المحيط الأطلنتي، والذي ساد منذ القرن 18، ووجه منطق العلاقات الدولية وفرض نظامه وقيمه على كل قارات الكرة الأرضية، إلى الثقل الوليد لآسيا، عبر بحر الصين، والذي سيجعل المحيط الهادئ مركز الثقل العالمي أقله للقرنين القادمين (القرن 21 والقرن 22).

إفريقيا رهان عالمي، إذن، ضمن هذا التحول غير المسبوق ضمن منظومة القوى المصالحية كونيا. لاعتبارات مرتبطة بالرهان الاقتصادي والمالي والبشري عليها، كقارة لا تزال بكرا في كل شيء، على مستوى وعود إعادة هيكلة بينتها التحتية، هنا، فإن قارتنا هي نوع من الإلدورادو المسيل للعاب القوى العالمية الجديدة، بدليل نوعية وحجم القمم العالمية التي أصبحت تنظم هنا وهناك، تحضر فيها إفريقيا كعنوان وكطموح وكرهان (من قبيل «القمة الأمريكية الإفريقية»/ «القمة الصينية الإفريقية»/ «القمة الهندية الإفريقية»/ «القمة اليابانية الإفريقية»/ وأضعفها وأقلها أهمية وأثرا «القمة العربية الإفريقية»). هنا، علينا الانتباه، أن الرهان على قارتنا، ليس فقط من منطلق أنها سوق تجارية واعدة، كون عدد ساكنتها قد تجاوز المليار و 100 مليون نسمة (أقل من الصين وأقل من الهند)، بل إن الرهان عليها كامن في أنها سوق للتنمية هائلة، حيث كل الجغرافيات الإفريقية في حاجة لمشاريع مهيكلة على كافة مستويات البنية التحتية، من طرق وموانئ ومطارات وسكك حديد ومستشفيات وفلاحة، وأنها خزان هائل لثروات معدنية لا تتوفر سوى في جغرافيتها الممتدة على 30 مليون كيلومتر مربع (21 بالمئة من اليابسة بالكرة الأرضية)، وأنها جغرافية لثروة بشرية ميزتها الكبرى، أنها شابة، وأنها احتياطي عالمي كبير لسواعد العمل، مما يجعلها أكبر عناوين القلق العالمي على مستوى تحديات الهجرة من الجنوب صوب الشمال.

كيف يمكن لبلد صغير مثل المغرب، أن يكون له موقع قدم ضمن هذه الاستراتيجية العالمية الجديدة المراهنة على إفريقيا؟ إنه السؤال الذي يخاطب ذكاء الطبقة السياسية والنخبة المغربية، على مستوى الدولة والمجتمع. وإنصافا للحقيقة التاريخية (بعيدا عن أي نزوع سياسوي إيديولوجي ضيق، كما قد يعتقد البعض)، فإنه منذ حكومة التناوب، التي تزامنت مع انتقال المُلك من ملك إلى ملك في المغرب، بل إنها رافقت ذلك الانتقال، ترسخت استراتيجية جديدة للدولة المغربية إفريقيا. ميزتها الكبرى، أنها تأسست على رؤية سياسية مبادرة، مسنودة بوعي واضح لمنطق العلاقات الدولية الجديدة، كما استعرضنا بعض عناوينها الكبرى فوق، إلى الحد الذي يمكن معه الجزم، على أنه منذ مجيء العاهل المغربي الجديد محمد السادس إلى الحكم، ولدت استراتيجية إفريقية جديدة للمغرب، وأنها استراتيجية وجدت في ما حققته حكومة التناوب، من إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الاقتصاد المغربي، وواصلته أيضا حكومة إدريس جطو، السند المؤسساتي الذي سمح بامتلاك المغرب لأذرع تنموية سهلت من أمر تحقيق تلك الاستراتيجية الإفريقية الجديدة للرباط، ولعل من عناوين تلك الأذرع، التطور الذي تحقق على مستوى إعادة هيكلة مؤسسات عمومية وازنة ومؤثرة مثل المكتب الشريف للفوسفاط (هنا كان من حظ المغرب أن له رجلا وطنيا كفاءة عالية، سليل عائلة وطنية، حفيد شيخ الإسلام بلعربي العلوي، اسمه مصطفى التراب)، وأيضا شركة اتصالات المغرب التي تعتبر عملية خوصصتها واحدة من أنجح النماذج الخاصة بمؤسسة عمومية، ليس في المغرب فقط بل في كل إفريقيا ودول الجنوب، ثم الإصلاحات المهيكلة التي طالت قطاعي الأبناك والتأمينات، ومجالات الصناعات العقارية والصناعات الفلاحية وأيضا مجالات التكوين المهني، بما صاحب ذلك من إعادة هيكلة للبنية التحتية الخدماتية مغربيا، مما مكن من التوفر اليوم، على ترسانة من الكفاءات المغربية، التي عبرها يتم تحقيق فعل ملموس للحضور المغربي في إفريقيا الجديدة. أي ذلك الشيء الذي يطلق عليه «الخبرة المغربية». فهي «خبرة مغربية» لم تنزل هكذا من السماء، بل هي نتيجة لتراكم انطلق منذ التحول المؤسساتي والتدبيري والمالي الذي دشنته حكومة التناوب والذي سرعه العهد الجديد.

إن الخيار الديمقراطي، المؤسساتي، الذي انخرط فيه المغرب بغير رجعة، الذي يجد تتويجه في دستور 2011، وفي انتظام آليته الانتخابية، التي تفرز واقعا سياسيا مؤسساتيا مسنودا بشرعية الخيار الشعبي، مما يمنح لمؤسسات الدولة (البرلمان والحكومة) مصداقية داخلية وخارجية، هو السماد الأصلب لنجاح هذه الاستراتيجية الإفريقية للمغرب، لأنه يعزز من الدور المؤثر الحاسم، إفريقيا للرباط، بمنطق الدولة، في جانب ما تحتاجه قارتنا من أدوار، على مستوى التنمية المحلية والتعاون التكاملي المنتج (منطق رابح/ رابح)، وأيضا على مستوى الخبرة الأمنية، وأيضا على مستوى الدور الديني لإمارة المؤمنين المغربية، وأخيرا على مستوى شكل التعامل مع تحديات الهجرة.

بل، لعل سر قوة هذه الاستراتيجية المغربية، كامن في أنها ليست هيمنية، وأنها لا تسجن نفسها في منطق للنفوذ بخلفيات إيديولوجية، كما لا يزال يسجن رؤية عدد من العواصم الإفريقية (جنوب إفريقيا كمثال). بل، هي رؤية تدرك حجمها الصغير ضمن اصطخاب الحسابات العالمية المراهنة على إفريقيا، وأنها تمارس دورها بوعي لحجمها ذاك، ولما توفره لها إمكانياتها الوطنية، الصغيرة نعم، لكنها جد مؤثرة وفاعلة بمنطق إفريقيا. وأنها بالتالي منخرطة في منطق منتصر للزمن وللمستقبل، وأنها ليست آنية، بل هي ترسخ لأفق تعاوني فاعل وملموس على أفق زمني يمتد ل 20 سنة قادمة. وأنه بسبب من براغماتيته تلك، قد أصبح أيضا وسيطا آمنا ومضمونا لمصالح «خارج – إفريقية»، في مجالات تنموية حاسمة ومؤثرة، ليس أقلها الرأسمال الخليجي وأيضا الرأسمال الأوروبي والكندي، خاصة في مجالات مهمة مثل صناعة السيارات والأدوية والإسمنت والطيران ومجالات الأسمدة والفلاحة والصيد البحري والخدمات المالية، وأن الخبرة المغربية، التي تراكمت بالتواتر منذ 1998، في مجالات تنموية متعددة (بما أنتجته من جيل جديد من الأطر والكفاءات المغربية على كافة المستويات)، قد أصبحت مقبولة في جغرافيات إفريقية متعددة، سواء في الفضاء الفرنكوفوني أو في الفضاء الأنغلوساكسوني، بل حتى في الفضاء البرتغالي بقارتنا السوداء. وحين سيسلس أمر التعاون، بذات المنطق رابح/ رابح، قريبا آت، مع دولة من حجم نيجيريا، حينها ستكون الانعطافة الكبرى إفريقيا قد تحققت مغربيا.

إن الخلاصة الكبرى، هنا، هي أن نتائج ما نراه مغربيا ضمن فضائه الإفريقي، هي نتيجة عمل، ممتد في الزمن منذ 18 سنة. وحين يعيد المرء قراءة خطاب العاهل المغربي محمد السادس، الماضي، بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، الأول في تاريخ الخطب الملكية الرسمية عبر التاريخ، من خارج البلد، والذي ألقي من العاصمة السنغالية دكار، خاصة في الفقرة الخاصة منه بالدور المنتظر من الحكومة كمؤسسة دستورية (وبالاستتباع من البرلمان)، فإنه يتلمس بوضوح معنى ما بلغته الاستراتيجية الجديدة للدولة المغربية، في صيرورة تفاعلها مع محيطها القاري والعالمي، وأن التحديات القادمة، هي تحديات مرتبطة بنوع النخبة المغربية التي يجب أن تكون على ذات مستوى الرهان التاريخي، الذي يواجهنا كبلد (دولة ومجتمع)، ضمن «النظام العالمي الجديد» المتعدد الأقطاب، الذي الرهان على إفريقيا فيه مركزي.

وما دمنا نتحدث عن النخبة، فإن التحدي الوطني اليوم، ضمن هذه الاستراتيجية الجديدة، هو إلحاحية إعادة النظر في ما يصنع الفرد المغربي (الإنسان) اليوم، وهنا مركزية الإصلاح الشامل، بأفق استراتيجي لما يصنع قيمنا كمغاربة، الذي هو التعليم والإعلام، وما يحمينا كطاقة عمل، الذي هو الصحة، وما يعزز من مناعة الانتماء الوطني الذي هو إصلاح القضاء والعدل، وأيضا بلورة استراتيجية وطنية للثقافة. ذلك، ما أعتقد أن الخطاب الملكي الأخير يقصده كرسالة للحكومة (بل للحكومات) القادمة.

عن جريدة الاتحاد

السبت 26 نونبر 2016.