كل مخلوق مصطنع سوي على عجل من مادة غير طبيعية لا مناص من ان يكون مخلوقا مشوها وبالتالي غير قادر على اداء الوظيفة التي خلق من اجلها، ويكون معرضا دوما للانقراض ان لم يتم دعم هيكله المتهالك بطبعه ممن انشاه وسواه على عجل.

تلكم هي حالة كثير من المخلوقات السياسية في بلدنا العزيز حيث خرجت من جنح ايام مظلمة وازمات سياسية خانقة تجمعات سميت غصبا على التاريخ وعلى القاموس السياسي احزابا.

هذه “الاحزاب” انشئت انشاءا بغاية اغتيال السياسة واعاقة التطور الديمقراطي، مستفيدة من المال العام ومن تاطير السلطة الغاشمة التي حشدت لها الانصار من الانتهازيين او المغلوبين على امرهم، واختارت لها من يقودها، ورسمت لها الاهداف، وصاغت لها الشعارات والبيانات التاسيسية،وزورت من اجلها الانتخابات وجعلتها “القوة السياسية الاولى”.

ومهما اختلفت السيناريوهات باختلاف السياقات التاريخية ومعطيات الصراع السياسي فان الغاية واحدة: فرض واقع سياسي زائف من خلال عمل نسخ لكائنات سياسية لا شرعية تاريخية او نضالية اوشعبية او فكرية لها،شريعتها الدفاع عن مصالح سادتها وتبرير الاستبداد والايحاء للعالم بوجود تعددية سياسية وحكم ديمقراطي.

تناسلت تلك المخلوقات وتوالدت حتى اصبح المشهد السياسي سرياليا،عبثيا،فاقدا للمعنى. ونجح اعداء الديمقراطية والتقدم في تعميم ثقافة اليأس والتيئيس بين الناس ولا سيما بين اوساط الشباب. لم تنفع كل اشكال المقاومة التي ابدتها القوى التقدمية والديمقراطية في وقف تيار التيئيس والتضبيغ وترييع الاقتصاد والسياسة واغتيال القيم… مع الاسف لم تسلم صفوف الديمقراطيين من براثين اليأس مما غذى العدمية السياسية وعدم الثقة في النضال الديمقراطي المؤسساتي.

وكان من تداعيات ذلك توالي الانشقاقات على نحو دوري داخل اليسار الى حد التشرذم،مما ادى الى ضعفها وتراجع فعاليتها النضالية ووزنها السياسي داخل المجتمع واتجاه قوى اليمين في نسخها المتعددة. هكذا اختفى التقاطب الموضوعي بين الجبهة الوطنية الديمقراطية واحزاب اليمين الدولتي لفائدة قطبية زائفة بين يمين دولتي ولد ونشأ في احضان السلطة ويمين مجتمعي محافظ ذي شرعية انتخابية ومرجعية دينية.

وسط هذه المتاهة السياسة ضاع المجذاف والملاح بالنسبة لفئات اجتماعية واسعة، وانتصرت آليات التضليل وثقافة التعتيم، فكان المشروع الديمقراطي الضحية الاولى والاخيرة، مما افسح الطريق معبدا لعودة التحكم في زي جديد واحزاب جديدة. وما ورطة تشكيل الحكومة سوى تجلي من تجليات زيف سياسي حربائي يبرر التحكم ويدعمه.

الجمعة 25 نونبر 2016.