يقول النبي صلى الله عليه وسلم:” من أتى كاهنا، أو عرافا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد”

واليوم لايحتاج الناس للتنقل إلى الكاهن أو العراف بل يقابلونه في بعض المقاهي والاندية السياسية وفضاءات الاعلام …فكثر قراء الكف والرمل والأثر والورق  …يتنبأون بما في العقول وحتى ما لم يتبادر إلى الأذهان ..كما يخبرون بالمستقبل من أمور الدنيا وأحوال الأفراد والجماعات والدول والسياسات.. ونفس الشان بالنسبة لامور الآخرة فيدققون ويفصلون في مالم ينزل فيه وحي وما لم يقله  الانبياء ..؟! 

ولهذا نقول إذا كان الدين لايجيز   الاستعانة بالدجالين ولا  بـمن في القبور  فكذلك العقل السليم المتنور لايقبل ذلك … إن  بعض السياسيين ببعض الاحزاب  وخارجها يميلون الى الاعتقاد بالتنجيم وبركة الاولياء والصالحين وخربشات المشعودين ..للفوز في الانتخابات وللتبؤ بأحداث المستقبل ولإبعاد الخصوم  وافشال مخططات  كل  النفاثين والنفـاثات في “العقد ” الموجهة ضدهم … ومن العامة كذلك من  يؤمن جهلا بكلام المهرجين و بعض الساسة   الذين لم يتركوا لا العلوم المادية ولا الغيبية  إلا وتحدثوا فيها وكانهم يوحى اليهم  او تكشف لهم الحجب ..؟؟

إن هواة  الكهانة في  السياسة يتقاسمون إلى حدما  الخلفيات والاهداف مع كهنة المعابد القدماء …بادعاء القدرة على  الكشف عن الحقائق واخفائها  ..و”كفر” المعطيات الدالة عليها ..وصناعة أفكار واستنتاجات وتوقعات مستقبلية ترهن مستقبل الناس وتوجهاتهم  وتتحكم في إرادتهم بمبرر تجنب أوخم العواقب وأخطر الاحداث .. بـمخالفة صريحة لروح الدين والعقل والفطرة والطبيعة البشرية  ..

وهنا  التشابه  بين من يقدم الهبات والاضحيات والقرابين للكهان في عوالم التخلف ..ومن بقدم الاحسان والرشاوى والولائم في التاطير  السياسوي  لتدجين الناس وتنويم وعيهم وتعطيل إراداتهم الحرة  من أجل تحقيق كل شيئ بما في ذلك أن تمطر السماء ويرتفع الغضب الالهي ويضمن  الفوز والفلاح في هذه الدنيا وحتى في  الدار الاخرة  ..

إن ممارسات الكهانة لتخصص التنبؤ بالغيب الدنيوي يدفع البعض إلى الاخلال بالقواعد المعتمدة في “ثقافة” العرافة  والتي ترتكز على التعميم والتجريد والمبهمات والتوقعات  التي تحتمل أكثر من تفسير و أكثر من جواب على سؤال واحد …

ان هذا النوع من “السياسات”   الملتبسة والمستبلدة للوعي الفردي والجماعي  تشكك في كل شيئ حيث لايعلم العامة متى يكون أكل الذئب حلالا ومتى يحرم ..ومتى يكون الانسان مؤمنا ولو كان كذابا ..ومتى يكون كافرا ولو كان مؤمنا .. ومتى يكون الكلام صادقا ولو كان كاذبا ..ولا  كيف يمكن “للعفاريت والشياطين”الذين يصنفون بأنهم مفسدون في الارض   أن يصبحوا  من عباد الله الصالحين الذين لا تستقيم الامور إلا  بهم ومعهم …؟

إن اعتماد سياسات تقديم  الخداع والزيف على أنها حقائق …بتبرير الاخطاء والاخفاقات ونسبتها للغير وللغيب وللمجهول …وبسرقة وتبني نجاحات الاخرين وادعاء السبق …وبتبخيس وتسفيه منجزات وآراء وأفكار المخالفين ولو كانو ا الافضل والامثل ..  يـشكل أكبر ضربة للتنمية المستدامة والمتقدمة فكريا وثقافيا  واجتماعيا واقتصاديا ومؤسساتيا ..إنها تتسبب في التشكك و النفور والعزوف والرفض لكل العروض المقدمة للبشرية لحل مشاكلهم …فتتحول نسبة  من الشعب بسبب ذلك الى إرادات تسعى إلى التعطيل المعنوي  للسياسات الرسمية بمقاطعتها والاستهتار بها وتعريض اصحابها لكل انواع التجريح والقذف  والتحقير ..فيمارس البعض منهم كذلك  لعبة العرافة  واطلاق الكلام على عواهنه للدفاع عن أنفسهم وإعلان وجودهم الرافض لكل ما هو رسمي  .. فيصنعون أخبارا ويروجون إشاعات  ويخوضون معارك افتراضية لتصريف غضبهم وإزعاج خصومهم المختلفين ..ولقد يسرت بعض صحف الرصيف الصفراء وفضاءات  ما يطلق عليه التواصل  الاجتماعي انتشار ا لنيران التجاذب السلبي والتبخيس المتبادل ..

وإن عرجنا على بعض الخزعبلات والاشاعات الكاذبة لوجدنا أن آثارها تسيئ إلى أجيال وقد تمتد لعقود  ..اعتمدها المحترفون لسياسات التعطيل النظرية والتطبيقية  لاقبار  الوعي المتنور وتأخير عجلة التنمية ..وزعزعة  الثقة تجاه كل ما هو مفيد  والتشجيع على العزوف عن العمل الايجابي  ..والرفع من مستوبات التوثر وعدم الاستقرار ..

إن اقرب الطرق وأنجعها لتحقيق المطلوب والاماني ..هي الواقعية والموضوعية والتواضع والانفتاح على كل الطاقات الموالية والمعارضة والممانعة وحتى العدمية تواصلا وعملا …والابتعاد عن الانا التي من طبعها الميل للغرور والعجرفة إن لم تهذب وتعلم …

 لهذا جاز التشـبيه هنا  بالدجالين الذين يستعملون السحر ليفرقوا به بين المرء وأهله ولينشروا  الكراهية بين الناس لابعادهم عن التعاون على العمل الصالح وفعل الخير وارساء العدالة الشاملة في كل المجالات ليكون المستفيد الاكبر فيها هو الشعب الكادح بما يضمن له حياة كريمة لايحتاج فيها إلى مد اليد أو الاستجداء لتحقيق ضرورات الحياة ولا إلى  من يبيعه صكوك غفران يحتاج موزعوها واصحابها  إلى اكثر من استغفار …

 …عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ » .
فكم هي  مجالس اللغط والاساءات والتناور  وافساد الوعي  في عوالم تواجدنا واشتغالنا ماديا و”روحيا” ؟…وهل يمكن لدعاء كفارة المجالس  ان يستغفر به على الاقوال التي تتحول الى افعال تنشر بين الناس  لتقطع بها الارحام  وتمزق الصفوف والجماعات  وتحاك بها المؤامرات وتوظف للابتزاز والتحكم في احوال وامور العامة والخاصة ؟.. انه لايصح ولا يمكن من كل الوجوه ادعاء البناء والاصلاح بابشع انواع التخريب واخبث الطرق واسوئها ..
 

قال تعالى ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)) (الحديد:20) .

*الكفار هنا بمعنى الزراع.

تارودانت *الاربعاء 30 اكتوبر 2016.