من الظواهر المقلقة اليوم بالمغرب، ظاهرة الجريمة، التي يتسع نطاقها سنة بعد سنة.
وقد صنف تقرير دولي بلادنا في الرتبة التاسعة عربيا، فيما دأبت مصالح الأمن على تقديم أرقام ونسب يستشف منها أن هذه الظاهرة تتنامى كماً ونوعا ومجالا، لدرجة أصبحت هاجسا رئيسا لاستراتيجيات ومخططات الأجهزة المختصة بغاية الحد منها ومن تداعياتها.

في تضاريس الجريمة المغربية، هناك عدة معطيات تم رصدها في الآونة الأخيرة، من بينها أن نسب الشباب المنفذ أو الضحية، تتصاعد بوتيرة متوالية هندسية وأن بشاعة الجرائم المقترفة بالفرد وبالجملة والتي تستهدف أحيانا الأصول أو الفروع تتفاقم بشكل لافت، كما أن استهداف الأجانب والسياح بوجه أخص يقض المضاجع، وأن الشق النوعي للجريمة مثل الإلكترونية أو السطو على المؤسسات المالية، يتسلق سلم الترتيب عند كل جرد تقدمه الجهات المختصة…أضف إلى ذلك، إقدام عدد من الأشخاص على استعراض نوايا ارتكاب الجريمة في حالات هستيرية، وإشهارهم لأدواتها بالشارع العام ليلَ نهار. والجريمة المصنفة إرهابا أي التي شرع في التهيئ لها لتنفيذ عمليات قد أفلحت قوات الأمن بطريقة استباقية في إفشالها.

ثمة أسئلة عديدة تطرح وتتمحور حول: لماذا تفاقمت حالات الجريمة وما دوافعها ؟ هناك وجهات نظر متعددة لن نخوض فيها،إذ الموضوع مركب اجتماعيا واقتصاديا وفكريا . لكن لامناصّ من الإشارة إلى مستويات من بينها الفشل المؤسساتي في إنتاج مواطن محصن من استقطابات الجريمة وأوحالها وتداعياتها. فالمدرسة بضعف مناهجها ومشاكلها البنيوية من تأطير واكتظاظ وعشوائية بناء المنظومة التربوية،والجامعة بعدم انسجامها مع سوق الشغل وإنتاجها المتزايد لخريجين يجابهون صعوبات في العمل، والتحولات التي تعرفها العائلة المغربية ، وعجز السجون كي تكون مجالا للإصلاح بالفعل، ورداءة التهيئة العمرانية التي ترتكز على التكديس داخل غابات الإسمنت دون مرافق ولا فضاءات خضراء…

كما أن أعطاب الدورة الاقتصادية في إنتاج فرص الشغل وامتصاص جيوش العاطلين، تساهم بشكل أو بآخر في تغذية الجريمة وخلق ظروف انتعاشها .

وبالتالي، فإن عالم البطالة ينتج في أحيان كثيرة ظواهر قد تشكل في الانزلاق نحو الجريمة .
إن تحدي الظاهرة اليوم، يكمن في سبل مواجهتها كما ونوعا . وعليه، فإن إحدى بوابات التعامل معها هي الحكامة الأمنية، وهو ما يقتضي من جهة، تكوين العنصر البشري لتسليحه بالإمكانيات الفكرية للإحاطة بطبيعة الجريمة وتحولاتها، وكيفية التعامل معها باحترام تام للقانون ،ومن أخرى إعادة النظر في خريطة انتشار الترسانة الأمنية التي تتميز حسب المسؤولين بخلل بين شطري حراسة المنشآت والتواجد الأمني في المناطق ذات المخاطر المحتملة،وطبعا من غير أن ننسى أن من الأولويات الآن ضرورة مراجعة أدوار المؤسسات والمجالات من أجل بناء مجتمع أقل جريمةً وأكثر مواطنةً ومسؤوليةً ومناعة.

الاربعاء 07 دجنبر 2016.