طبعا لازال النضال مستمرا من ترسيخ حقوق الإنسان في العديد من المجتمعات العربية و الإفريقية خاصة تلك التي تتعلق بالحق في الرأي و التعبير باعتبار أن هدا الحق يكاد يصادر بسبب الحروب و النزاعات المسلحة ..

لدلك فلا بأس ، و نحن نخلد اليوم ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا بد أن نذكر بأن هذا الإعلان أكد في ديباجته بأنه : “يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة و الحقوق ” و جاء في هذه الاتفاقية : “لكل فرد الحق في الحرية والسلامة الشخصية ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا وفقا للقانون وطبقاً للإجراءات المقررة” و على هذا الأساس فلكل مرء الحق في الحياة والحرية وفي التمتع بالأمان على شخصه، كما لا يجوز استرقاق أحد أو تعذيبه أو اعتقاله تعسفاً.

كما أقرت هذه الاتفاقية الملزمة لكل دول العالم حرية التعبير عن المعتقدات بالأقوال والممارسة؛ فهي تكفل لكل شخص حرية الرأي والتعبير والوجدان والدين والتجمع بما فيها حق الاقتراع في الانتخابات، و الحق في العمل و تقلد الوظائف العامة وإنشاء النقابات والانضمام إليها بلا قيد أو تمييز . وفي التزوج وتأسيس أسرة ، مع ضمان الحصول على الحاجات الإنسانية الأساسية، وحق المواطن في الرقي الاجتماعي. و في مستوى معيشة تكفي لضمان الصحة والرفاهة خاصة على صعيد المأكل و المسكن و الملبس والعناية الطبية والتعليم.

لكن بالنظر لما يجري اليوم في العديد من أقطار العالم يجعل هذه الحقوق تكاد تكون حبرا على ورق و لا أساس لها على أرض الواقع إذ لازال الكثير من الأفراد والشعوب يعانون الويلات جراء الفقر و الحروب بسبب الرغبة في الاستحواذ على السلطة و الثروات .

و بغض النظر عن ما يمكن رصده لذى بعض الدول من الإفراط والتفريط بحق الحرية، والمتاجرة بها و كدا الجرائم و الحروب الهمجية التي خاضتها باسمها أوروبا الغربية و الولايات المتحدة الأمريكية ، فإن الأحداث المتسارعة تؤكد أن حقوق الإنسان في المواثيق الدولية إنما هي عبارة عن توصيات أو أحكام أدبية ليست إلا ..

فعلى غرار معظم دول العالم و بهدف مكافحة الإرهاب فقد تمت المصادقة داخل بلدان أمريكا و الاتحاد الأوروبي على إجراءات و قوانين مست العديد من الحقوق و الحريات بينما تواصل الهمجية الصهيونية اعتداءاتها المتكررة على الشعب الفلسطيني الأعزل بلا حسيب و لا رقيب .

و إن الإنسان العربي المغلوب على أمره أكتر الناس إيمانا بأن هدا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليس إلا مجرد تصريح صادر عن الأمم المتحدة غير ملزم ، لأنه يعلم مسبقا – كبقية خلق الله – بأن الحكومات الأوربيه ارتكبت طوال القرن الأخير أکبر و أكثر انتهاكات حقوق الإنسان شهدت عليها ما خلفته الحرب العالمية الأولى و الثانية من دمار و ضحايا.

و اليوم تعيش بلاد الأحلام و تمثال الحرية على إيقاع الاحتجاجات و المسيرات المطالبة بالمزيد من المساوات و نظام العدالة الاجتماعية من قبل الأقلية ذات الأعراق الإفريقية و الأسيوية خاصة بعد تصاعد عمليات قتل و تعذيب مواطنين سود على يد رجال الشرطة .

طبعا لا يمكن تبرير الاعتداء على الأشخاص و ممتلكات الغير أو عرقلة السير العادي لمؤسسات الدولة و القطاع الخاص بحجة ممارسة حقوق الإنسان لأن من شأن تلك التصرفات الطائشة أن تهدد السلم الاجتماعي و السلامة الشخصية للأفراد .

صحيح أن حقوق الإنسان اليوم أصبحت مهددة أكثر من أي وقت مضى لأنها بكل بساطة لازالت تخضع للمزاجية و الانتقائية بحيث يمكن للشعوب أن تنعم بها دون أخرى و التي لا نصيب لها سوى القهر و الإذلال باسم الديمقراطية و أشياء أخرى .

و لعل البشرية جمعاء تعترف بأن حقوق الإنسان كما جاء بها الإسلام حقوق أصيلة أبدية لا تقبل حذفاً ولا تعديلاً ولا نسخاً ولا تعطيلاً، إنها حقوق ملزمة شرعها الخالق سبحانه وتعالى، فليس من حق بشر كائناً من كان أن يعطلها أو يتعدى عليها، ولا تسقط حصانتها الذاتية لا بإرادة الفرد تنازلاً عنها ولا بإرادة المجتمع ممثلاً فيما يقيمه من مؤسسات أياً كانت طبيعتها وكيفما كانت السلطات التي تخولها .

ولقد أقرها الإسلام و قدسها منذ أربعة عشر قرناً فسبق بها سبقاً بعيداً عما قال به القرن الثامن عشر الذي عُد ظلما و بهتانا قرن حقوق الإنسان ، و هو في الواقع قرن الحروب و المآسي لما شهده من ظلم و استعمار .

كما أن حقوق الإنسان كما جاء بها الإنسان هي عبارة عن فريضة تتمتع بضمانات جزائية وليست مجرد توصيات أو أحكام أدبية، فللسلطة العامة في الإسلام حق الإجبار على تنفيذ هذه الفريضة، خلافاً لمفهوم هذه الحقوق في المواثيق الدولية التي تعتبرها حقاً شخصياً مما لا يمكن الإجبار عليه إذا تنازل عنه صاحبه .

يبقى من المفيد التذكير مرة أخرى بأن حقوق الإنسان صفة لصيقة بذات الإنسان لا تورث و لا تشتري و غير قابلة للتنازل و لا يجوز حرمان أي شخص منها تحت أي ظرف ، فهي تولد مع الإنسان بمجرد خروجه للحياة و لا يجوز انتزاعها منه بأي مبرر و مهما كانت الأسباب ، كما أنها ليست رهينة جنس دون آخر كما هو الحال حيث التسابق لتكريس حقوق المرأة بالرغم من أنه لا يراد بها حفظ كرامتها التي تستباح في و صلات الإشهار و دور السينما ، و لكن لتأجيج صراعها ضد الرجل في مسألة الحقوق و المساواة ، و كأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جاء فقط لمنح امتيازات و حقوق .. لكن بصيغة المؤنت .

الاحد 11 دجنبر 2016.