تحولت سوريا إلى مقبرة كبيرة تتناثر الجثث بأرجائها، وتنتشر برك الدم وسط دمار لم يشهده بلد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . وأينما وليت وجهك بهذا البلد العربي فضاء الشام وذاكرته التاريخية ، فثم قتل يترصد شعبا، وخراب يتسيد مدنا، ورعب يسيج وطنا … وهذه الصورة بقتلها وخرابها ورعبها، بلغت اليوم ذروتها بحلب القادمة من عمق خمسة آلاف سنة، المدينة التي بصمت عشرات الحضارات على طبائعها وثقافتها وعمرانها …

حلب، استعرضت هذا الأسبوع بشاعة الإبادة التي طالت ماتبقى من الأربعة ملايين من ساكنتها، ورسمت الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام فظاعة الجرائم المقترفة ضد الإنسانية .. حلب كانت ولاتزال إلى اليوم، شأنها شأن مدن سورية أخرى، شاهدة على دكتاتورية نظام حكم البلاد بسلاح القمع، وغياهب السجون، واغتصاب الحقوق والحريات . ولأنه أغلق كل منافذ الإصلاح، وأصر على أن تستمر سوريا معتقلا كبيرا، فإن عناده هذا، أدى بالبلاد إلى أن تفتح نوافذ أخرى، استغلت مطالب شعب بالحرية وتَوْق مواطنين إلى الانعتاق.. نوافذ عبرت منها جماعات الإرهاب بفكرها المتطرف الظلامي ونوايا أنظمة، تبحث لها عن موقع قدم إقليمي واستراتيجيات قوى كبرى، تحرص على التحكم في خرائط الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والأمنية…

لقد دفع نظام بشار الأسد سوريا إلى أن تؤدي ثمنا باهظا من أجل استمرار نظامه السلطوي.. ثمن تكلفته البشرية اليوم يقارب نصف مليون قتيل .. ووقف في وجه كل المبادرات التي سعت إلى إيجاد حلول سياسية تقي بلده من الخيار الدموي . أجهض مؤتمرات الأمم المتحدة، ومساعي منظمات دولية، ووساطات عواصم إقليمية وعالمية، وحصن عاصمته دمشق، وترك باقي سوريا ساحات اقتتال بين ماتبقى من جيشه والجماعات المسلحة، أو مابين هذه الأخيرة التي اعتادت على صياغة تحالفات طبقا للقوى التي تقف وراءها وتحركها أو للاعتبارات العسكرية والسياسية والميدانية…

عمِل نظام بشار الأسد على الزج بروسيا كحليف له في المعارك الدائرة بسوريا، وفتح لها قواعدَ وثكناتٍ لتطلق العنان لطائراتها وقاذفاتها وقنابلها، كي تدك دكّاً مدنا فوق رؤوس سكانها، وتختبر معدات جديدةً، وتجرب خططا عسكرية، وتفسح الطريق لعسكر بشار كي يستعيد مناطقَ، ويبيد مدنيين عُزّلا بعد أن يحاصرهم ويمنع عنهم كافة المساعدات الإنسانية أو فرص إفلاتهم من الحصار.

والمثير أن العالم ظل يتفرج على المأساة السورية، ويساند بصمتِه جرائم نظام له سجِل حافل في القتل الجماعي للشعب السوري. والمثير أيضا، أن حلب التي تحترق بعد أن أحال طبيب العيون (بشار) سكانها إلى جثث متفحمة، وأحياءها إلى ركام، ومشهدها العام إلى شاشة يتفرج عليها العالم كشريط رعبُه على يسار الرعب .

 

الخميس 15 دجنبر 2016.