لأنه جدير بقتل ذكي، لا أصدق بسهولة أن إسكافيا مر على نبيذ «عدن» وغرف منه أكوابا أباريق ، وانتشى برؤية الحوريات في الآخرة،فقرر أن ينهي مع مناضل طبقي ليدخل الجنة من باب الصلاة على النبي ومحاربة الأفكار المستوردة.
كانت القصة أكبر، أكبر بكثير من إخراج سريع على مرأى من المارة في طريق واسع ومشمس وغير مألوف للقتلة.
كان يمكن للأحجية أن تجد ألف خيال يصدقها، لو لم يسبق سكين القتال الدموي، محاولة قتل حقيقية بأحسن ما تملك الدولة من حيل ومواد متفجرة وطرد محكم النهاية.

كان يمكن للأحجية أن تجد ألف صبي يكبر بها، لو لم يكن في القصة حكم سابق بالإعدام سهرت عليه الدولة الحديثة بكل ما ملكت من حقد قديم..
ولهذا لا نصدق أن رجلا إسكافيا كان يقر حقا ، وكان حقا يفكر في الصراع الطبقي، وكان يعرف حقا أن المحامي الذي أفلت، قبل سنتين من قتله من طرد ملغوم، يستحق الموت على قارعة الطريق!
لا نصدق. لهذا نعيد بناء الحكاية من جديد.
تقول الحكاية إن الدولة العالية، بعمقها وسطحها وشخصها، كانت تعتبره »رأس الأفعى«،وأن الدولة كانت تريد أن تقتلها.
وقد تقاطعت حكايات من عاشوا الفترة التي أعقبت الانطلاق في المؤتمر الاستثنائي وعودة الحزب الذي قيل انتهى، وقد كان في الأقبية وفي السجون والمنافي، ولم يكن يواجه مأساة نهايته وإرادتها من مواقع في المنظر العام ولا في ظروف الصحة والعافية، أن لقاء جمع قادة الاتحاد المشتتين في المنافي، كان أحدها في فرنسا مع المنفيين والمحكوم عليهم بالإعدامات .عرض الفقيد عبد الرحيم كل الحكاية على القادة التاريخيين للمقاومة والطبقة العاملة وآباء الاتحاد:

سأله أحدهم:
السي عبد الرحيم، “واش الحزب الجديد اللي غادي يجي 1975-يقصد المؤتمر الاستثنائي- واش وجدتو ليه القائد اللي غادي يقودو؟
أجاب عبد الرحيم:اييياه ، عندنا القائد.
عاد القائد المنفي للسؤال من جديد:
اشككون هو
قال عبد الرحيم:عمر بنجلون

هنا يتضح أن عمر عندما اغتيل بعد المؤتمر الاستثنائي مباشرة ، اغتيل فيه ، أيضا وكذلك، الكاتب الأول المقترح لقيادة الاتحاد الاشتراكي الجديد أنذاك.، أو القادم لا محالة.
وكانت الدولة قد قررت إعدامه قبل القتلة بسنوات.
لما أصدرت حكم الإعدام،أو لما أرسلت الطرد الملغوم في ما بعد إعدام المعارضين بالسلاح.
لقد كانت الجدلية في القتل تربط – في جسد عمر – تقاطع الكاهن والطاغية، كما سماه كارل ماركس:
الطاغية يقتل، وكاهن الطاغية يجعل الاغتيال مستساغا باسم الدين..
لهذا لا تكتمل الصورة بدون وجود الجنرال والسياسي وراء الاسكافي الطامع في ديانة جديدة. ولهذا اختفت من ملف القضية كل الأسماء السامية التي ذكرها المعتقلون..

2

ماذا لو كنت أقتل الشهيد من جديد،ماذا لو كنت القاتل الجديد؟
النسيان ليس دوما أحسن السبل لقتل الذاكرة، قد يكون تعمد النسيان أفظع منه،
فهو البحث عن ثغرة في الزمن أو في السياسة لكي يعود القتلة…
أو يكون الإهمال المطلق لما فيها من سمو وسيلة استعمال غير محصنة في استمالة المكاسب….
وقد نقتل الشهيد أيضا بأن نقتل أخلاقه:
فهل كان سيعتبر شهيدا لو أنه بقي بأخلاقه إلى يوم الناس هذا، أم كان سيعتبر أقل كفاءة من انتهازي لا يحب الاقتراض لبناء بيته كعمر ولا يحب الاقتراض لشراء سيارة كعمر .. ربما كانوا سينصحونه – إِنْ هم وجدوا إلى جانبه بسبب عطب في المنطق- بأن يختبر الدفع …كاش!
يُقْتل الشهيد أيضا عندما نحبه ميتا، لنقول كان منا وكان لنا..
بدون أن نجرب أن نعيش مثله في القيم أو في تجربته في السياسة
أو في الموت
أو في النزاهة..
3
عندما نحصر الشهيد في موته، ونوقف عقله عن العمل،نجرب أيضا محاولة أخرى في القتل..
ولعل عمريسائلنا بما أنتجه من فكر جديد، يشبه دفاتر غرامشي في السجن الفاشستي.فهو أيضا أعاد تركيب الدولة في سياقها التاريخي وأعاد قراءة التجربة الاتحادية.
من خلال ثلاثة مواضيع رئيسية تستوجب حاضرا قراءة مجددة..
أولا طبيعة الدولة ودور
الملكية فيها:

فقد كانت مجهوداته إلى جانب رفاقه وإخوانه في التفكير الجماعي (الحزب كمثقف جماعي)، هي تفكيك تشييد الدولة، ووضعها في التاريخ المغربي، وكان جهده الفكري، هو إعادة قراءة الدولة على ضوء تجربة مغربية خاصة في التاريخ، ونتيجته هو تبييء الفكر الاشتراكي الجدلي واستنباته في التربة المغربية بدون قص التاريخ على مقاس الاديولوجيا.
بطبيعة الحال ، استتبع ذلك أفق جديد للنضال السياسي ودورأكثر فهما للدين في بناء الدولة المغربية.
الاهتمام بالتراث المشرق للأمة المغربية ، ودوره في تشكيل الوعي الجماعي، وهو ما أصبح يفرض اليوم عودة منهجية وفكرية قوية لفهم ما بدأ عمر بتفكيكه في البداية السبعينية، وضد المنجز الجامد لتيارات اشتراكية في العالم برمته.
– تفكيك التشكيلة الاجتماعية (مساهمته حول الصراع الطبقي في المغرب كنموذج)، والبحث في كيفية صياغة الهويات الاجتماعية وتحديد مواقع كل فئة في الصراع، مع تجديد المفاهيم وتثبيت الدينامية المجتمعية، وهو ما سهل الانتقال إلى قراءة التجربة الاتحادية ذاتها في السياسة الوطنية على ضوء جدلية الفشل.
جدلية الفشل:

تقتضي جدلية الفشل الإقرار بأن الصراع لم ينته بنفي أيًّ من القوى المتصارعة( لا النظام قضى على الاتحاد ولا الاتحاد قضى على النظام) وبالتالي الجلوس إلى مائدة التاريخ المشتركة والبحث عن حَكَم ، من خلال الاستراتيجية الديمقراطية..
وهذا المجهود الذي لم تقبله العقلية الثورية وقتها أصبح أفقا للعالم، وتبين من التاريخ أن الديمقرطية مفهوم أوسع من الاشتراكية، وقادر على استيعابه..
وتقتضي النزاهة الفكرية أن نتساءل:أليس الجدلية التي ثبتها عمر في وضع المشترك السياسي مع النظام وتحديدا مع الملكية فيه، تتطلب التطوير بجدلية جديدة تفوق جدلية التوافق؟
جدلية التوافق التي اشتغلت في 1975، ثم عادت لتشتغل في 2001، بعيدا عن الاستحالة السياسية للحلول السلمية، قد تكون أدت رسالتها لكي تفسح المجال للانتقال إلى جوهر الحداثة السياسية، في مغرب قادر على الاستقرار وسط الزوبعة، ولو أسقطت عشرين نظاما عربيا وإفريقيا!

الدين والسياسة:

كيف نعيد قراءة العلاقة، بعيدا عن الدولة والدين، بل في العلاقة مع المجتمع والدولة ، وكشراكة في الاستفزاز الديمقراطي وبناء الحداثة الإنسانية القوية، وليست الفارغة روحيا؟.
من يستطيع هذه القراءة، في غياب المثقف الجماعي، وفي غياب التفكير الاستراتيجي، وبعد ما تأصل من حداثة مادية وقانونية جعلت الملكية نفسها قطب التحديث، والتماهي مع قاموسه؟
كيف نعير امتلاك العقل الجدلي للحظة البناء السياسي والتنظيمي في مغرب 1975، والانتقال إلى خياراستراتيجي جديد ، يمكن اليسار من العمل على بناء أفق جديد للسياسة والنضال السياسي؟
هي ذي أسئلة من بين أخرى..لا بد من طرحها لكي يشتغل عقل عمر من جديد وتركيبته الواقعية الحالمة والثورية في نفس الآن؟.

 

الاحد 18 دجنبر 2016.