كل من يعرف واقع المنطقة المغاربية، يدرك جيدا أن وحدتها أصبحت أمرا صعبا، بسبب إصرار حكام الجزائر على زرع كيان مصطنع، لا جود له إلا في الخريطة المخابراتية، لأجهزتها المهترئة، التي لم تعمل إلا على استنساخ الخرائط التي تركها الاستعمار في هذه المنطقة، والتي مازالت تقدم خدمة لكل مخططات الفتنة والتفرقة.

لقد شكل احتلال الجزائر من طرف فرنسا، سنة 1830، المعبر الذي تسلل فيه إلى المنطقة المغاربية، حيث عجزت الإمبراطورية العثمانية، بكل قوتها، على تجاوز الحدود الغربية لولايتها الجزائرية، لأن المغرب تصدى لها، بحكم تاريخه الذي يشهد أنه كان يتوفر على إمبراطوريات ودوّل قوية.

من الحدود الشرقية للمغرب، أي مما يعرف اليوم بالجزائر، تمكن الاستعمار من استنزاف قوى الدولة المغربية، وبتحالف بين عدد من الدول الاستعمارية، تكالبت عليها وعملت على تقسيمها، إلى أجزاء من أجل احتلالها. وتحت وصاية فرنسا مُنِحٓ الاستقلال لموريتانيا، رغم معارضة المغرب، الذي كان يدرك أن سياسة التفرقة والتجزئة، لن تنتج سوى كيانات ضعيفة، وهذا ما كان.

تجاوز المغرب الخلاف، وسعى إلى البناء المغاربي، غير أن نفس المخطط الاستعماري، استمر بأشكال أخرى، واتخذ صفة حرب بالوكالة بين المغرب والجزائر، بخصوص موضوع الصحراء المغربية، غير أن الوضع في ليبيا وفي موريتانيا، أيضا لم يكن يساعد أبدا على تجاوز وضع التشرذم.

بالنسبة لليبيا، سواء مع القدافي أو بعده، فإن المشهد السياسي لا يساعد على الاستقرار في المنطقة المغاربية، غير أن الدولة الموريتانية، كذلك، عاشت ارتباكا متواصلا، من خلال الانقلابات المتكررة، وعلاقات التوتر مع دول الجوار، مِمَّا جعل منها بلدا لا يمكنه الاستمرار في أي سياسة منسجمة، ذات طابع استراتيجي، فالتقلب الدائم، هو الصفة المميزة لها.

ونظرا للهشاشة التي يعيشها هذا البلد، فإن موريتانيا تقدم نموذجا من اللااستقرار، الذي يعقّد الوضعية أكثر في المنطقة المغاربية، حيث تدفعها هذه الخاصية البنيوية إلى البحث عن تحالفات ظرفية، محكومة بحسابات تاكتيكية وبمصالحَ ضيقة، لا ترقى إلى مستوى الاختيار الاستراتيجي الذي من المفترض أن يحكم توجهات الدول. فهي بذلك نموذج من نماذج التوتر الذي سيظل يلقي بظلاله على البناء المغاربي.

الاحد 18 دجنبر 2016.