التصوف في هذه المدرسة هو الخلق، يقولون : التصوف هو الدخول في كل خلق شتى والخروج عن كل خلق دني، باختصار، التصوف عملية إحلال اخلاق محل أخلاق حتى يقبل الإنسان على الله ويصل إليه.

التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفا أي في التصوف، كما يقولون بأن التصوف كله أدب، لكل وقت أدب، ولكل حال أدب، ولكل مقام أدب، فمن لزم الآداب بلغ مبلغ الرجال، ومن لم يفعل ذلك فهو مردود من حيث يظن القبول، فالتصوف بهذا المعنى سلوكيات إسلامية مع الغير. ويقول ابن القيم :” واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم على أن التصوف هو الخلق، ونحن إذا تأملنا فيما يقوله علامة المغرب ابن خلدون عن التصوف في زمانه   ” التصوف علم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة”.

ومن الخطأ  القول بأن التصوف في هذه المدرسة بدعة  وأن هذا ليس بعلم لسببين:

  • القول ليس بعلم لأنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يعرف بهذا الإسم، يرد عليه بكون زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن أيا من العلوم الشرعية بصورتها التي نعرفها، لم يكن علم يبحث في العقائد ولا علم التوحيد ولا علم الحديث ولا فقه ولا أصول الفقه إلخ.
  • القول: بدعة وهرطقة: يقول الجنيد:” الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول” وقال أيضا :” من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتضى به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة”.

أي داخل دائرة أهل السنة والجماعة، مدرسة الجنيد مدرسة أخلاقية بامتياز.

الأخلاق التي يستند إليها التصوف الجنيدي ويبحث فيها موجودة منذ وجد الإسلام، وهذا أمر مقرر ومعروف وإنما الحادث هو فقط العلم المدون.

وهو بميزته الأخلاقية، مرتبط إرتباطا كبيرا وملازما للشريعة الإسلامية، ذلك أن أحكام الشريعة كلها تستند إلى أسس أخلاقية، إذا افتقرت إلى الأسس الأخلاقية تصبح صورا لا أرواح فيها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا”.

الطهارة، هي طهارة الظاهر وطهارة الباطن من كل القبائح النفسية: من الغرور، الزهو، الرياء، الحق، الحسد، الغيبة، النميمة، النفاق، الخ…

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم :” ليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل، أي ما كان حاضرا فيه بقبله مع الله.

الصلاة تطهر لقوله تعالى :” إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر”.

في الصوم، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم :” رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر” فالصوم هو صوم عن جميع الآثام المعنوية، إلى جانب الانقطاع عن الطعام والشراب، من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه،: الزكاة، قوله تعالى :” خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها” الحج ، نتذكر قوله تعالى ” فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج”.

إذن الهدف الاخلاقي ظاهر في الشريعة، سائر الأحكام الشرعية في المعاملات ، نجد ان الرسول صلى الله عليه وسلم، يضبطها في حديثه ” من غش أمتي فليس مني”

ولهذا يقولون أصحاب هذه المدرسة: الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها” لابد من الإخلاص، سواء أكانت الأعمال دينية أودنيوية، الاعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها، إذا قلنا الإخلاص فهذا هو معنى التصوف في الحقيقة عند أصحاب هذه المدرسة، إنه تصحيح للأعمال حتى تكون هذه الأعمال إن شاء الله مقبولة منه لأنها فيها معنى الإخلاص.

التصوف في الحقيقة مجاهدة النفس، مجاهدة لأنه تطهير لهذه النفس وتزكية.

وإذا نظر الإنسان إلى القرآن الكريم لوجد أن جهاد النفس أو المجاهدة مذكورة كقوله تعالى ” والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين” ومجاهدة النفس يترتب عليها كما يقول صوفية مدرسة الجنيد ما يعرف عندهم بالمقامات والأحوال، والمقامات كالتوبة والزهد والصبر والشكر، والرضى عن الله، ومحبة الله إلى غير ذلك من الفضائل التي يلزم بها المسلم.

والأحوال كالخوف من الله والرجاء في الله والقبض والبسط والفناء والبقاء وكل أولئك الأحوال ترد على قلب الإنسان.

يقول ابن تيمية في رسالته المعروفة بالتحفة العراقية، إن ما يتحدث عنه الصوفية من المقامات والاحوال مما يجب على كل مسلم، لأن هذه المعاني لابد أن يتصف بها المؤمن  وأن يعمل بها وأن يسلك وفقها، فهنا نجد أن التصوف هو مجاهدة للنفس وانتقال بها من كونها نفسا أمارة بالسوء إلى كونها نفس مطمئنة.

التصوف أيضا معرفة، معرفة بالله سبحانه وتعالى ، وإذا قلنا معرفة فإنما نقول :”
“إنها  تحدث عن طريق الذوق” معرفة الصوفية ذوق، ولكن من اين أتى الصوفية بكلمة ذوق؟ اتو بها من الحديث الشريف” ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا”، هنا  يشير الرسول صلى الله عليه وسلم بذاق إلى أن الإيمان، منه ما هو شكلي ومنه ما هو إيمان حقيقي، فالإيمان الحقيقي  هو الذي يمتزج بنفس الإنسان، والإيمان الحقيقي هو الذي يقرب الإنسان من الله، وهو الذي يعصمه عن فعل المعاصي، وهنا  نستحضر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن” فالإيمان يرتفع والعياذ بالله وقت وقوع المعصية.

حين يزداد الإيمان تقوى الطاعات، وحين تقوى الطاعات يزداد الإيمان، ولذلك معرفتهم ذوق، يقول بعض الصوفية: من ذاق عرف، ولكن ما علاقة العقل بالذوق؟ العلاقة بينهما وثيقة جدا، العقل هو ميزان الله تعالى في أرضه كما يقول الإمام ابن جزري، والذوق يساعد العقل، لأن الذوق يتجه إلى ما هو أخلاق ووجدان.

إذا كنا في جانب استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها مثلا فإننا نستخدم العقل لا محالة، هذا هو منهج العقل هنا، أما إذا كنا بصدد المعنويات أو الأخلاق والسلوكيات فإنه يجب أن ينهض القلب، ويجب علينا أن نحي هذا القلب بالأذكار، بذكر الله، “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”.

يجب علينا أن نتذكر الله سبحانه وتعالى وأن نطيعه، عندئذ  يحيى هذا القلب الذي هو بين جنبين ” إلا من أتى الله بقلب سليم”.

نعيش اليوم في عصر طغت فيه المفاهيم المادية، وأثرت في سلوكيات وأخلاق الناس، حتى أصبحوا يشكون من اهتزاز القيم، فالتصوف بهذا المعنى، هو علاج فهناك مذاهب مادية لا ترى في العلم إلا المادة وقوانين التطور، وهناك مذاهب أخرى عبثية لا ترى لحياة الانسان معنى أو لوجوده قيمة.

التشاؤم والاكتئاب والحزن، كل هذا موجود اليوم في جميع المجتمعات.

كيف نعالج هذا؟ العلاج في القرآن، حين وجه الله تعالى خطابه إلى النبي قائلا:” ولقد نعلم أنك يضيق  صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى ياتيك اليقين”.

العلاج تسبيح، تحميد، سجود، عبادة.

نجد أيضا قوله تعالى :” ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا” فالمعية مع الله ينتفي معها كل صور الحزن والاكتئاب، لا يمكن أبدا أن يشعر الانسان أنه مع الله ويشعر مع ذلك بالحزن، مستحيل هذا، فالتصوف في المجتمع يقوم بدور مهم جدا هو دور مواجهة المذاهب المنحرفة سواء في ذلك المذاهب المادية او المذاهب العبثية والتطرف في فهم القضايا المختلفة.

إذن منهاج هذه المدرسة هو لزوم القرآن، ولزوم السنة في مواجهة ذلك.

التصوف يبعث الرجاء ويفتح باب الرجاء للناس، وهذا أمر في غاية الأهمية، لأن الصوفية وضعوا منهجا أساسه عدم الاكراه والعنف، وأخذ الامور بالرفق كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل العنف في شيء إلا شانه” ومن هنا نظروا إلى الانسان نظرة واقعية فقالوا ” إذن الانسان بطبيعته خطاء، وإذا كان خطاء فإن باب التوبة مفتوح له” ولا ينبغي أن يستعظم الانسان الذنب وإنما عليه ان يمضي قدما في طريق الطاعة حتى يصل إلى الله تعالى ولذك كان ابن عطاء الله يقول ” لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله، فإن من عرف ربه بكرمه استصغر في جنب كرمه ذنبه.

كما قال ابن عباد الرندي: سيروا إلى الله عرجا ومكاسير، أي، حتى لو كان الانسان في طريق الله يسير متباطئا أو يعرج، فليسر وليتقدم فانه بهذا يصل حتى ولو كان الوصل بطيئا.

في هذه المدرسة وبالنسبة إلى الجنيد، فالتصوف هو : خلق، جهاد، مقامات وأحوال، معرفة، يجعل حياة الانسان في المجتمع أمرا ميسورا وسهلا، هو في النهاية فتح باب الرجاء في الله أمام كل انسان، حتى لنجد  أبعضهم كانت له القدرة على استتابة كبار العصاة و عتاة المجرمين وهذا طبعا داخل دائرة الرجاء في الله والخوف منه، تصديق الخبر وتنفيذ الأمر أي دائرة أهل السنة والجماعة.

فسبحان من حبب لأهل السنة والجماعة هدينبيه  صلى الله عليه وسلم فرأوه أحسن هدي فاكتفوا به واطمأنت إليه قلوبهم وارتاحت إليه أفئدتهم، وحبب لأهل الضلال لما كرهوا رضوان الله، وفضلوا أقوال شيوخهم على كلام الله وكلام رسول ” سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يأمنوا وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا” فهذا نبي الله صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده عند وجود الاختلاف والتفرق كما أرشدنا إلى اعتزال أهل التحزب.

في حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه البخاري ومسلم وفيه يقول حذيفة:” كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت اسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فأتانا عن الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال : نعم وفيه دخن قلت: وما دخنه؟. قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت : وهلبعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها،  قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت : فما تأمرني إن ادركني ذلك؟ قال: الزم جماعة المسلمين وإمامهم.

قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: اعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.

فهل بعد هذا الحديث من كلام؟.

 

*وجدة : الثلاثاء 27 دجنبر 2016.