في أرض الكنانة، كان مواطنوها، نساء ورجالا يناضلون باستماثة عن حقوقهم وعن كرامتهم، من خلال حركة كفا وغيرها.

كان الوعي حاضرا في ساحات مصر وغيرها من الدول العربية.

لكن الدينامية الأكثر كانت في مصر حينها، هذا من جانب ومن جانب آخر، كانت الفضائيات العالمية تقتل يوميا الإنسان العربي وتزديه ذلا، وهوانا واحتقارا.

هذا أبو عمارة يرحل من أرض الجبابرة في صورة مشوهة، تصرخ بخيانة عربية واضحة.

في العراق تجسد الذل والهوان العربيين حتى قلت في ذلك:

شهيد الحق قم أنبئك بهذا الخبر

خير أمة أخرجت للناس هي اليوم أضعف من نفر

إلياذة كربلائية وجد أبطالها داخل الحفر

على أرض الرافدين أقيمت مجالس للحكم وأخرى لسمر

كان وعي الإنسان العربي بضعف السياسي غير قابل للنقاش و الجدال العقيم. البرغماتية العالمية حطت رحالها في الوطن العربي منذ مدة. والإنسان العربي أصبح مدركا أكثر من أي وقت مضى بان السياسي ضعيف جدا وغير مؤهل في ضوء ما عرفه العالم من متغيرات.

كما أن هذا المواطن في العموم، أصبح مولعا وولهانا بالبرغماتية، لسانه ينطق بالمصلحة العامة ويجعلها قريبة منه لكنه لا يلامسها وبالمقابل الخيانة والأنانية لا تأتي على لسانه ويجعلها بعيدة عنه لكنها لا تفارقه.

الحركات الاحتجاجية في مصر بقيت تبحث باستمرار على الزخم الضروري من أجل النقلة النوعية المنشودة، لكن هذا الزخم كان يزيد وينقص باحتشام شديد وبقي يراوح مكانه، بقيت هذه الوضعية الاحتجاجية الواعية غير قادرة على إيجاد المحرك والدينامو الضروريين إلى حين قدوم لحظة البوعزيزي بتونس. هذا الحدث، حدث البوعزيزي، كان بالنسبة لكثير من الشباب العربي بمثابة آذان الفجر لصلاة الحرية والكرامة.

المغرب، كجميع الدول العربية، تأثر هو الآخر، فكانت حركة 20فبراير.

كان من المقرر أن تحتج هذه الحركة أول مرة بتاريخ 27 يناير 2011، ليتغير هذا التاريخ إلى 27 فبراير ثم تستقر الأمور بعد ذلك على تاريخ 20 فبراير.

كانت حركة 20 فبراير ذات مطالب في كل وقفاتها وتجمعاتها، فهي كانت تطالب بإسقاط الفساد والمحسوبية والرشوة والشطط في استعمال السلطة (الحكرة).

لكن النظام، كنظام سياسي ..لم تلمسه لا من قريب ولا من بعيد، رغم أن البعض، رفع شعارات تريد إبعاد ومحاسبة رجال دولة ..

سنعود إلى حركة 20 فبراير، بعد التذكير بحدث في غاية  الأهمية لموضوعنا.. فلما كان الأخ عبد الرحمان اليوسفي وزيرا أولا، استضافت الصحافية المرموقة مالكة ملاك، المفكر المغربي، محمد عابد الجابري  في برنامجها الناجح: في الواجهة.

في هذا اللقاء، وفي سياق حديثه عن علاقة قادة الحزب التاريخين، بالملك الراحل المرحوم الحسن الثاني، وبالمشاورات بينهم التي لم تنقطع يوما، كما جاء على لسانه، تساءل قائلا: من سيحاور من؟ وهو يستشرف المستقبل أو القادم من الايام.

هذا التساؤل لم يكن من فراغ، بل الاختلاف والتباين  كان قد بدأ بين بعض القادة الرئيسيين في الحزب.

هذا الصراع هو الذي كان وراء كل  ما استجد في المشهد السياسي والحزبي .

في البداية كانت الدولة المغربية تظهر وتتعامل مع حركة 20 فبراير بنوع من الليونة وسعة الصدر، واستمرت على هذا النهج طيلة شهر مارس و أبريل، وحتى منتصف شهر ماي.

بعد ذلك ستتغير استراتيجية الدولة لتواجه بعنف تجمعات 15 ماي، 22مايو 29 ماي.

كانت حركة 20 فبراير تشتغل من خلال تنسيقات محلية، ولم تظهر اللجنة الوطنية لدعم الحركة الا فيما بعد و كانت مكونة من الأحزاب: اليسار الموحد، الطليعة، النهج الديمقراطي، البديل الحضاري، حزب الامة والعدل والاحسان.

كل الاحزاب السياسية الاخرى كانت مواقفها واضحة ولا لبس فيها لحظة انطلاق الحركة، وهو الابتعاد وعدم الدعم لهذه الحركة، باستثناء حزبا العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي.

أما الاول، فلقد خرج بسرعة من الارتباك والشك والتشويش في موقفه. ذلك أن بعض مناضليه وقيادييه كانوا يشاركون وآخرون رافضون لأية مشاركة.

في المسيرة الاحتجاجية ليوم 20 مارس 2011 بالرباط، كان من بين المتظاهرين سعد الدين العثماني، وزير الخارجية السابق وكذلك الرميد وزير العدل، بينما كان عبد الالاه بنكيران وآخرون من أشد المعارضين لأية مشاركة ومساندة لهذه الحركة.

هذا الحزب استطاع إنهاء  حالة الارتباك بسرعة واتخذ موقف الامتناع والرفض لهذه الحركة، لقد كان لعبد الالاه بنكيران دور محوري وأساسي في هذا الموقف.

اما الاتحاد الاشتراكي فموقفه هو الذي يساعد على تفسير ما وقع وحصل لهذا الحزب لاحقا.

في مسيرة 20 مارس 2011، السالفة الذكر، كان للاتحاد حضور قوي جدا، عدد كبير من أعضاء  مجلسه الوطني، كما من المكتب السياسي  وآخرون كثر، بينما لم يلاحظ  وجود أسماء كبيرة  سيكون لهم دور أساسي في قادم الأيام.

الاتحاد الاشتراكي، بقي كحزب في تردد ولم يستطع إنهاءه كما فعل حزب العدالة والتنمية. عدد كبير من مناضليه شاركوا وساهموا في هذه الحركة منذ انطلاقتها الأولى، كانوا حاضرين في معظم التنسيقات المحلية، وبالمقابل كان مسؤولون كبار في الحزب يتحدثون عن “الخصوصية المغربية” و ” هياكل الاستقبال” بمعنى أن المغرب يتوفر على نقابات وأحزاب باستطاعتها امتصاص موجات التردد السلبية لهذه الحركة واحتوائها في نهاية المطاف.

الموقف الواضح للحزب صدر عن  المجلس الوطني للحزب المنعقد بتاريخ 19 مارس 2011، الذي اصدر بيانا اعلن فيه مساندته لهذه الحركة، لقد جاء في هذا البيان بالمعنى ” لا يمكن لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن يبقى بعيدا عن الحركات الشعبية التي تريد تقدم وخير هذا الوطن”.

هذا البيان، معناه بالنسبة للدولة المغربية، بأن هذا الحزب، الذي مارس تدبير الشأن العام وصاحب الأدوار الطلائعية، قد شد عن القاعدة، وبأن قادته أصبحوا غير قادرين على كبح جماح هذا التوجه السلبي داخل هيأته الوطنية ووسط مناضليه وإبقاء الحزب خارج إطار دعم الحركة، في تلك الظرفية، وذلك السياق الاحتجاجي لما عرف بالربيع الديموقراطي ،

فهل اقترب حزب الاتحاد من الشجرة .من باب المنطق العقلي فقط، ليس إلا، فنحن نتكلم  من باب المفكر فيه عقليا ولانعني او نقصد احدا .. هل من الممكن أن  يكون تم التفكير في تغير هذه القيادة ومضايقتها والبحث عن حلول تجعل هذا الحزب يدخل إلى دائرة الانضباط .. ؟

وبمعنى آخر، هل ممكن أن يكون هذا الافتراض، قد أوحى بالجواب على سؤال المرحوم الجابري.

 

 وجدة : الثلاثاء 27 دجنبر  2016.