العلاقة بالتاريخ علاقة اشكالية دون شك ، بل انها تنطوي على كثير من المحاذير وربما مخاطر الانزلاق الى ما ليس مرغوبا فيه، او ما هو مضر بالواقع والمستقبل معا. ذلك ان وقائع الماضي لم تعد وقائع الحاضر ولا ينبغي إقحامها في معطيات الواقع الراهن لأن في ذلك إساءة الى الماضي بمختلف وقائعه بقدر ما هو إساءة للحاضر ورهن غير مبرر للمستقبل.

ان اكبر مؤاخذة على منطق نمط من التفكير الديني السياسي هو بالذات تعاطيه مع الماضي بطريقة تجعل منه ماضيا وحاضرا ومستقبلا في آن واحد. والحال انه ينبغي التعامل مع الماضي باعتباره كذلك، دون زيادة او نقصان. فهل هذا يعني ان الماضي لا يحمل في طياته أي فائدة تذكر، بالنسبة للحاضر والمستقبل معا؟ كلا، انه ذو فائدة كبيرة وكبيرة جدا متى التعامل معه في تاريخيته وفي نسبيته، لأن هذا التعامل هو الذي يحول الماضي الى خزان هام من الدروس والعبر ينبغي استخلاصها لتجنب الكثير من الأخطاء في التقدير وفي مقدمتها التعامل مع الماضي باعتباره حاضرا وهو ليس بحاضر بكل المقاييس، او باعتباره مستقبلا وهو ليس كذلك بالتأكيد.

ان هذا المنطق في التعامل مع قضايا التاريخ ليس حكرا على ذلك النوع من النمط السياسي وانما يسري على كل محاولات استحضار الماضي، كما لو كان كينونة مطلقة، تصلح وتسري على كل زمان ومكان. وهذا خطأ يقع فيه السياسي والمثقف ورجل الفكر ما لم ينظر الى وقائع التاريخ في بعدها التاريخي النسبي. وهو خطأ يقع فيه الليبرالي كما يقع فيه الاشتراكي وكل اصحاب الايديولوجيات الاخرى التي تنطلق من تاريخ تأسيسي لها تقف عنده ولا تحيد عنه، بل وتحاول فرضه على كل واقع رغم كونه واقعا جديدا كل الجدة ومخالفا كل الاختلاف لوقائع وسياق اللحظة التأسيسية الايديولوجية على أهميتها في حينها.

ويبدو ان السؤال الأهم هو كيف يمكن الاستفادة من دروس ذلك التاريخ، لأن تجاهله بشكل مطلق غير ممكن. وكل محاولة من هذا القبيل لا تقل ضررا عن استحضاره كما لو هو قائم بين ظهرانينا. لذلك فان القيام بنوع من القطيعة المعرفية مع ذلك التاريخ الذي يمكن اعتباره تراثا جماعيا للشعب هو شرط الاستفادة منه. ان هذا الانفصال الضروري هو الذي يمكن من جعل بعض من قيم ذلك الماضي وانجازاته محتواة وعامل دفع نوع عيش الحاضر بما هو كذلك واستشراف المستقبل في ضوء معطيات الواقع وممكنات تطوره من خلال إعمال إرادة البناء على أسس موضوعية تكافح التأخر بمختلف تجلياته ولا تترك للتقوقع والانكفاء على الذات أي فرص لهدم كل تفكير في المستقبل.

 

الثلاثاء 10 يناير 2017.