تعود الى ذاكرة الحاضر، بعض مقالات كتبناها في سياقات مختلفة، لكنها تبدو عصية على الترفيف.. ومن ذلك مقال ” وطني ليس حقيبة! ” ، الذي صدر على أعمدة الجريدة ، يوم 18 مارس 2016،على هامش المسيرة الوطنية من أجل الصحراء التي نظمت في الرباط،… وآخر تحت عنوان “ما يتهدد الوطن والوطنية”.. يوم 14 أكتوبر 2014!

هناك، إضافة الى القلب خيط ناظم بينهما، أتحسس نبضه في كل مناسبة، إليكم، مع الاعتذار، بعض مقاطعهما.
1 -تستحق البلاد نضجا أكبر مما يحوم حول اسمها، في منعطف الريبة والألم الذي تعانيه أمميا. وعندما تكون البلاد في زاوية صعبة، لا يحسن بمهندسي الخسارات أن ينتصروا….بأي تعلة كانت! فإذا كان «ليس من حق العصافير الغناء على سرير النائمين»، كما يقول درويش، فلا يحق للكثيرين أن يجتهدوا في تعريف الوطن وهم ممدون على أرائك الضغينة، أو الالتباس، أو في حرير الحياد!

الوطن ليس حقيبة لكي نحشر فيها التحليل الطبقي، والتحليل الغيبي والسخرية المرة من أعطابه والصناعات السريعة للأفكار! غير أن الوطن، بالنسبة للذين بحثوا عنه، في مربع في جدار من زنازين البلاد الرهيبة ووجدوه، يستحق، مع ذلك ، تمرينا في السجال!

ليس الوطن طبقة، نضعها مقابله هو نفسه ، كلما استعصى علينا أن نحرره من التعريف الطبقي:

الوطن ليس طبقة الفقراء، الذين باسمهم نتهمه بأنه يتنكر لهم كلما صفت سماؤه، وتركهم في أيام قمطريرهالصعبة. فقد ثبت أن الكثيرين ممن وضعوا الوطن مقابل الطبقة، في جدلية للنفي القاتل، تركوا الفقراء لقدرهم، واستسلموا لما في البورجوازية من سحر، ودون أن يعودوا بكاملهم إلى الوطن..

وليس الوطن إحراجا للبروليتاريا الباحثة عن انعتاق أممي،

الوطن ليس حتى صك إحراج للحاكم، كان مفترسا أو فريسة.. يُرْفَع في وجهه كلما احتاج الغاضبون من توزيع الثروة أو توزيع المناصب..ذريعة لتجذير المواقف!

الوطن أكبر. الوطن وهو حبة رمل، يكون أكبر من العروش ومن البرلمانات والحكومات ومن الدول في مجموعة العمل الأممي.. وقد أصبح أكبر من الطبقات أيضا منذ ماتت الأممية البروليتارية على مشارف الكولاك! حتى وهو حفنة ماء.. حتى وهو مجرد نوع من الحشرات لا تعيش إلا في «الاركانة»، يكون أنقى من الحسابات.. فلماذا يريدون إعادة تعريفه وهو يواجه تبعيضه؟ للذين يريدون أن يعيدوا تعريف هوية الوطن ، نقول :

أولا تعالوا نحمي حدوده بين أضلع الارض ثم نطرح عليه السؤال… فالأوطان المبتورة لا تحسن الأجوبة عن سؤال الهوية! للذين يريدون إعادة تعريف الوطن :هل هو خلافة على منهاج النبوة أو موطئ للقيامة؟ نقول :تعالوا نحدد حدوده ونحرره من أضغاث الديموقراطية! فالذين يريدونه ورقة تاكتيكية لإضعاف نظام لا يحبونه ، غالبا ما ينتهي بهم المطاف في الضفة الأخرى منه، ولا ينصفهم التاريخ أبدا:لننظر إلى دبابات الديموقراطية في العراق، وفي سوريا. لنعد إلى تاريخ المغرب في العلاقة بين النظام والقضية والقوى المعارضة، سنرى أنها لم تكن أبدا بهذه السذاجة المفرطة، ولا بهذه الميكانيكية التي تجعل النظام يسقط بمجرد أن نترك الوطن في العاصفة!
2 – لا يليق بأي كان أن يجرب حيلة المنتحر، في حق بلاده، ثم يحاول أن يجعل من ذلك عقدة – أو أحيانا -عقيدة وطنية! فالذي يحدث( ـ…) أن الكثيرين يعللون نفورهم من شعبهم لعدم الانتقاء، ايديولوجيا وبشريا وأخلاقيا، من يتظاهر ومن لا يتظاهر.

أولا في حق الدولة الدعوة أم لا للمسيرة من أجل الوطن: -ننسى أحيانا أننا كنا بلدا مستعمرا، وننسى أحيانا كثيرة أن الحماية كانت بعطب في الدولة، وننسى أن من داخل الدولة، بل من داخل الملكية نفسها من ساعد الاستعمار على تبرير استعماره لنا(بن عرفة والباشوات الموروثون والقياد الخونة ، وبعضهم حكمنا في الاستعمار وفي الاستقلال معها وقادة الجيش الإمبراطوريين في الهند الصينية … الخ)، ولهذا ارتبط صراع الاستقلال بصراع السيادة للدولة، حتى أن ادغار فور تفاجأ برد عبد الرحيم بوعبيد عندما رفض استقلالا لا يعيد بنيوسف إلى عرشه، واتهمه بعبادة الطوطم، كما في إفريقيا الجنوب!!! ولهذا عندما تقوم الدولة بترشيد تاريخها والمساهمة فيه من باب الوطنية ، علينا أن نصفق، بدون تمجيد وأن نسارع إلى أن نعترف بأنها لم تخرج عن ميثاق الوطنية الأول، السيادة والعرش معا! كان الوطنيون والتقدميون الراديكاليون يتهمون النظام بأنه “لا وطني”، لأنه لم يكن يساير الإرادة الشعبية في التحرر وكان يسعف النظام الرأسمالي العالمي في تجاربه السلطوية في العالم الثالث:فهل يحسن بنا أن نتهمه بأنه وطني زيادة إذا هو انحاز إلي رغبة شعبه وقواه الوطنية في قضية الصحراء وفي المسيرة؟ أطرح السؤال لأني لا أجيد غيره، فقط!
3 – لا يمكن أن يمنعنا أي أحد من التظاهر للوطن بدعوى أن الدولة عاجزة عن الفهم وعاجزة عن الديموقراطية. ويمكن أن يتعلل الذي لا يقيم للوطن وزنا في سلوكه السياسي، بل من يجد ألف مبرر للقاء الأعداء، بهذا الأمر يمكن أن نجد مبررا لكي نعانق الانفصاليين ولا نجد سببا واحدا لنخرج في مسيرة إلى جانب الوطن.. يمكن أن نجد ألف مبرر لنكسر “الطابو” الخاص بالبوليزاريو ويمكن أن ننام وإياه في سرير واحد ولا نجد مبررا لكي نغادر سريرنا من أجل الوطن.. يمكن الكثير لنصاب بعطب في الوطنية، ولكن لنكن سليمين ونعلن الأشياء بمسمياتها ليحلو السجال! يصعب أن يكون المنطق سليما في هذا ولكن مع ذلك، لا يمكن أن نكون متحررين في الابتعاد عن الوطن وغير متحررين في الاقتراب من أعدائه! ولهذا يبدو أحيانا منطقيا أن نحرج الوطن ونعتقد بأننا نحرج الدولة! كانت المعادلة منذ أول الاستقلال واحدة لدى الوطنيين:

الوطن القوي لا يكون مغلقا على الأقوياء فقط، والوطن القوي هو الوطن الديموقراطي والوطن الصامد هو الذي يشكل أبناؤه جداره القوي، ولكنه الجدار الذي يتحرك!

– يمكن أن نترفع قليلا عن التظاهر مع جملة من المواطنين البسطاء والأميين، ونجد مبررا لكي نسخر” من المخزن”، يمكن تماما أن نفضل السخرية المرة على تعب الشمس والطريق والشعارات، لكن لم يسأل أي من الساخرين:كم من الوطنيين الذين قتلوا وعذبوا في العهد الاستعماري الأول ثم الثاني، كانوا أميين وبسطاء وعاديين مثل شجر السرو في الريف ومثل الأرز في الأطلس؟ يمكن أن نقول لهم:

اتركوا لنا الفقراء والمهمشين ندافع معهم مع الوطن واختاروا منطقة ظليلة في المنطق الدولي لحفظ السلام منا، لكن لا تسخروا من خبزنا ومن بحرنا وهوائنا ومنا .. لأننا نحب الوطن بالكبد لا بمدونات السلوك القانوني في المجتمع الرخو لسادتكم!! التظاهر؟،

ماذا تقولون في الاتحاديين الذين أعدموا صبيحة عيد 1973، ولكن لما استشارهم عبد الرحيم ، إلى جانب عمر بنجلون عن المشاركة في مجهودات الدفاع عن البلاد ، طالبوه بالمشاركة وبقوة لان البلاد كما قالوا ليست بلاد الحسن الثاني، الدول والملوك يرحلون ويبقى الوطن!

– الوطن ليس خارطة للتجريب، وليس مبررا لتخوين أي أحد يبحث عن سبيل أقل لحب البلاد، ربما بزيادة قليلة في العقل على حساب العاطفة. لكن هل يمكن أن نترك الوطن لدولة ثم نستغرب:

لماذا سرقت منا حبه الذي نريده لنا وحدنا؟ هل يمكن أن ننتحر ونقتل أحزابنا وجمعياتنا ونقاباتنا، ثم نقول: يا وطن انتظر حتى ننبعث من الرماد لنشعلها وطنية وثورة؟ هل نترك للبسطاء والطبقات الرثة جمرة في يدهم ثم بعد أن نرتدي القفازات نطلب منهم أن ينسحبوا لكي لا يشوشوا على وطنيتنا الأنيقة الجميلة المعطرة صباح الأحد؟ هذا الوطن لم نأخذ منه مناصب ولا أخدنا بقعا أرضية ولا أخذنا حظنا كاملا من التعليم أو من الصحة، ورثنا أمراضه وأتعابه وقساوته وجلاديه وقتلته و»فقصاته« المغربية السليمة الأصلية، ورثنا حزنه وفقره وبؤسه، واخترنا أبطاله وقادته الأبطال والقادة الأصليين والقادة الشهم والفقراء المناضلين والباعة المتجولين والعسس الليلي في الطرقات والمثقفين البوهيميين الذين يبكون عند منتصف الروح والليل سيان.. هذا الوطن الذي لا نضعه على طاولة التفاوض لا نتناقض معه! اسمحوا لنا سذاجتنا، واسمحوا لنا نزعتنا الإصلاحية المرتعشة واسمحوا لنا جوعنا الثوري وقلة حيلنا في وطننا، ونريد أن نكون جنب الدولة في الدفاع عن الوطن لا جنبها في توزيع الثروات!.

الخميس 12 يناير 2017.