تماما، كما توقعت، في مقالي الأخير بعنوان ” لكل الحاقدين والناقمين و و… على الاتحاد الاشتراكي، أقول:’موتوا بغيظكم'” (حيث كتبت قائلا: “سوف نسمع ونقرأ، في الجرائد الإليكترونية والورقية وفي المواقع الاجتماعية .. لهؤلاء وأولئك، في الأيام المقبلة، “تحاليل” وآراء ومواقف تجتهد في تحويل هذا الإنجاز الذي حققته القيادة الاتحادية، إلى “دليل” على .. نهاية الاتحاد أو غير ذلك من التراهات والسخافات التي تحاول تحويل الانتصار إلى فشل”)، فلم يتم الانتظار طويلا حتى تحركت مياه راكدة وطفا على سطحها فقاعات تحاول أن تنتج صوتا وتحدث ضجيجا أو فرقعة، علها تُسمَع، هنا أو هناك. وبالموازاة مع ذلك، انتعشت “تجارة” كانت كاسدة و”بضاعتها” فاسدة. وقد وجدت مكانا لها في “سوق” الأفكار والآراء، مستفيدة في ذلك من سهولة النشر بفعل انتشار المواقع الإليكترونية.

أما الفقاعات، فيعرف الجميع كيف تنتهي ولا تستق أن يتم الاهتمام بها، هنا. لكن ترويج البضاعة الكاسدة والفاسدة على حساب الاتحاد الاشتراكي، فهذا أمر يستحق أن نقف عنده. 

من حسن الحظ أن ردود الفعل على انتخاب الأخ الحبيب المالكي رئيسا لمجلس النواب، لا تسير كلها في اتجاه تبخيس الانجاز الاتحادي والتنقيص من قيمته. فهناك كتابات محترمة وتحاليل موضوعية، تحيط بالموضوع من كل جوانبه وتعطيه حقه من حيث التناول السياسي والدستوري وحتى الشخصي (أقصد الحديث عن شخصية المالكي ككفاءة علمية وتربوية وسياسية وكخبرة في التدبير والدبلوماسية والعلاقات الإنسانية، الخ). وكتاب هذه التحاليل ليسوا بالضرورة اتحاديين؛ لكنهم أسماء وازنة وأقلام مشهود لها بالرصانة والموضوعية والعمق في التحليل والتفكير. وعلى حد علمي، فإن المقالات التي تسير في هذا الاتجاه تفوق بكثير النوع الذي توقعته والمشار إليه في الفقرة السابقة.

لا أدعي الاطلاع على كل ما كتب أو يكتب حول هذا الموضوع. لقد أصبح من الصعب، بل من المستحيل، أن تتصفح كل الجرائد الورقية والإليكترونية وتساير إيقاع المواقع الاجتماعية. لكن، أحيانا، المعلومة هي التي تأتي إليك دون أن تبحث عنها، كأن يشاركك أحد من أصدقاء العالم الأزرق ما قرأه، فينشره في صفتك على الموقع الاجتماعي الذي أنت منخرط فيه، إما بهدف الإخبار ومشاركة المعلومة لأهميتها، وإما بهدف التشفي.

وبما أن الحاقدين والمتحاملين على الاتحاد الاشتراكي كثر (ولكل دوافعه، بما في ذلك العقد النفسية التي يعاني منها البعض تجاه هذا الحزب)؛ وبما أنه قد سبق لي أن تعرضت لبعض الأمثلة في مقالات سابقة (أذكر منها أحدثها بعنوان ” ترشح المالكي لرئاسة مجلس النواب يخرج الجرذان من جحورها”، جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، 17 يناير 2017) وأجملت في آخر مقال (“لكل الحاقدين والناقمين و و… على الاتحاد الاشتراكي، أقول:”موتوا بغيظكم”، جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، 19 يناير 2017) وجَمَّعت الحانقين والحاقدين والناقمين والمتحاملين والمعقَّدين…، فلا أرى من ضرورة لتقديم نماذج أخرى من مرضى القلوب. 

لكن، لن أسمح لنفسي بغض الطرف عمن بارت “بضاعته” وفسدت، ويسعى لترويجها على حساب الحزب الذي سبق أن أسند إليه عدة مهام ومسؤوليات محلية ووطنية (برلماني سابق، ربما لولايتين؛ مدير مكتب جهوي لجريدة “الاتحاد الاشتراكي”؛ عضو لولايات متتابعة في الجهاز التقريري للحزب…). ولن أنساق وراء التضليل باسم التحليل ولن أنخدع للتظاهر بالغيرة على الاتحاد وعلى تاريخه وزعمائه وتراثه…؛ بينما الهدف الحقيقي هو تصفية الحسابات مع الأشخاص ومع التنظيم.

 فمرة أخرى، أجد نفسي في موقف الدفاع عن الاتحاد الاشتراكي ضد أحد أبنائه السابقين، وليسوا أي أبناء، بل من النخبة التي استفادت من الريع الحزبي، بهذا القدر أو ذاك. وهو ما يؤلمني، من جهة، بسبب الجحود ونكران الجميل؛ ومن جهة أخرى، لكوني أضطر إلى التضحية ببعض الصداقات والعلاقات الإنسانية التي تجاوزت العلاقات التنظيمية والسياسية.     

وأبادر إلى القول بأن الأخ المعني بهذا الكلام، هو إنسان وديع وإطار كفأ وأكاديمي محترم…يتعلق الأمر بالأخ عبد الرحمان العمراني.

لا شك أنه شعر بالظلم حين لم يتم انتخابه عضوا في اللجنة الإدارية الوطنية للحزب؛ خاصة وأنه هو من قرأ البيان الختامي للمؤتمر الوطني التاسع؛ مما يعني أنه كان هو المقرر في لجنة البيان العام. وقد تأثرنا لذلك؛ لكنه ليس الوحيد الذي لم تنصفه عملية التصويت.  

وجبرا لخاطره وكذا لإدماجه في الأجهزة الحزبية لكفاءته وماضيه، تم تعيينه من قبل المكتب السياسي المنبثق عن اللجنة الإدارية، في لجنة التحكيم والأخلاقيات التي يرأسها الأخ عبد الواحد الراضي، والتي تضم بين أعضائها أطرا اتحادية مشهود لها بالتجربة والكفاءة والمعرفة والنزاهة الفكرية وغيرها من الصفات الرفيعة. وسوف يستقيل بعد مدة قصيرة من هذه اللجنة، لحسابات ظهرت بعض خيوطها فيما بعد.

لقد تعمدت إيراد كل هذه المعطيات قبل أن أدلي بمعطيات أخرى، كشفت لي عن حقيقة شخصية عبد الرحمان العمراني، التي بدت لي مهزوزة وضعيفة إلى حد كبير، لدرجة أنه لا يستقيم على رأي، كما سيظهر من خلال المثال الذي سوف أسرده حتى لا أتهم بإطلاق الكلام على عواهنه.

  لقد جمعتنا الظروف مرة بمكناس بمعية صديق كان ثالثنا في مقهى قرب محطة القطار.  وفي انتظار موعد القطار المتوجه إلى فاس، تبادلنا أطراف الحديث حول وضعية “التيار” الذي أسسه المرحوم أحمد الزايدي(لا أتذكر إن كان ذلك قبل وفاته أو بعدها). وبعد أن أسر لنا بأنه هو من صاغ أرضية التيار، أكد بوثوقية  أنه مشروع فاشل ولا مستقبل له؛ وعدد لنا الكثير من دواعي هذا الفشل. وقد فهمنا من كلامه أنه قد قطع كل صلة بالموضوع، خاصة وأنه، فيما أعتقد، كان لا يزال يدير مكتب الجريدة بفاس.     

وتمر الأيام والأسابيع، ويقرر أصحاب التيار، في تجمع بالمحمدية، تأسيس حزب جديد؛ وكم كانت دهشتي كبيرة وأنا أرى عبد الرحمان العمراني واقفا أمام المنصة، يقرأ بيان “قرار التأسيس”. ومرت الأيام وانكمش من انكمش وعاد إلى صفوف الاتحاد من عاد وبقي الإصرار على تأسيس حزب “البديل الديمقراطي”.

لا أعرف بالضبط ما ذا كان دور العمراني في التحضير لمؤتمر “البديل” الفاشل. لكن صورته اهتزت عندي وأصبح فاقدا لكل مصداقية، ليس لكونه اختار توجها آخر، بل لكونه غير قادر على الثبات في قناعاته. ولذلك، لم أستطع التزام الصمت أمام خرجته الأخيرة حول انتخاب الأخ الحبيب المالكي رئيسا لمجلس النواب.

لقد طلعت علينا جريدة “أنفاس بريس” الإليكترونية، يوم الأربعاء 18 يناير 2017، بمقال تحت عنوان رئيسي “عبد الرحمان العمراني يكتب عن دلالات انتخاب رئيس مجلس النواب: ديمقراطية بلا أرقام” وعنوان فرعي “الأستاذ عبد الرحمان العمراني مع مشهد من داخل قبة البرلمان”.

لا يسمح المقام بالدخول في تفاصيل المقال المذكور(وقد أعود إليه مستقبلا، قراءة وتحليلا لكشف مغالطاته)؛ لذلك، سوف أكتفي بإيراد الجملة (أو الفقرة) الأولى منه – وهي كافية لإعطاء فكرة للقارئ عن توجه المقال: “بانتخاب رئيس مجلس النواب في شخص السيد الحبيب المالكي يوم السادس عشر من يناير الجاري في تلك الأجواء، وبتلك الطريقة والإخراج يكون قد تم بصفة مدوية و spectaculaire  تصفية ما تبقى من تركة الاتحاد ويكون التنكر للاختيار الديمقراطي -من قيادة  الحزب الحالية- والذي أفنى الزعيم التاريخي عبد الرحيم بوعبيد حياته يؤسس له، قد وصل مداه.”

والسؤال المطروح، هو من أي موقع يتحدث عبد الرحمان العمراني؟ هل لا زال يعتبر نفسه اتحاديا؟ في هذه الحالة، عليه أن يعرف أن الجهاز التقريري في الاتحاد قد اتخذ قرار المشاركة في الحكومة وفوض للقيادة أمر تدبير المشاورات مع رئيس الحكومة المعين. وما حصل اليوم يدعو إلى الاعتزاز وليس إلى النواح ولطم الخدود.

لقد استبقت القيادة نتائج المشاورات وطرحت ترشيح الأستاذ المالكي لرئاسة مجلس النواب. وقد بينت الأحداث أن الرهان كان فيه ذكاء ودهاء. ولربح الرهان، كان لا بد من البحث  عن حلفاء جدد خارج الحلفاء التقليديين الذين تنكروا للاتحاد. فكان التحالف الرباعي الذي مكن الاتحاد من رئاسة مجلس النواب. وبمعنى آخر، فقد حققت القيادة الحزبية نتيجة أكبر من تلك التي كلفتها بها اللجنة الإدارية. وبالتالي، فكلام عبد الرحمان العمراني ليس له أي سند تنظيمي أو سياسي؛ وإنما هو مزايدة، يتم تغليفها بالغيرة على الاتحاد وغيرها من الأقنعة التي يلبسها البعض لتمثيل دور البطولة خارج الركح.

أما إن كان العمراني لا زال يحلم بـ”البديل”، فعليه أن يحلم بعيدا عن الاتحاد. ولن ينفعه  في محاولة استعادة بريقه وترويج “بضاعته” الكاسدة، لا الهروب إلى الأمام ولا التخفي وراء الكلام الغليظ والتباكي على الماضي التليد. وللموضوع بقية.

 

*مكناس : محمد انفي
الجمعة 20 يناير 2017.