الذين يتعاملون مع المشهد السياسي والحزبي بالمغرب بشكل مجتزأ وخارج سياقات التشكل من المرحلة الاستعمارية الى  استقلال المغرب فالامس القريب ..هم خارج التاريخ والمنطق والواقعية ..فان تعرف عدد و اسماء  احزاب المغرب وتاريخ  وظرفية وحيثيات تاسيس كل واحد منها   يكون اول مقدمات الاجابة التحليلية السليمة عن التحولات التي تفهم من صناع التاريخ والاحداث ..و لاتفهم من طرف “المتطفلين” على الحقل السياسي او الذين  اوحي لهم ان يخربوا كل ما هو جميل وأصيل ليقيموا على أنقاضه وهما منهم  ما لايمكن تصوره …

كما أن المعرفة بالحركة الوطنية المغربية بشقها العسكري وشقها المدني والسياسي والثقافي ومنظومات الحقل الديني  المقاوم للاستعمار   سيضعك أمام صورة تركيبة  للهياة /الحزب  المشكل من كل الوطنيين والوطنيات منذ أواسط الثلاثينات مرورا بعريضة المطالبة بالاستقلال إلى تحرير الوطن .. والمشاركة في بنائه بممارسة المعارضة القوية المعطاءة  …أو المشاركة في عدة محطات في حكومات البلد باختلاف في أسباب نزول المشاركة …وسيسجل تواجدا واضحا ومتميزا  وممنهجا للتكنوقراط في جل الحكومات إن لم نقل كلها ..إضافة الى كل هذا يقبل  الجميع اقتناعا أو تقية او بمسحة نقدية تتارجح بين اعتدال يتماهى مع واقع الحال او بشحنة مشبعة برفض يمرر من بين طياته رسائل واضحة ومشفرة يريد من ورائها اعطاء صور موغلة في الاصلاح الذي لايغير ولا يلغي كل شيئ ..بل يبتغي  جعل الجميع مؤمنا ومدافعا عن القيم الانسانية الكونية باعتماد هيكلي عملي لضوابط الديموقراطية والحكم العادل لمصلحة كل الشعب وخاصة فقراءه والكادحين منه …

وعند تأملنا لتركبة كل الحكومات سنجدها  كانت تتأرجح بين الحكومات التكنوقراطية والحكومات المطعمة ببعض الاحزاب الوطنية التاريخية ..وأحيانا حكومات ائتلافية وطنية لتدبير مرحلة انتقالية أو لمواجهة ظرفية استثنائية حرجة ..

وعندما نتامل تركبة وتشكلة المؤسسات المنتخبة من جماعات ترابية محلية واقليمية وجهوية  وخاصة الوطنية بالمؤسسة التشريعية سنجدها ترتكز بشكل واضح على  الفلسفة المعتمدة في بناء المشهد الحزبي في الواقع العام والمشهد السياسي المؤسساتي ..فلا مجال للصدفة والعشوائية  لضبط  حركية وصيرورة  السياسة … ولا  فرص يسمح بها  في تحركات السياسيين للانقلاب السياسي على منهجية التناوب على الحكم  بالمسؤوليات الحكومية بنية وسعي للتحكم  في هياكل الدولة ومن ثم الشعب  …

إن  تجمع النخب التي تتواجد بالمؤسسات التشريعية  بعد كل عملية انتخاب  عام بناء على عدد الاحزاب  بالمغرب  وطبيعة العلاقات الاجتماعية والقبلية والمصالحية  واعتبارا لمعطيات متجددة تتجاذب اصوات المشاركين ..يمكنها  أن تشكل أية أغلبية تضمن الاستمرارية وتسمح بالحد المتوافق عليه للتجديد وإعادة البناء ..القاعدة فيها دائما هي انه لايمكن لاي حزب ان يحكم ويسير امور الدولة بمفرده ..كما ان القاعدة الثانية هي ان اغلبية الاحزاب يمكن تصنيفها على انها ليبرالية او يمينية تتقاسم نفس المرجعيات والاهداف وتعتمد باختلاف بسيط لايدرك نفس المنهجية ويمكنها ان تكون دائما هي الاغلبية التي ستحكم اما مجتمعة او باتمام  البعض منها  للاغلبية العددية التي سيحتاجها الحزب الذي حصل على مقاعد اكثر …

لهذا يمكن ان يؤدي التوافق السياسي الى هيمنة مجموعة من الاحزاب على أهم المسؤوليات بالحكومة والبرلمان وبالجهات والاقاليم والجماعات …كما يمكن ان تفرز اغلبيات مختلفة في مكوناتها تجمع بين الاضداد  من الاصدقاء و”الخصوم” و”الاعداء “..فالحليف في الحكومة قد يكون خصما بالجماعة او الاقليم اوالجهة و العكس كذلك  …فالخطوط الحمراء  المعلن عنها في تشكيل الحكومة لايعمل بها خارجها  وغير ملزمة احيانا ..بل تتحكم المصالح والتوافقات والخصوصيات المحلية  لتكوين اية اغلبية …

فالجديد في هذه الانتخابات كالتي قبلها هو ان دستور 2011. يشترط ان يكون رئيس الحكومة من الحزب الاول في عدد المقاعد الذي  يعهد لعضو منه ان يقوم  بتشكيل الحكومة …وقبل هذا فالتحالفات هي التي تحسم في كل شيئ ولا افضلية للاول من حيث المقاعد على غيره وانما هو  واحد مثلهم …

ان ظرفية الربيع الديموقراطي ببلادنا في علاقة بالتحولات الحاصلة في بلدان اخرى سواء بشمال افريقيا او خارجها ..والاصلاح السياسي والدستوري الذي  صاغته الدولة وتم تنزيلة  في اطار توافقي هو الذي جعل بعض الاحزاب تسهل امر تشكيل الحكومة المنتهية ولايتها ..و تساير ما تم تسطيره في البرنامج والقرارات الحكومية  التي طغت عليها تحركات و خطب حكومية  اقرب الى العمل الحزبي والدعوي والشعبوي المغلف بالمظلومية   منه الى سياسة عمومية للدولة ..كما انه لم تسلم اغلب الاحزاب يمينها ويسارها و الحركة النقابية والعديد من قوى المجتمع المدني والمثقفين من  شظايا المعارك والغزوات الوهمية الكلامية التي استغرقت كل سنوات الحكومة السابقة …فصبر وتجاوز مكونات الاغلبية السابقة “راعى ” دقة المرحلة لتجنب اي عطب قد يؤدي الى فقدان الحكومة لاغلبيتها منذ السنة الاولى من تشكلها  .. ومبررات مبادرة حزب الاستقلال الانسحاب من الحكومة  تصب في هذا المنحى  ..ليقوم التجمع الوطني للاحرار بدور المنقذ حتى اتمام  ولاية الحكومة …

اننا اليوم امام مشهد منتظر تاخر ظهوره ليبرز الى السطح بقوة خاصة بعد ان استمر  الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة على نفس سياساته السابقة في تعامله مع الاحزاب  لم يسلم منها الا حزب التقدم والاشتراكية …لهذا عندما اختل  التوازن في ادارة الحوار لتشكيل اغلبية مريحة وقوية ومنسجمة تقوم على برنامج واضح يحدد المسؤوليات والمهام  والمنتظر عمله لمصلحة الدولة والبناء المؤسساتي والمواطنين ..ولمصلحة القضية الوطنية وتقوية مكانة الدولة المغربية في المنتظم الدولي والقاري بما يقوي الوحدة الترابية ويفتح ابواب التنمية الاقتصادية والاجتماعية في اطار من التكامل والتعاون بين المغرب وافريقيا والعالم العربي والاسلامي  من جهة والعالم  بتكتلاته المختلفة من جهة اخرى …

هذه الوضعية التي تعتبر بداية من بدايات متسلسلة لضبط المشهد السياسي والحد من ” انزلاقاته”  التي تسيئ الى مسارات  تجديد الدولة .. تتطلب  ان يتم التوافق على كل شيئ مع من سيشكلون الحكومة بما في ذلك المناخ والسلوك السياسي بين مكونات الاغلبية المنتظرة وامتداداتها الحزبية والاعلامية …فالعمل بوجهين والسير على حبلين واضمار نية وتصريف  نقيضها اصبح قضية مفصلية الحسم فيها كقواعد اخلاقية  ستطمئن من سيشارك في ادارة الولاية الجديدة مع ضرورة مراجعة جملة من القرارات السابقة بما يتجاوب مع مطالب  الشعب والحركة النقابية والحقوقية ..من اجل التحفيز على الاهتمام بالعمل السياسي بدل المزيد من الجفاء والمقاطعة للمؤسسات  والتوجه نحو المجهول …

ان الوضع يحتاج الى نقاش قوي وموضوعي وعلمي نصل به : .. الى اصلاح سياسي عميق يمتد اشعاعه الى كافة مكونات الشعب ..والى تطوير وتحديث وعصرنة القوانين والياتها.. والى اجراء اصلاح دستوري  يقوي الدستور الحالي و مبادئه الانسانية والكونية والديموقراطية ..والى ان ينخرط الجميع من اجل تحقيق عدالة اقتصادية واجتماعية بثورة ثقافية وتربوية تقطع مع الجهل والتخلف والامية بكل انواعها ..والى تخليق فعلي للحياة العامة …

 

 الخميس 19 يناير 2017.