في وطني يصبح السياسي قديسا، والصحافي ملاكا، ومن لا مهنة له محللا.. في وطني الذي أثخنوا بالجراح جسمه، ونخروا عظامه، وملأوا بالثقوب وجهه حتى صار أكثر من الغربال بالعيوب، كلهم صاروا ديمقراطيين، اشتراكيين، ولايجدون حرجا في تصنيف أنفسهم ضمن خانة القوات الشعبية، وباسمها يطلقون العنان، فسادا لا إصلاحا، لألسنتهم، ويوغلون، قتلا لا إحياء، سيوفهم، بعدما استعصى عليهم الأمر، علّهم يرونه جثة هامدة؟

في وطني الكل يتحدث عن حزبي، “الأصولي”، “اليساري” و”اليميني”…، المالكي والشيعي…، المسلم، المسيحي، البوذي واللاديني…، “الفحل” و “المثلي”…، الكل بات يهمهم مصير الاتحاد، وجميعهم أدرى بمصلحته، أصبحوا بقدرة قادر على كلمة واحدة سواء، يعلنون من خلالها أنهم أبرّ به من بناته وأبنائه، وأكثر حرقة عليه من مناضليه، ولو تأتى لهم لـ “أعدمونا” واحدا واحدا؟

يتحدثون اليوم عن حزبي، وعن تاريخه وسنوات النضال، يتكلمون عن مجد عنوانه القتل والاختطاف والنفي والاعتقال، يتحدثون عن كرينة وعمر والمهدي، عن الجابري عن جسوس واليوسفي…، وتناسوا أنهم إلى وقت قريب جلدونا صغيرا وكبيرا، وأشهروا صكّ اتهامنا وجعلوا كل واحد منا متآمرا انقلابيا، ووصفوا النضال من أجل الديمقراطية خيانة وغدرا، والتناوب السلس الذي خدم البلاد وأمّنها، نعتوه هو الآخر بالصفقة واعتبروه خذلانا، ثم عادوا يوم أعدمت المنهجية الديمقراطية منتشين مهللين واعتبروا لحظتها تتويجا ونصرا!

هؤلاء هم الذين يتكلمون اليوم، مرددّين ما أملي عليهم قوله من كلام غيرهم، الذين أجّروا أفواههم وأقلامهم وضمائرهم، الذين يبيعون الوهم، ويزينون الباطل، وينهشون في لحم غيرهم، الذين يعلنونها حرقة في كبدهم، ويدّعون ألما يسكنهم لمآل “حزبهم”، وهم لم “ينتموا” إليه يوما، ويصرحون أنهم اتحاديون بالفطرة، وهو ما يمنحهم “الحقّ” لأن يصفوه وقيادته ومناضليه بالوصف المشين المهين الذي يشتهون، فيقذفون ويسخرون، والموت له يتمنون، لعلّهم في جنازته يمشون!

هؤلاء الذين للحسابات يصفّون، والأجندات يخدمون، ولما تم طبخه في الدهاليز ينشرون، هؤلاء المكلومون بانبعاث الاتحاد الذي له يوما لم يدعموا، وفي استحقاق انتخابي لأجله لم يصوتوا، الذين إما قاطعوا أو لتوجيه في التصويت امتثلوا، الذين لم يدّخروا جهدا في محاربته، ومع ذلك يعلنون اليوم أنهم “قوات شعبية”؟

قوات حقد وتصفية، يصرّفون نقمة أبدية، ضد الوردة الاتحادية. قوات يصيبها العمى عن كل ملفات الفساد التي تهلك البلاد والعباد، ولا تبصر إلا حزبا اتحاديا، قوات تخرس ألسنتها وتصاب بالبكم عن فضائح بالجملة، عاجزة أن تشير بأصبعها لمكمن الخلل حتى في الظلام، لكنها تطلق العنان للسانها متى سجّل حزبنا موقفا من المواقف التاريخية، في تأكيد على كونه ليس رقما بل هو معادلة أساسية، ضدا عنهم وعن المتربصين بالديمقراطية.

 

الجمعة 20 يناير 2017.