اقترحنا اصطلاح «المُجتمع النصّيّ» في كتاب «إدانة الأدب»، الذي كان ردًّا على كتاب «الأدب مُهدَّد» لتزيفتان تودوروف، بغية فهم كيفية تكوّن الشرعية التي يحتاج إليها المكتوب، كي يندرج في حقل الأدب، بما يعنيه هذا من اعتراف رمزيّ بانتماء مُنْتِجِه الفعليّ إلى زمرة كتّاب الأدب. ونُريد اليوم في هذا المقال تعميق هذا الاصطلاح بما يجعله مجالًا للاشتغال النقديّ، ولِتَفَكُّر الفاعلية الأدبيّة على نحو مُغاير.

كان هناك- قبل اقتراح هذا الاصطلاح- اصطلاحٌ آخرُ رائجٌ في المجال النقديّ، ويتعلّق الأمر باصطلاح «جماعة القرار» (رولان بارث) التي تتحكّم في صياغة التوجّهات العامّة للإنتاج الأدبيّ خاصّة، والفنّيّ عامّة. لكنّ هذا الاصطلاح لم يُربط بالحقل النصّيّ، ولم تُصغ مستويات فاعليته بالدقّة المطلوبة، كما أنّه اصطلاح عامٌّ قد يشمل الإنتاج التخييليّ الذي سبق الأدب. وقد جاء اصطلاح المُجتمع النصّيّ ليُغطّي مسائل محدَّدة هي كالآتي: أوَّلًا، الماصدق الذي ينطبق عليه، أي مُحتواه الواقعيّ. وثانيًا، تطوّره بفعل آلية الصراع. وثالثا، تحكُّمه في سمت القراءة وتوجّهاتها الكبرى. ورابعا، عملية التنميط التي يقوم بها.

أـ ما المُجتمع النصّيّ؟ أكيد أنّ الأمر يتعلَّق بتجمُّع ما، لكنّه تجمّع غير منظَّم وفق تخطيط أوليّ مُسبق؛ فهو بمثابة أفق استراتيجيّ يجتذب حوله فواعلَ مُحدَّدة تهتمّ بالنص إنتاجًا (الكتّاب)، وصناعة وتجارة (دور النشر- المكتبات- المجلّات- الصحف)، وتمثيلًا (جامعات- جمعيات- اتّحادات الكتّاب)، وتلقّيًا (القرّاء). ولا يُعَدُّ مُؤسَّساتيًّا بالمعنى الذي يخضع فيه الأفراد للتطابق مع قوانين جاهزة مُسبقة تسهر على احترامها فواعلُ مُنصَّبَةٌ على نحو إداريّ، بل هو ذو شكل عبر مُؤسّساتيّ ديناميّ يُعيد بناء نفسه قياسًا إلى المصالح الرمزيّة المُتعلِّقة بالهيمنة المُستنِدة إلى الصراع حول المُنتج الأدبيّ، كما سنتطرق إليه لاحقًا، لكنّ هذا التنظيم الديناميّ يدخل في علاقات مع ما هو مُؤسَّساتيّ (دور النشر- المجلّات- الصحف- المكتبات- اتّحادات الكتّاب- الجامعات)، لا من أجل الاستجابة إليها، بل من أجل جعلها تتجاوب مع الصراع فيه.

ب- كيف يحدث الصراع داخل المُجتمع النصّيّ؟ يؤول الصراع إلى المُجتمع النصّيّ من طبيعة دينامية الأدب نفسه، فلم يَعُد الأمر فيه كما كان في الأقوال الجميلة نتاج توجيه عموديّ مُتعالٍ من صميم السلطة السياسيّة التي تُترجم في هيئة أشكال مُعمَّدة تتجاوب مع الإيديولوجيا العامّة التي تتبنّاها، بل صار نتاج حركة أفقيّة بين اختيارات تكتسي في بداياتها طابعًا فردانيًّا لا تلبث أن تتشكَّل حولها مجموعة مُوسَّعة؛ وهو بهذا يعكس خاصّية التخييل الأدبيّ الحديث الذي يتأسس على التعارض بين الخاصّية الفردانيّة والرأي العام الذي يُمثِّله المُجتمع العامّ. ومن ثمّة يُعَدُّ مفهوم الأدب صيرورة مُنفتحة على التحديدات التي تتغاير بفعل الصراع بين فواعل المُجتمع النصّيّ حول حيازة مفهومه. ويتأسّس هذا الصراع حول من يمتلك الصلاحية لتقرير ما هو أدبيّ ممَّا ليس كذلك، بما يعنيه هذا من امتلاك حقّ التكلُّم في شأنه، والمُساهمة في توجيهه، وصياغة أسئلته، ومن تعميد للنصوص وتكريسها بوصفها مُمثِّلة للخاصّية الأدبيّة (النقد). كلُّ هذا الصراع هو مُرتبط بمصالح (هابرماس) فئات مُعيَّنة ومدى مُراعاة المُنْتَج الأدبيّ لهذه المصالح. وينبغي النظر إلى هذه المصالح بوصفها غير مُباشرة، لا تعلن عن نفسها صراحة، بل تُتَرْجَم إلى أهداف استراتيجيّة على مُستوى الشكل الأدبيّ. بيد أنّ الفئات المُكوِّنة للمُجتمع النصّيّ لا تُعَدُّ مُنسجمة، بل هي مُتنافرة بحكم تعارض المصالح بينها. ولا يُعَدُّ الصراع تامّا حول توجيه الأدب فحسب، بل هو أيضا صراع حول المواقع، بما يعنيه هذا من سعي إلى الهيمنة التي تُفضي إلى التحكُّم في المُجتمع النصي، والتمكن من الآليات الرمزية التي تسمح بتوزيع الشرعية على الأفراد (الكتاب) داخله والاعتراف بهم. ويُمْكِن لنا أن نتحدَّث- هنا- عن علاقات القوّة التي تتحكَّم في تنصيب من يمتلك صلاحية التقرير في جودة النصوص أو عدمها (لجان الجوائز- لجان القراءة في دور النشر- هيئات التحرير- لجان التحكيم). ولا يُمْكِن فصل هذا الصراع عمّا يعتمل في المُجتمع العامّ من صراع حول المنافع.

ج- المُجتمع النصّيّ والقراءة: يصير الصراع داخل المُجتمع النصّيّ عديم الجدوى إذا ما نُظر إليه منفصلًا عن الفاعلية المُتوخّاة منه، وهي بكلّ تأكيد فاعلية شكل جماليّ يُترجم أهدافًا استراتيجية في فهم العالم. لكنّ هذه الفاعلية مُرتبطة بالقراءة، وبرسم حدودها، وشكلها والغاية منها؛ ممّا يجعل من القارئ محورًا مهما في هذا الصراع، بل موضوعًا له؛ إذ تظلّ الغاية من الإنتاج الأدبيّ ماثلةً في الاستحواذ على القارئ، لأنّ به يُقاس مدى سريان فاعلية المُنْتَج الأدبيّ وعدمها. وينبغي التنبّه إلى أنّ الصراع تامٌّ دومًا- في هذا النطاق- بين توجُّهيْن يُترجمان الحفاظ على هيمنة نصّيّة رمزيّة قائمة، وصعود تيّار مُهدِّد لها. ويُمْكِن نعت هذين التوجّهين كالآتي: التوجُّه الذي يسعى إلى تكريس قراءة سائدة مُهيمِنة سلبيّة مُتآلِفة مع الأشكال المُهيمِنة ومُتطابِقة معها، والتوجُّه الذي يسعى إلى خلق قارئه المُختلف المُستقبليّ. ولا يشتغل هذان التوجُّهان على نحو آليّ؛ إذ قد تتخلّل هذا الصراع فترات فتور أو يأس تجعل من الحركات الثوريّة الساعية إلى خلق القارئ المُستقبليّ تتراجع، ويصير فعلُها مُتَّصفًا بالردّة، كما حدث بالنسبة إلى الحركة الأدبيّة التي نشأت مع الرواية الجديدة في فرنسا.

د- المُجتمع النصّيّ والتنميط: يقصد هنا بالتنميط الإشارة إلى العلاقة بين الشكل الأدبيّ المُفرَد الملموس (النصّ) والشكل المعياريّ (الجنس الأدبيّ والنوع الأدبيّ)، ومدى التطابق بينهما أو الاختلاف. ولا يُمْكِن فصل التنميط عن القراءة أيضًا؛ فالمُجتمع النصّيّ يسعى في الأغلب إلى تكريس الأشكال بجعلها معياريّةً مُستجيبةً لمعايير إجناسيّة أو نوعيّة مُعيَّنة، بل يسعى إلى جعل كلّ الأشكال الثوريّة التي قامت على هدم ما سبقها مُتَّصفة بمعيارية مُعيَّنة؛ أي تجميدها على نحو تصير معه مُتضمِّنةً في داخلها العناصرَ الفنّيّة التي تسمح بتعرُّفها وتكرارها؛ فمن طبيعة القراءة أنّها لا تستهدف المعنى فحسب، بل الشكل أيضًا، وربّما كان هذا الأخير هو الأساس. وينبغي فهم القراءة – في هذا الإطار- بوصفها فعلًا يبحث عن المُغايِر المُختلف، بما يعنيه هذا من جدّة، لكنّ المُجتمع النصّيّ يُحوِّل في نهاية المطاف – بحكم القوى المُهيمِنة فيه – هذه الجدّة التامّة على مُستوى سُنَن القول إلى نموذج تمثيليّ لأهدافه الاستراتيجيّة في إنتاج الأشكال التخييليّة.

 


الخميس 26 يناير 2017.