نستورد في الوطن العربي كل شيء. نستورد الغذاء والملابس وشؤون العيش اليومي، ونستورد السيارات والطائرات الدراجات والعجلات وناطحات السحاب، نستورد الزرع والضرع والدواء ومحركات كل الآلات، بما فيها محركات الفحولة والاستثارة الجنسية. خيالنا الجنسي ذاته مشبع بصور “ساخنة” تأتينا عبر قنوات “باردة” تنمط اللذة وتودعها في الاستيهامات بعيدا عن حميمية اللقاء ودفئه.  

بل نستورد ما يجلب الموت والدمار كالقنابل والمدرعات والغواصات وراجمات الصواريخ. ولا ضير في ذلك، فهي آلات صماء بكماء بلا قلب ولا ذاكرة ولا تأثير لها خارج وظيفتها المباشرة. إنها موضوعة للفعل والاستعمال خارج هوى النفس وامتداداتها في الماضي والمستقبل على حد سواء. فالمضمون سر مودع في الأشكال بعيدا عن إكراهاتها. إنه ثاو في الذهن الذي يعيد صياغة كل شيء وفق “خصوصيات” وهمية تعشش في الأحكام وأشكال التقدير، وتكيف المضامين القديمة حسب ما توده الأشكال الجديدة. كل شيء يأتينا، خارج ما صنعت يدانا، معلبا وجاهزا للاستعمال. إن الأمر يتعلق بسيرورة “تحديثية” تتحقق خارج الزمنية الإنسانية وخارج سيرورتها في التاريخ. 

إن استيراد الآلات لا يثير الخوف والريبة والحذر، فالآلات تنتمي، في ذاتها، إلى المتاح المادي الإنساني الجديد الذي غير من إيقاع الحياة ومن واجهاتها المرئية. فقد وسع من دائرة الرؤية والسمع وقلص المسافات وألغى الحدود ونشر المعرفة في كل أرجاء المعمور. بل قام بأكثر من ذلك، لقد قدم لنا “البدائل الاصطناعية” التي مكنتنا من تجاوز محدودية الإدراك الحسي والتنقل في الفضاء وفي الزمان. ولم تعد هناك حدود إلا في السياسة والإيديولوجيات، القديمة منها والجديدة، أما الفضاء فكوني ومفتوح على كل شيء، والافتراض فيه أقوى من حقائق الواقع.

إنه تحديث شامل: وفرة في الحواسيب الكبيرة والصغيرة والهاتف المحمول والطريق المبلط والقطارات، ومكيفات الهواء، وما تشتهيه النفس من مشاهد تأتينا عبر شبكات التواصل الحديثة دون حسيب أو رقيب. ولكنه “تحديث” أجوف بلا روح ولا طعم ولا غاية. إنه مفصول عن محددات “الحداثة” باعتبارها رؤية وطاقة وجدانية وتقديرا للحقيقة والزمن وزاوية للنظر. إنه تحديث يتسرب إلى الذهن في شكل فقاعات سرعان ما تتحطم على صخرة العلاقات القديمة الثاوية في وجدان الفرد والجماعة على حد سواء. فكل شيء يتم في الممارسة الفعلية، رغم كل مظاهر التحديث، وفق ما تقتضيه سلمية ثقافية موروثة، ثابتة لا تتحرك: إنها تتحكم في خانات تصريف الأفعال وتقديرها، وتحدد قياس حجم الانفعال ورصده في انفصال عن مثيرات ما يأتيه من خارجه.

وحده الفكر الذي قد يُنسب ويعلل ويربط الظواهر بأسبابها البعيدة والمباشرة، يثير الريبة والحذر والشبهات، ووحدها الأنماط الجديدة في التفكير الرافض للمطلقات في الدين والقيم والأحكام يمكن أن تشكل خطرا على الهوية وتهديدا لوجودها. إن الأمر يتعلق بتحديث طارئ لم يكن حصيلة تطور موضوعي مستقل نتعلم في سيروراته كيف نكبر ونحلم ونحب ونستوعب ونتخلص ونبني الجديد داخل تاريخ مرئي في وقائعه لا في تفاصيل محكياته.

يرفض الفرد المكبل بالتقليد “اللحظة” كما يمكن أن تتسلل إلى الذهن باعتبارها قيمة معاصرة تحتفي بالكوني الذي يَعِد بالعودة إلى إنسانية جديدة تحمي “فضاء” الفرد من عسف المحيط، ويحتفي بها كما يمكن أن تتحقق في الوجه المادي للحياة. تستمد القيمة عندنا مضمونها من عقيدة تخصص وتفصل وتميز، لا من ثوابت إنسانية تجمع وتفرق وتعمم وتوحد. إنها مفارقة عجيبة: إصرار على فصل المضامين عن أشكالها، وفصل النتائج عن الدفق الزمني الذي يقود إليها، وإفراغ للموضوع من حمولته الحداثية وتحويله إلى وعاء يعيد إنتاج المضامين القديمة. إن الأمر يتعلق بتحديث بلا حداثة. لذلك لن تقينا ناطحات السحاب من نقع الرمال، ولن تسعفنا المفاهيم الجوفاء في رؤية ما بداخلنا دون وسائط. فنظامنا القيمي مبني على التوازي بين الخير والشر من حيث تقوم إيجابية الأول بالتغطية على سلبية الثاني، فالقيمة لا تتحدد في ذاتها، إنها موجودة استنادا إلى “مكاسب” ممكنة أو ” عقاب ” محتمل”.

إنها ثنائية تستعصي على الاستيعاب داخل ممارسة اجتماعية قادرة على استيعاب تناقضاتها ضمن دورة حلزونية تقود إلى نمو مطرد لا يتوقف عند حد، كما يوحي بذلك منطق الاسترجاع ويؤكده ( الاسترجاع feed back بالمعنى السبراني للكلمة، وهو مفهوم يشير، في تصور نوربيرت فيينر، إلى قدرة الفعل المنجز آنيا على التأثير في سبب حدوثه استنادا إلى نسق يبرره )، فلا شيء”خطي” ولا شيء ثابت ولا شيء كلي. إن النسق، ضمن حالات التحديث هاته، “سلبي” لا يتحكم في التناقضات ولا يوجهها، إنه يكتفي بتصنيفها خارج ممكناته. إن الزمنية القيمية، استنادا إلى ذلك، هي خلاف الزمن الفيزيائي: الأولى حلزونية تستوعب الثابت وتسقط احتمالات الخرق وممكنات الخروج عن قواعد النسق الذي ينظم الوجود ويضعه للتداول ويعيد إنتاجه، أما الثاني فكلي ومسترسل وموجود خارج الوعي الذي يدركه ويسرب الإنساني داخله. وضمن الأولى تتحقق الحياة وتكشف عن طاقات التطور داخلها.

هناك من جهة حالات تحديث دائم: زحف مستمر للتقنيات والإسمنت والعمارات التي تنبت كالفطر السامة في كل مكان، وتنتصب، في الجانب المقابل، حالات نكوص قصوى تطوق إنسانا “مبرمجا” بشكل مسبق داخل خطاطات ثقافية ثابتة تحدد له كل شيء في حياته : فهو لا يعاين ولا يرى ولا يستمتع ولا يحكم استنادا إلى ما يأتيه من المتاح الحضاري، ففي الذاكرة والوجدان ما يكفي من المعاني والأحكام والسياقات المضمرة لتقدير ما يقع أو ما يمكن أن يقع أو ما يُخشى وقوعه درءا للضرر المحتمل، فالحياة لا تستوعبها وقائع اليومي، إنها في أرشيف ذاكرة “حية” في كل شيء. والحال أن “العائد لا يمكن أن يكون مكتشفا” ( عبد الله العروي).

لقد فقد الفرد المهجن كل أشيائه القديمة، ولكنه احتفظ بوجهها القيمي. خرج من البراري والصحاري وترك وراءه الخيمة والأعشاش البائسة، وتسلل مثقلا بالتقليد إلى العمارات وناطحات السحاب يجر وراءه ما شاء له من التمائم والتعاويذ التي قد تحميه من “الدوار الحداثي”، وتقيه شر الذوبان في عالم سريع الإيقاع في النمو والتحول والتجدد. داهمه “التحديث” على حين غرة، وتمكن من كل شيء في حياته، واستمر التقليد حيا فيه، مبثوثا في التفاصيل الدقيقة وما توارى خلف واجهات التزيين “السياحي”. لقد أطلق التحديث العنان لمحيط مادي مطاوع، وحدَّت من انطلاقة الفرد لائحة طويلة من الممنوعات والمحرمات، هي خلاصة سلسلة من المعتقدات الثقافية والتصورات المسبقة التي استولت على الفضاء العمومي وقلصت من إمكانات الإبداع فيه.

والمحصلة بزوغ عينة من الكائنات الغريبة التي تستقبل الحياة في شكل أحكام مطلقة في الدين والقيم وتدبير الوجدان، وتُصَرِّف أمور الشأن اليومي استنادا إلى منتجات الحضارة الحديثة. إنها كائنات هجينة تتوزعها انتماءات لا حصر لها ولا عد، فهي مشدودة إلى ماضي حي في العلاقات وفي الذاكرة، ولكنها تتحرك في فضاء تزينه منتجات حضارة تجدد نفسها باستمرار. فاللحظة لا تعاش باعتبار مضمونها الزمني المباشر كما هي في ذاتها، إنها حاضنة لكل الأزمنة: إنها ممتدة في كل الاتجاهات، فقد تحيل على زمن الأساطير وسلطة الجن والكائنات التي لا ترى، وقد تشير أيضا إلى زمن الافتراض الذي يستثير الآتي من مكامنه عبر إسقاط “مشاهد فعلية” من العالم المتخيل أو القابل للتخيل فقط.

 لكل مدينة عندنا وجهان: وجه “لحداثة” زائلة، وآخر “لأصالة” لا تبلى ولا ينال منها الزمن، الأول متاع “للحياة الدنيا”، والثاني من أجل التذكير بآخرة آتية لا ريب فيها. تماما كما هو الفصل القطعي بين “أحد” خاص بكل “الكفار”، و”جمعة” سُيرت للمؤمنين وحدهم. إننا أمام زمنين لا رابط بينهما إلا في الظاهر: الأول أصلي ثابت ودوري ومطلق يحتضن البداية والنهاية ويقتات بالمحكيات، إنه دار البقاء، أما الثاني فخطي وعرضي وآيل إلى زوال لا ريب فيه، ويحتضن وقائع التاريخ الوضعي، إنه دار الفناء.

لقد تسربت هذه الثنائية إلى كل مظاهر الوجود: إنها في الأخلاق والسياسة والاجتماع وإنتاج المعرفة وتداولها، كل شيء “مبني على التخفيف”: لقد اكتفينا في كل المجالات من الغنيمة باستيراد مفاهيم تستعصي، بطبيعتها، على الاستنبات خارج روحها ومحدداتها. سقط مضمون الحداثة في الطريق إلينا، ولم نعثر في الجراب سوى على سلسلة من الأحكام المفصولة عن ذاكراتها وأصولها، وعن سبل التفكير التي قادت إليها. لقد تحولت المفاهيم في أيدينا إلى مقاسات جاهزة تغني عن جوهر الموصوف، إنها تأتي بالمعنى جاهزا ولا تكشف عن سره. خطاطات جوفاء بلا عمق ولا سمك ولا سحر؛ تقنيات ميتة تستبيح الظواهر وتصبح داخلها متشابهة في الوجود وفي الاشتغال، وتتساوى الأشياء في الاستعمال والتداول والاستهلاك.

تستوي في ذلك كل المفاهيم، الديمقراطية والعقلانية والعلمانية والحداثة، وما ينتمي إلى الفكر في الأدب والاجتماع والفلسفة. لقد أفرغت من مضامينها وحشيت ببقايا فكر كسيح يراوح مكانه ويقتات من نصوص لا يأتيها الباطل من كل الجهات: قد يغنينا التحديث عن الحداثة، وتغنينا الشورى عن رأي الرعاع، وقلب المؤمن أقوى من كل التقديرات العقلية، وما يأتي بعد ذلك ليس سوى محاولات للتشويش على نقاء الهوية وصفائها. لسنا في حاجة إلى مواطنين، فالأفراد مؤمنون في الدين ورعايا في السياسة.

أما العلمانية فلا نتذكر مزاياها إلا عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حقنا في ستر عورات نسائنا وراء برقع شامل يجب ألا يبقي من أنوثتها وألا يذر، أو عندما يتهدد السقوط مآذننا. إنها في ديار الحرب حق يحمينا من دينهم ويبيح لنا التبشير بديننا، وهي في ديارنا شر مستطير لا يشكك في الدين، فالدين حي في قلوب الناس، بل يهدد سلطة الفقهاء والقيمين على شؤون الإيمان في قلوبنا.

وحديثا توحدت أقطار العُرْب كلها حماية لخصوصيات هوية قارة في النصوص لا في المحيط المادي والممارسة الاجتماعية. لقد وقفت صفا واحدا دفاعا عن حقنا في مبدأ “النفس بالنفس”( الدفاع عن حكم الإعدام)، فهو حق ثقافي يحمينا من الذوبان في الآخر، ودفاعا عن استعباد المرأة والحد من حقوقها صونا للعرض، وهي في جميع الحالات عورة من عورات الحياة عندنا( تحفظات الدول العربية فيما يخص حقوق المرأة).

والحال أن التحديث “قيمة استعمالية”، أما الحداثة “فقيمة أساس”. الأولى تختص بتنظيم شأن يومي، أو محيط محايد، أما الثانية فمرتبطة بجوهر الذات وعوالمها الداخلية، إنها تغير من نظرتنا للكون والحقيقة والقيم والزمنية الإنسانية في كليتها. التحديث نتاج قرار سياسي واقتصادي، أما الحداثة فاختيار حضاري، إنها انتماء إلى إنسانية توحد من حيث كونها تفصل وهي تجمع، ومن حيث كونها تعمم وهي تميز وتخصص. فنحن لا نختار أفكارنا، بل نتعلم كيف ننتمي إليها، تماما كما نتعلم الانتماء إلى ثقافتنا، ونستوعب خصوصيات ثقافات غيرنا.

لذلك، فإن الاستنبات القسري خلاف الولادة الطبيعية: فالمفاهيم في الحالة الأولى جوفاء عارية ومحرومة من أي غطاء معرفي يسند التحقق ويمده بما يغني التجربة ويوسع من مداها، وهي في الثانية حاصل سيرورة ممتدة في تاريخ علمي طويل لا فواصل بين فروعه إلا فيما ظهر، أو هي كذلك في طريقة النظر إلى الظاهرة والكشف عن مكامن المعنى فيها. لقد أضعنا الأصل ولم نحتفظ سوى بنسخة مفصولة عنه بلا ذاكرة ولا مردودية.

وليس غريبا أن يكون المرء عندنا بنيويا في النقد وواقعيا في الأدب وسلفيا في المنزل وليبراليا في الإيديولوجيا وتعادليا في السياسة، ويساريا في الحانات،  ومتحررا مع عشيقته ومحافظا مع “أم العيال”، وهو فيما تبقى من مجالات الحياة بين هذا وذاك. فالحداثة “الرائجة” ليست موقفا في السياسة والأخلاق والكتابة، إنها يافطة نقتات بها من فتات السلطة بحثا عن جاه موهوم أو حظوة خادعة. وهناك في الممارسة ما يبيح هذه المواقف ويجيزها، فنحن نفصل، كما هي الحال دائما، بين المعرفة باعتبارها وعيا بالوجود وإمساكا بجوهره، وبين سلوك ممتد في زمنية اجتماعية بلا رقيب، ونفصل بين النظام القيمي كما تسطره النصوص وتدعو إليه، وبين ما ترسمه الممارسات الفعلية وتكشف عنه. إنها ثنائيات مفارقة لا يمكن أن تقود إلا إلى حالات حداثة كسيحة بلا مضمون ضيعت كل شيء في الطريق إلينا.

 

*نشرت بجريدة “الأحداث المغربية” ، الجمعة 23 يوليوز 2010