من أخطر ما يحصل في المشهد الصحافي والفكري المغربي، محاولة ُ الاستحواذ على المفاهيم الحداثية والديمقراطية، من طرف الرجعية، تارةً باللجوء إلى استعمال هذه المفاهيم، خارج سياقها، بل وتحريفها كلية عن مضمونها، وتارة أخرى بتوظيف بعض المثقفين أوالمحسوبين على اليسار، الذين يشتغلون لأجل تصفية حساباتهم.

من المعروف أن الأفكار والمفاهيم، لها تاريخها وسياقها، حيث تحمل مضمونا مرتبطا بنشأتها وبالتطور الذي يحصل في استعمالها، لكنها تظل باستمرار مرتبطة بالتأويل الأصلي الذي أعطي لها.

ومثال ذلك، مفهوم الديمقراطية، الذي جاء نتيجة ثورات فكرية وسياسية، لا يشكل الاقتراع سوى لحظة من لحظاتها. أما المفهوم في شموليته، فإنه يحيل على الحرية وحقوق الإنسان، كاملة وغير مختزلة في حق التظاهر والتعبير، فقط، ولكن أيضا يشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والحريات الفردية والمساواة التامة بين الرجل والمرأة وحرية العقيدة، وغيرها من المكتسبات التي سمحت للبشرية بالانعتاق من الظلامية الفكرية وسطوة المستبدين ونفاق الكنيسة والفقهاء …

ما حصل في السنوات الأخيرة، خلطٌ كبير في المفاهيم، جسدته، بامتياز، القناة الفضائية الرجعية، «الجزيرة»، التي استعملت حرية التعبير والتظاهر ومفاهيم حقوق الإنسان، في اتجاه واحد، في إطار الخطة التي رسمتها الإدارة الأمريكية، السابقة، لدولة قطر، من أجل بسط نفوذ ما يسمى بتنظيمات الإسلام السياسي، في العالم العربي.

بل أكثر من ذلك، عملت الدول الرجعية المستبدة، مثل قطر والسعودية، على تمويل وتسليح المعارضة السورية، باسم هذه المفاهيم، التي تعاديها أشد العداوة، كما تعاديها كل أطياف الإسلام السياسي، بفقهائها وسياسييها وإعلامهم وكٓتٓبٓتِهم وكتائبهم.

إنهم يلجأون إلى هذه الثقافة الديمقراطية التحررية، لأنهم لا يجدون في مرجعياتهم غير مفاهيم الحلال والحرام والقصاص والعورة، ولا يجدون عند الدول الرجعية التي تمولهم، سوى القمع والركوع والخنوع والنفاق والبذخ والاستبداد. لذلك، يستحوذون على ثقافة الحداثة والتنوير، خدمةً للظلام وللنماذج المتخلفة في الحكم والسلطة.

لكن الأخطر من كل هذا، تسخيرُ مثقفين ومحسوبين على اليسار، للدفاع عن الرجعية، باسم الديمقراطية والحرية، أغلبهم يقوم بذلك، من أجل تصفية حسابات أو تموقع، طمعاً في مكسب زائل، مثلما سيزول هذا الضباب الذي اعترى المشهد الفكري والسياسي، العربي، لتتوضح الصورة، بين الديمقراطيين الحقيقيين، من جهة، والمزورين، من جهة أخرى.

 

الاثنين 30 يناير 2017.