من الاثنين 12 نونبر 1984 إلى الاثنين 30 يناير 2017، جرت مياه كثيرة تحت جسور إفريقيا وجسر إثيوبيا بالذات…
أديس أبيبا، العاصمة الإثيوبية التي تحتضن قمة الاتحاد الإفريقي، قبلة المغاربة اليوم، غدا وإلى حدود 31 يناير.
فهي العاصمة التي تشد إليها كل الأنظار، وبالأساس في الأوساط المغربية..
أديس أبيبا، تعود إلى يوميات السجل السياسي المغربي بعد 33 سنة من الغياب.
ولهذه المدينة مع بلادنا قصة تستحق أن تُروى..
نعرف بعضها وبعضها ملتف في تلابيب المحاضر التي كنا غائبين عنها..
لم تمض سوى سنتين على قمة الدار البيضاء التي أسست للقارة المتحررة حتى كانت أديس أبيبا عاصمة لإعلان منظمة الوحدة الإفريقية في 25 ماي 1963..

كانت قمة الدار البيضاء إحدى أهم القمم في عالم ما بعد الفترة الاستعمارية الطويلة، لهذا حضرها جمال عبد الناصر، صانع الحلم الوحدوي العربي، باسم الاشتراكية العربية ..

وحضرها فرحات عباس، رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة، وحضرها موديبو كيتا، أول رئيس لجمهورية مالي …الذي كان من المنادين بالوحدة الإفريقية وأحد أكبر الزعماء الاشتراكيين في قارة إفريقيا…،والرئيس أحمد سيكوتوري، أول رئيس لغينيا بعد استقلالها… كما أنه كان مؤيدا لحركات الاستقلال الإفريقية..
وحضرها كوامي نيكروما.. أول رئيس لغانا المستقلة ، وأبرز دعاة الوحدة الإفريقية وواحد من مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية …
في 25 ماي 1963.

وقتها كانت بلادنا واحدة من بين 30 دولة إفريقية حضرت عقد توقيع ميلاد المنظمة، التي سيتم إسدال ستارها في سنة 2002 مع ميلاد الاتحاد الإفريقي.…
غير أن مكر الأشقاء جعل البلد المؤسس يغادر المنظمة في 12 نونبر 1984، أي بعد 21 سنة على تأسيس الهيئة الإفريقية ..

وتستحق القصة أن تروى في علاقتها مع إثيوبيا والصحراء.

قبل ذلك التاريخ كانت إثيوبيا، محورا أساسيا في مناهضة حق المغرب، ضمن ما كان يقدم على أساس أنه مجموعة الدول التقدمية، مما دفع المغرب إلى التهديد بقطع علاقاته مع إثيوبيا – والجزائر طبعا – في مارس 1979، ومع ليبيا في سنة 1980..

وفي مؤتمر القمة بأديس أبيبا سنة 1982، أدى تنسيق آدم كودجو الكاتب العام لمنظمة الوحدة الإفريقية والجزائر إلى قبول انضمام جمهورية الوهم، بعد أن نالت المؤامرة مساندة مالي ونيجيريا، وبلغ العدد 26 دولة فأسرعت الجزائر إلى وضع طلب الانضمام باسم جمهورية تندوف الوهمية… .

في 12 نوفمبر 1984 تم قبول عضوية ما يسمى »الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية«، كعضو في منظمة الوحدة الإفريقية، دون مراسيم، وأدى ذلك إلى انسحاب المغرب منها، و»تشكلت حالة فريدة في المنظمات الدولية، أن المغرب دولة عضو مؤسس لمنظمة الوحدة الإفريقية خارج المنظمة، في حين

“أن عضوا” بالمنظمة يوجد “مقره” بتراب دولة أخرى عضو كامل،” على حد التعبير الموفق للباحث المتخصص الموساوي العجلاوي.…
وبعد قرابة نفس المدة الزمنية، تحولت أديس أبيبا ، من جديد إلى محطة ضد المغرب ومبررا لانطلاق سياسة عدائية هجومية. بدأ الهجوم سنة 2013، عندما تم تكليف المجلس التنفيذي للاتحاد، وهو مؤتمر وزراء خارجية الدول الأعضاء، رسميا وبقرار، »باتخاذ جميع القرارات اللازمة لتنظيم استفتاء تقرير المصير”!

وكانت تلك إشارة انطلاق مسلسل استفزازي عملي، تلتها إشارة أخرى تتعلق بتعيين ألد خصوم المغرب، الرئيس الموزمبيقي السابق جواكيم شيسانو في سنة 2014 مبعوثا خاصا لرئيسة مفوضية الاتحاد السيدة زوما.

هذه الأخيرة سارعت في السنتين المواليتين – 2015،2016- إلى تدبيج تقارير كلها هجوم ومناهضة للحق المغربي، عبر مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الإفريقي..

هذا المنحى دفع بالمغرب إلى سن خطة هجومية، توجت بالأساس بالزيارة التي قام بها جلالة الملك إلى إثيوبيا.

من المفيد الإشارة إلى أن التحول حدث أولا في رأس الدولة، التي كانت تعد الحديقة الخلفية لمحور الجزائر-أبوجا- بريتوريا..كما أن الزيارة لم تقف طويلا عند المواقف السابقة، أو التاريخ المضاد، بقدر ما سارت في أفق تغييرات معطيات ..الواقع الذي فرضه غيابنا الإجباري عن «العائلة المؤسساتية» للمغرب!
وجدير أيضا بالتسجيل، في سياق رصد التحول أن  هايلي ماريام ديسالغن، الوزير الأول لجمهورية إثيوبيا الفدرالية الديمقراطية، أعلن في البيان المشترك الصادر في أعقاب زيارة الدولة التي قام بها جلالة الملك محمد السادس لإثيوبيا عن »الالتزام القوي لإثيوبيا من أجل التجسيد الكلي لقيم ومبادئ الاتحاد الإفريقي«، معبرا في هذا الصدد عن »دعمه لقرار المغرب العودة إلى الاتحاد الإفريقي ابتداء من القمة المقبلة للاتحاد«. والاتفاق الصريح على »تنسيق المواقف داخل المنتديات الإقليمية والدولية للدفاع وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والحد من النزاعات المسلحة واحتوائها، ومكافحة الإرهاب والنهوض بثقافة التسامح والتعايش السلمي”.
الدولة الحاضنة لخروج المغرب هي الدولة الحاضنة الآن لعودته وقد وجهت الدعوة إلى جلالة الملك..
في هذه العبارة محكية طويلة تقول كل شيء..

 

الاثنين 30 يناير 2017.