استعاد المغرب مقعده في التجمع القاري لإفريقيا، وانتصر في معركة دبلوماسية وضع خصومه فيها كل ثقلهم، كي تكون عودته مثقلة بالشروط ، موسومة بالتنازلات. لقد قرر مجلس الرؤساء أول أمس في قمتهم ال 28 بأديس أبابا أن تدخل بلادنا من بوابة الاتحاد الافريقي بكل حجمها التاريخي والجغرافي والسياسي.

منذ أن وجه جلالة الملك خطابه السامي إلى القمة السابقة يعلن فيه عزم المغرب العودة إلى هذا التجمع بعد أن انسحب منه في نونبر 1984 لظروف وسياقات معروفة، سارع خصوم وحدتنا الترابية إلى استعمال كل العراقيل من خلال سيناريوهين اثنين :

الأول أن تفضي تحركاتهم الدبلوماسية إلى قطع الطريق في وجه هذه العودة، وشرعت الجزائر ومعها صنيعتها البوليساريو في تحركات متعددة الأوجه من بينها السعي إلى إظهار المغرب كعامل اللااستقرار وتوسع بمنطقته، فكانت قضية الكركرات، النار التي نفخوا فيها لتندلع مواجهات مع جارته الجنوبية موريتانيا . والسيناريو الثاني، وضعُ شروط عدة، منها ماهو مسطري، وما هو دبلوماسي. وقد اعتمدت الجزائر في ذلك، على ثلاث واجهات في مسار الملف:

أولها، مفوضة الاتحاد التي وظفت كل إمكاناتها حتى يتيه ملف العودة في متاهات زمنية ومسطرية .

وثانيها، مديرية الشؤون القانونية، لاستصدار وثيقة تصور بلادنا ك”دولة احتلال” ل”تراب دولة عضو”(؟؟؟).

وثالث الوجهات، هو كتلة الدول الملتفة حول الأطروحة الجزائرية بدون قيد أو شرط، لأجل أن تحول جلسة البتّ في ملف المغرب إلى محاكمة له، ووضع لائحة شروط أمامه تمس بوحدته الترابية وحقوقه التاريخية …

فشلت الجزائر، ومعها عناصرها وحلفاؤها داخل البنية الإدارية للاتحاد الافريقي وخارجه، وكانت حكمة أكثر من ثلثي الدول الأعضاء، أكبر بكثير من مؤامرات جارتنا الشرقية، التي وظفت كل إمكانياتها منذ نهاية الأسبوع ،كي توجه آخر طلقاتها الدبلوماسية والإعلامية، علها تصيب ملف المغرب في مقتل أو إعطاب.
وهنا، لابد من توجيه تحية تقدير إلى هذه الدول، التي ساندت المغرب، لأنها تعرف اليوم وأكثر من أي وقت مضى، أن النزاع حول الصحراء، هو نزاع اصطنعته الجزائر في إطار استراتيجية الهيمنة، التي سعت إليها منذ سبعينيات القرن الماضي.

فشلت الجزائر كذلك، لأن تحركات دبلوماسية ناجعة قادها جلالة الملك، قبل وبعد قرار العودة، شملت العديد من العواصم .. وهي تحركات كان محورها الرئيسي توطيدُ علاقات التعاون المتعدد الأوجه من أجل تنمية القارة، وخلق سبل العيش الكريم لشعوبها .

إن إفريقيا اليوم، بحاجة إلى الخروج من حروبها وصراعاتها ولااستقرار بلدان عديدة بها، وأن توظف جميع الإمكانيات البشرية والطبيعية التي تزخر بها علّها تستدرك زمنا ضاع وثروة بذرت …

لم تكن التحركات الدبلوماسية للمغرب تضع العودة كهدف . إنها، ويجب أن تكون منطلقا لمسارين اثنين :

الأول، جعلُ التضامن الإفريقي قاعدة للتعاون المشترك من أجل التنمية، والقضاء على كافة بؤر الفقر والهشاشة والتوترات. وقد أبرز جلالة الملك في خطابه التاريخي أمس أمام القمة أن القارة الإفريقية بحاجة إلى نهضة اقتصادية واستفادة شعوبها من خيراتها، والاستثمارفي إمكانياتها البشرية والطبيعية.

والمسارالثاني، هو الدفاع عن وحدة المغرب الترابية، وحقوقه التاريخية، المتمثلة أساسا في صحرائه الساقية الحمراء وواد الذهب. لذلك، فإن انتصار أول أمس، هو بداية مرحلة جديدة، تتطلب تظافر سائر الجهود الوطنية بمختلف مستوياتها.

 

الثلاثاء 31 يناير 2017.