عندما يغيب الحوار الفكري السياسي حول قضايا ترقى الى مستوى الفكر والسياسة، فإن كل نقاش، بين مكونات المشهد السياسي، قد ينصب، في احسن أحواله، على قضايا هامشية تجعله اقرب الى التسلية منه الى الحوار بالمعنى المتعارف عليه. وقد يتحول، في أسوأ الأحوال، الى مباراة ومبارزة في استخدام قاموس السباب والشتم الذي لا طائل من ورائه بالنسبة للممارسة السياسية، وانما يزري بها وبمن اعتمدوه ترسانة للهجوم على الخصوم او الدفاع على حد سواء.

وهذا في حد ذاته عرض من أعراض الفقر وربما البؤس الذي قد تكون الممارسة السياسية تعاني منهما، كما انه مؤشر من المؤشرات التي قلما تخطيء على ان بعض الفاعلين السياسيين، بوعي او دونه، قد انخرط في مأزقهما بحيث ليس ممكنا الخروج منه دون العودة الواعية والصريحة الى قواميس العمل السياسي في مختلف مجالات الممارسة، سواء على قاعدة الاتفاق او الاختلاف والصراع بين الفاعلين السياسيين. ذلك ان الهجوم السياسي متى توسل لغة غير سياسية واستعان بلغة ليست من قواميسها يؤدي حتما عند مستوى من مستوياته الى الانزلاق بالحوار من موقع الهجوم او الدفاع السياسي الى نوع من الاسفاف غير السياسي بالتعريف. وليس بإمكان اعتبار الاسفاف في القول السياسي عاملا من عوامل تقديم الممارسة السياسية.

ان توجيه النقد الى حزب سياسي على قاعدة الاختلاف مع موقفه او سلوكه السياسي تجاه قضايا بعينها ليس في حقيقته غير نوع من الحوار السياسي الذي ينبغي التعامل معه بما هو كذلك من قبل الحزب او الأحزاب السياسية الموجه اليها. وهو ما يفترض ابقاء النقد السياسي في مستوى لائق من اللغة السياسية يسمح بتعميق النقاش والحوار حول قضايا الخلاف التي اثارت الموقف والرد عليه. ذلك ان اخراج نقد الموقف والممارسة السياسية من سياقهما الفعلي والانزلاق بهما الى مستوى دون ما يقتضيه مستوى النقد والحوار داء خطير يفضي الى العقم والضياع على مستوى الخطاب كما على مستوى الممارسة.

وفِي هذا السياق فان المرتبة التي احتلها هذا الحزب السياسي او ذاك خلال الاستحقاق الانتخابي التشريعي الأخير ليست في حد ذاتها موضوع قدح وذم، لأنها واقع ليس بالامكان رفعه، وانما هي حالة وموضوع للقيام بتقييم مسؤول لكل الشروط الموضوعية والذاتية التي صنعت هذا الواقع في الظرف العام الملموس للتنافس السياسي، لاستخلاص الدروس والعبر وبلورة خطط وبرامج قادرة على تجاوز مواطن الخلل او الارتباك في الأداء السياسي خلال حقبة بعينها. وهذا من مسؤولية الاحزاب المعنية قبل غيرها لأنها هي القادرة، عبر التفاعل الإيجابي والنقدي، مع جمهورها على بلورة الخطاب وصياغة استراتيجية للممارسة تنسجم مع طبيعة قراءتها لأدائها ونتائجه العملية.

وفي الواقع فإنني لم اتتبع مرور السيد ادريس لشكر الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي على الاولى في حينه، لكن ردود الفعل التي اثيرت حوله دفعتني الى متابعته البعدية علني افهم لماذا اثار بعض ردود الفعل التي يبدو لي انها غير مفهومة وليس ممكنا فهمها دون الرجوع الى المقابلة كاملة.

ولست أذيع سرا عندما أعلن مفاجأتي لكون المقابلة، رغم بعض إيحاءاتها بضعف الموقف الذي تتحرك في إطاره بعض القوى السياسية، لم تكن قد فتحت معركة ما مع تلك القوى، الا في حدود نوع من العتاب النقدي والسياسي، ان صح التعبير، وفي معرض الجواب المقتضب على بعض أسئلة الصحفي التي لا مناص من الجواب عليها، وهو ما ليس بالتالي مبررا كافيا للهجوم والتشنج الذي سيطر على عدد من ردود الأفعال، وحول ما كان ينبغي ان يظل في مستوى الحوار بل والسجال السياسي المشروع والمطلوب احيانا قصد توضيح المواقف وفهم أبعادها والدفع بالحجج المتباينة الى أقصى ما يمكن ان تساهم به في تعميق الوعي بطبيعة الخلافات بين مكونات الحقل السياسي المغربي. غير ان الذي وقع هو عكس ذلك تماماً، اذ غاب العمق وتفرقت السبل بعدد من المتدخلين في متاهات ابعد ما تكون عن سبل الحوار الفكري او الصراع السياسي المفترض التزامه بالنسبة للقوى السياسية على تعدد مواقفها وتباين مشاربها الفكرية والسياسية. ذلك ان هذا التعدد الطبيعي في تصورات القوى المعنية حالة ديمقراطية صحية من حيث كون الحوار المتواصل بينها، اتفاقا وتوافقا وخلافا ونقدا فكريا وسياسيا، هو ما يضفي طابع الغنى السياسي الحقيقي على مجمل الممارسة السياسية على اختلاف مواقع ومواقف المنخرطين فيها.

ولعل ما ضاعف من سلبية هذه المفاجأة تحول النقاش بشكل شبه منهجي الى نوع من نشر الغسيل بين بعض مكونات اليسار التي كان من المفترض فيها، حتى مع الإقرار بتباين تصوراتها للتحالفات وممارسة مواقفها على هذا المستوى من مواقع أدت الى تناقض في ادائها خلال السنوات الأخيرة، الانطلاق من عناصر الأرضية العامة المشتركة بينها باعتبارها من حيث المبدأ قوى يسارية حتى لا تقع في خطأ لعن المستقبل وإعدام كل إمكانيات اللقاء بينها.

ومن هنا، فان الهجوم المنظم على الاتحاد الاشتراكي في شخص قياداته والذي اتخذ منحى جديدا بعد انتخاب السيد الحبيب المالكي رئيساً للبرلمان، كما ان التركيز على شخص الكاتب الأول للاتحاد ادريس لشكر ونعته بكل النعوت السياسية، على ندرتها، وغير السياسية على وفرتها وتضخمها، في وقت كان المفروض التركيز فيه على مناقشة قضايا الخلاف بين قوى اليسار بما يقرب وجهات النظر ويساهم في تقويم ممارسة هذا اليسار الذي يتخبط في اكثر من مأزق لا ينكره غير مكابر، قد أدى بالمقابل الى الخروج بمجمل النقاش الى الشخصنة غير المجدية في اغناء الحوار السياسي او الممارسة في بلادنا. بل ان هذا قد يكون مؤشرا على الاستهتار بفكرة اليسار وقيمه الكبرى ومحاولة تقزيمها واختزالها في مجرد الصراع حول المقاعد في هذه المؤسسة او تلك من المؤسسات التمثيلية او التنفيذية وعدم إعطاء الأهمية لاحترام اخلاقيات الحوار والصراع السياسي باعتبارها شرط كل رقي وتقدم ممكنين.

 

الخميس 02 فبراير 2017.