منذ اعلان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ترشيح رءيس لجنته الادارية الدكتور حبيب المالكي لرئاسة مجلس النواب ثارت ثائرة عدد من الهيئات والاشخاص ومن اعضاء انتموا للاتحاد…

من حيث المبدأ  الاختلاف السياسي مع تقديرات حزب ومع ترشيح شخص منتم لهذا الحزب او ذاك هو امر محمود في الديمقراطية ان لم يكن ديدنها…
وقد يصح ان ينزلق هذا الاختلاف من مستواه الموضوعي الى المستوى الذاتي دون ان يضر بجوهر الديمقراطية في ذاتها اي عدم الانجرار الى العنف سواء كان ماديا او لفظيا والابقاء على مستوى معقول من الحوارية…

ببساطة لان المنافسة في السياسة تبقى في نهاية المطاف منافسة تحتمل التوافق والفوز والخسارة…اذ قد يتوافق متنافسان وان يحتكما الى التصويت…لكن الذي يجب ان يكون دائما منتصرا كيفما كان المتنافسون ومهما كانت النتائج هو الحوار والوطن…

في حالة ترشيح الاتحاد الاشتراكي لرئيس لجنته الدكتور الحبيب المالكي حدث شيء غير مسبوق في حوليات السياسة بالمغرب يصعب رده الى سبب محدد…

ورغم الدفوعات التي قد تقدم بناء على نتائج الانتخابات وتعذر تشكل الحكومة في  آجال معقولة وما صاحبها من تجاذبات…فان ردود الفعل التي حدثت من جهات مختلفة تشي باكثر من اختلاف على قاعدة نتائج الانتخابات ومسارات تشكلها…

في تقديري ان ثمة شعور نفسي رهيب يتخلل دواخل بعض ممن يتقاسمون معنا السياسة والمجال…اذ بيننا بعض ممن لم يستسيغوا بعد ان السياسة لا تؤخد بمنطق الحرب والعنف وان جوهر السياسة هو الحوار والاختلاف و التنازل على قاعدة السلم والوطن…

وقد يكون من العادي صدور شحنات من الكراهية تحت ضغط الحماسة والغرور بالانتماء لعضو او منتسب عادي في تنظيم معين او حتى لاحد من قيادات الصف الثاني في تنظيم معين…لكن سيكون من غير الاخلاقي ان يذهب مثقفون وقياديون نفس المذاهب..
ان مذهبا كهذا يعني ليس فقط افلاس السياسة ولكن افلاس الفكر والمعرفة…

يحضرني هنا موقفان حرت في قياس اثرهما على صدقية السياسة والفكر في ارتباط بترشيح الاتحاد لرئيس لجنته الادارية السيد حبيب المالكي…
في تقديري انهما موقفان غير مستقيمين مع الافق الذي نامله…

الموقف الاول للسيد حسن طارق الاستاذ الجامعي والقيادي السابق في الحزب والموقف الثاني للسيد محمد الناجي الاستاذ الجامعي والباحث الانثربولوجي…

لن اجازف اذا قلت ان فهم البعض منا لمهمة المثقف العضوي على طريقة غرامشي فيه كثير من الخلط…وفي الوقت الذي ينتصب هكذا مثقف عن طريق الفكر ومن خلال الفكر وحده وبالانخراط المضني والشاق في بحث السلوك الانساني في المجالات الانسانية واستخلاص الخطاطات النظرية والعملية عبرها بما يخدم الانسان في المحصلة…يتجه اليوم بعض ممن فهموا مهام المثقف العضوي فهما خاطئا الى انتاج كليشيهات او توليفات او حتى كبسولات فكرو- سياسية تحت الطلب….

ان هكذا انتاج مذموم من نواحي متعددة يمكن بسطها كالتالي:
ان الذي تقوده ظروف معينة لان يكون مثقفا يصبح في مسؤؤلية امام التاريخ بل ويصبح مسار تصحيح التاريخ تحت مسؤوليته ولهذا يصبح ملزما بتمثل الشرط الموضوعي والحيادية…
ومن غير المقبول عليه ان يغشى اهواء العامة ومرغوباتها ويجاريها فهو اهل خاصة كما نجد عند ابن رشد ولا يصح له ان يختلط بالعوام او ان يفتي على حسب هواهم و جهالاتهم لا سيما في شؤون الملك والحكم والمال والدين…
والحال ان فقيها صارم المنهج كابن حنبل كان يكون فظ اللسان كلما هدف من العوام من يريد ان يقوله ما يساير مبغاه و هواه…

ان مثقفا كهذا لا بد ان يكون صارم المنهج دقيق النتائج لا تعتري فكره هنات او مغنمة والا تحول الى ما يشبه شاعر تكسب ينظم تحت وقع مكانة المنظوم له وسلطانه…في ادشعر التكسب لا بد من اعشى وشنفرى واخطل وفرزدق…وليس من المقبول في الفكر ان يحيى من جديد الاعشى والشنفرى والفرزدق وجرير…

ان تستحق مسمى المثقف العضوي يعني بالضرورة ان ترتفع فوق الشرط السياسي حتى وان كنت طرفا في الشرط السياسي..هكذا كان يقول ميشال فوكو في نقد وتفكيك مجسمات السياسة ومومياءات الفكر…وغير بعيد ان ادغار موران جعل من تابيد الابستيمات وغشيان الاهواء لذات الباحث هدم اعمى للحقيقة…

كان استاذنا الجابري عندما تستفزه قضية او جزئية او تداخل او اعوجاج سياسي غالبا ما يغوص بعيدا في اصول التراث الاسلامي ليجد اجوبة عن تمظهرات الحاضر…

فوكو وبارث وموران والجابري…يمثلون وجوها حقيقية للمثقف العضوي الذي ينتج الافكار والخطاطات التي يفترض ان تخدم الانسان…ولهذا كان كل هؤلاء ضد ثقافة الاستهلاك والاسترسال والاستسهال و التقنوية والاختزال…
ومن المؤكد ان ثمة توجهات لمثقفين اليوم استسهلوا واسترسلوا واختزلوا واستهلكوا كثيرا…ولم يحفظوا للفكر هدوئه وصدقيته…
ومن مظاهر هذا الخطل الذي اعترى مهام المثقف اليوم تقنية لي عنق الحقيقة العلمية خدمة لطرح سياسي معين…والحال انه في اليومين السابقين كنا امام تاويلات دستورية واخرى فكرية مغرقة في لي عنق الحقيقة العلمية…

بالمناسبة انا ممتن جدا خصوصا للدكتور محمد الناجي في فهم جزء من انثربولوجيا العبودية ودولة السلطان والحال ان الدكتور الناجي عندما ينبري للبحث العلمي متحررا من ضغط السياسة و احتمالات ذاتيتها يكون باحثا مفيدا لنا نحن معاشر الباحثين المبتدءين…

اما الاستاذ حسن طارق الذي كونني في شبيبة الحزب فلا زلت شخصيا انتظر منه ان يتحول الى مشروع جديد من المفكر العلامة المرحوم الجابري اذا نجح في التحلل من ضغط ترسبات علقت بمساره و ضببت حسه النقدي والفكري…

في الختام ان بناء عالم موضوعي يتم فيه تبادل الغنى والثروة بمعناهما الفكري لا يتحقق الا بمزيد من تجويد الفكر و تعاليه عن دسائس وصراعات السياسة…

*الدكتور سعيد جعفر…
عضو اللجنة العلمية لكتابة تاريخ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية..