ليس صعبا قراءة خريطة البرلمان المغربي السياسية بعد انتخابات السابع من اكتوبر الماضي. كما ليس مستحيلا التعرف على التحالفات الممكنة المترتبة عن خريطة القوى داخل المؤسسة التشريعية، في أفق تشكيل حكومة على ضوئها. غير ان واقع الحال قد بين ان عدم صعوبة تلك القراءة، ونفي الاستحالة عن ذلك التعرف، لم يسهلا عملية تشكيل الحكومة من قبل الرئيس المكلف الاستاذ عبد الاله بن كيران، وانما كشف، على العكس من ذلك، عن ما اصبح يسمى في لغة بعض السياسيين المغاربة “البلوكاج” المانع لتشكيلها الى حد الآن. وهو واقع تم التركيز عليه غالبا لشيطنة الخصوم السياسيين وتحميلهم المسؤولية الحصرية او الأساسية عنه، بدل التفكير الجدي في تجاوزه وتسهيل عملية تشكيل الحكومة التي ينتظرها المغاربة منذ أربعة أشهر تقريبا. بل ان المنحى الذي اتخذه السجال بين بعض الفاعلين السياسيين قد انزلق تماما نحو مستويات هي دون السجال السياسي الحقيقي بما في ذلك السجال الأشد حدة ليغرق في نوع من الجدل العقيم قد يتوسل شكلا بعض معطيات الواقع، ليحكم فعلا النوايا والمسبقات شبه الميتافيزيقية في مقاربة مسألة تشكيل الحكومة وتحويلها الى ما يشبه المعضلة التي ما بعدها معضلة في الحياة السياسية المغربية.

ولعل التأمل في عناصر هذه المعضلة والجدل الذي اثارته بين مختلف قوى المشهد السياسي المغربي قد يفيد في فك طلاسمها التي تحيل، في الواقع، الى ما يتجاوز بكثير خريطة البرلمان السياسية ومتطلبات تشكيل أغلبية برلمانية تدعم الحكومة المقبلة كما قد توحي بذلك عناوين السجال الحالي.

لقد كشفت الشهور الأربعة السابقة ان حضور نظرية المؤامرة كان قويا في خطاب وسلوك عدد من الأحزاب. وهو حضور غلب لديها ردود فعل غير قابلة للحوار كما تجلى ذلك برفع الفيتو امام رغبة بعض الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان في المشاركة في حكومة يبحث لها السيد بن كيران عن أغلبية تدعمها بدعوى ان تلك الأحزاب قد ارتكبت خطيئة التنسيق مع احزاب أخرى لبلورة موقف موحد من استحقاقي تشكيل الحكومة وهيكلة البرلمان. مع العلم ان التنسيق بين الأحزاب، على أي مستوى من المستويات، يندرج ضمن كل ممارسة سياسية طبيعية؛ وليس لأحد ان يفرض عليها أي قيود كانت مادام الجميع يعترف باستقلالية الأحزاب ومسؤوليتها عن ممارساتها الخاصة او بالتنسيق مع أحزاب اخرى .

صحيح ان وجه الاعتراض المعلن الذي تم نعته بالمؤامرة، هو كون احزاب التجمع والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري قد حاولت تكوين تصور لتشكيل الحكومة برئاسة الاستاذ بن كيران في وقت كان فيه هذا الاخير يسعى الى بلورة تصور آخر لتشكيل الحكومة، الأمر الذي يعني ان الأحزاب الأربعة قد حاولت قطع الطريق أمامه في مسعاه. غير ان هذه الاطروحة لا تستند الى أي سند سياسي او دستوري موضوعي لأن التنسيق بين تلك الأحزاب هو في الواقع جواب على مسعى اريد به نوع من المنع التعسفي لأي تنسيق بين الأحزاب والتصرف كما لو انه مشروط بانتهاء السيد بن كيران من إنجاز مهمته في تشكيل الحكومة؛ وهو ما ليس بالامكان الدفاع عنه بالمنطق السياسي بأي شكل من الأشكال.
وصحيح أيضا ان العدالة والتنمية يرى ان من وراء هذا التنسيق هو حزب الاصالة والمعاصرة الذي يعتبره خارج دائرة أي تعاون معه في تشكيل الحكومة او تشكيل أغلبية مساندة لها، غير ان هذا الموقف غير منطقي هو كذلك انطلاقا من عدة اعتبارات سياسية وديمقراطية تهم الشأن الحزبي والبرلماني أهمها:

اولا، ان الحق الذي لحزب العدالة والتنمية في اخراج الاصالة والمعاصرة من دائرة اهتماماته في تشكيل الحكومة وبحث إمكانية التعاون داخل مؤسسة البرلمان هو حق حصري، ولا يسري على غيره من الأحزاب بشكل تلقائي، اللهم من اختار الانحياز لوجهة نظر حزب رئيس الحكومة المعين لأسباب ما يعتبر الدخول في مناقشتها نوعا من هدر الجهد والوقت لأن لكل حزب حساباته التي يزن بها الأمور، وهذا من حقه الذي لا ينازعه فيه احد.

ثانيا: ان الأحزاب السياسية متساوية الحقوق والواجبات اعتمادا على نص وروح الدستور ووفقا للقوانين الجاري بها العمل في البلاد، وبالتالي، فإن أي تمييز بينها، على هذا المستوى، مخالف للدستور والقانون معا. وليس ليغير من هذه الحقيقة تباين المواقف السياسية بين الأحزاب الذي قد يصل التمييز بينها على قاعدة عبارات على شاكلة “الاحزاب الإدارية” او “اليمينية” او “الوطنية” او “الظلامية” او “اليسارية” الخ، لأن هذه العبارات ذات شحنة سياسية وعاطفية تعكس تصورات الاحزاب بعضها تجاه البعض الآخر ولا تترتب عنها أي آثار دستورية او قانونية تقوم على منع إقامة علاقات بينها او جوازها لعدم دخول الأمر ضمن اهتمامات المشرع أصلا.

ثالثا، ويسري هذا الموقف، بطبيعة الحال، وبشكل أكثر قوة ووضوحا على نواب الأمة في البرلمان حيث الأعضاء متساوون في هذه الصفة قانونيا ودستوريا والتي عززها انتخابهم أعضاء كاملي العضوية في البرلمان. ولا يغير من هذه الحقيقة كون نواب منخرطين ضمن فريق برلماني كما يسمح بذلك القانون الداخلي للمؤسسة التشريعية او لم يكونوا. اذ ليس هناك ما يمنع، دستوريا او قانونيا، أي نائب او الحزب الذي يمثله من المشاركة في الحكومة او مساندتها او اختيار صفوف المعارضة.

انطلاقا من هذا يمكن التساؤل حول مكامن المؤامرة في ممارسة الاحزاب السياسية المتساوية دستوريا وقانونونيا او ممارسة النواب المتساوين دستوريا وقانونيا والمعززين بسند انتخابي صريح وواضح؟

ليس ممكنا البرهنة على مزاعم من هذا النوع اعتمادا على مقتضيات الدستور والقانون والعملية الانتخابية بالتأكيد. غير ان هذا لم يمنع من اطلاق الاتهامات يميناً ويسارا خارج مقتضيات الدستور والقانون والاستحقاق الانتخابي كما عاشه المغرب في السابع من اكتوبر الماضي.
فهل يمكن البحث عن المؤامرة في النوايا؟ وبأي منهجية؟ وعلى أي قواعد؟ وما جدوى الدستور والقانون اذا لم يضعا حدا لمحاكمة النوايا في القضايا التي حددا لها مقتضيات وقواعد ينبغي احترامها خاصة عند الاختلاف في المواقف والآراء؟. وهل هناك من باستطاعته دسترة النوايا وتقنينها وتنظيم استحقاقات انتخابية لتكريس بعضها وتجريم البعض الآخر؟

الثلاثاء 07 فبراير 2017.

*عن جريدة العرب اللندنية

وعن صفحة الكاتب على الفيس بوك