*نشر بجريدة الاتحاد الاشتراكي يوم 7 مارس 2014.

رحل محمد جسوس الرجل الكبير ، المثقف والأستاذ والمفكر الذي امتد عميقا داخل كل فئات الشعب المغربي،كان الأستاذ المتميز أداء محاضراته، يقدمها ويفسرها بأسلوب شيق تحس خلالها بأن الزمن جميل تقاسمه مع محمد جسوس. أتذكر وأنا طالب في كلية الآداب، وحين كنت أحضر دروس لأساتذة في شعبة الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، كان الفقيد يدير محاضراته في شكل نقاش دائري، يوجه طلبته في تدبير بحوثهم الميدانية في معامل النسيج والمخابز ، يتحدث بطلاقة ودون حواجز، يعقب على فكرة لطالب بالقول، هذا ما قلته لفاطمة، ويعني هنا فاطمة المرنيسي زميلته التي ساهمت في تأطير المئات من الطلبة في أبحاثهم كانت بحوث إجازة أو أطروحات. كانت مقاربته في التدريس تستند إلى ربط التفكير بالعمل والملموس، مقاربة تثير الحساسية لدى الكثير من جيلنا في نهاية السبعينات ممن أنسوا توظيف كل المفاهيم المرتبطة بالماركسية اللينينية والماوية من دكتاتورية البروليتاريا والفكر البورجوازي والصراع الطبقي والمثقف الثوري وغيرها من المفردات التي كانت تؤثث نقاشاتنا التي لا تنتهي داخل مدرج ابن خلدون. يصر جسوس على العمل والتفكير الميداني وربط التفكير بالواقع، مهمة لم تكن باليسيرة أمام شباب كان يحلم يقظا بكثير من الأشياء في زمن الثورات والعنف الثوري، ولم يكتشف عدد من هؤلاء الشباب الأمر إلا بعد نحث الزمن تضاريس وبقع في هاماتهم.

في العام 1972، زمن عنق الزجاجة وتعاقب التوترات وأزمة المؤسسات وغياب الحريات والمحاكمات السياسية و أشياء أخرى، القى محمد جسوس محاضرة للتلاميذ والطلبة في مقر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، بشقة في عمارة تقع بشارع تمارة ( شارع الحسن الثاني) وجذبني منذ ذلك اليوم، وأنا تلميذ في ثانوية الأميرة عائشة، أسلوب الأستاذ الشاب من حيث اللغة ومنطق عرض أفكاره، يأتي إلى محاضراته بلباس شعبي لا يراعي التراتبية التي آنسناها في أساتذتنا آنذاك، كان هذا يقربنا كثيرا من الرجل. لم يكن أحد من شبيبتنا آنذاك يتقاعس عن حضور محاضرات محمد جسوس لكونها كانت ممتعة وجاذبة، قبل أن يلقي محاضرته، يستل علبة سجائر من نوع ” كبير” و” يفرتكها” ثم يحولها الواحدة تلو الأخرى إلى دخان، نرى من خلاله يد تمسك بالسجارة والأخرى يسند بها جبهته، ويلتفت يمينا ويسارا ، لينتقل من الحديث مع الجمع إلى توجيه الكلام للجالس أمامه أو بجانبه، كانت طريقته في الإلقاء تدخلك إلى لهيب النقاش، وتصبح مشاركا ولو لم تتفوه حرفا واحدا.

كان لجسوس دور كبير في توسيع القاعدة البشرية للحزب الذي كان يعاني حينها من الصراع بين فرعي الدار البيضاء والرباط والإعداد لفصل الاتحاد المغربي للشغل عن قيادة الحزب ، في حين كان فصيل آخر يعد الخلايا الثورية لإسقاط النظام عن طريق العمل المسلح، إنها صورة التناقضات التي كانت تتفاعل داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. كان محمد جسوس يؤمن بالديمقراطية هدفا وأسلوبا في التعاملات كانت فردية أو مؤسساتية، وشارك إلى جانب أسماء أخرى كعمر بن جلون و فتح الله ولعلو ومحمد اليازغي ومحمد الخصاصي وحسن السرغيني في إصدار كتيبات بدءا من أواخر العام 1972، كانت إرهاصات فكرية مدعمة بخلاصات النقاشات الطويلة، وكانت مقدمة لإعداد المؤتمر الاستثنائي الذي كان مقررا عقده في العام 1973، حين قررت بذلك اللجنة الإدارية للحزب، في 30 يوليوز 1972، و في اجتماع فاس في يناير 1973، وشكلت هذه الإصدارات أرضية للتوجهات العامة التي ستظهر في تقارير المؤتمرات الحزبية، بدءا من المؤتمر الاستثنائي الذي انعقد بالدار البيضاء في يناير 1975، وبصمه محمد جسوس بما كتبه عن الحالة الاجتماعية أو ما تضمنه مشروع التقرير الإديولوجي. وظل الرجل من أكبر المساهمين في الإنتاجات الفكرية والسياسية التي واكبت المحطات التنظيمية أو الانتخابية والوطنية أيضا، إلى جانب أسماء توارت لسبب أو لآخر من الواجهة الحزبية، كما الحال لأحمد الحليمي وحسن السرغيني وحسن الصبار وعبد القادر باينة وغيرهم كثير.

كان محمد جسوس أحد الفاعلين الأساسيين في لجنة الدراسات المنبثقة عن اللجنة الإدارية الوطنية التي تشكلت غداة قرارت 30 يوليوز 1972، وكانت من باكورات إنتاجاتها محاضرة تركيبية لتلك العروض التي كان يلقيها محمد جسوس في مقر الحزب بشارع تمارة. صدر في يناير 1973 كتيب تحت عنوان ” الحيف الاجتماعي والتقسيم الطبقي من خلال النفقات العائلية بالمغرب”، ( 15 صفحة )، وقدمت فيه قراءة للوضع في المغرب، وأثثت بأرقام، الشيء الذي ميزها عن الكتابات والنقاش الجاري آنذاك و الذي كانت موضته شحن النصوص بأكثر ما يمكن من المصطلحات والمفاهيم الماركسية. اكتشفنا حينها، ونحن صغار جدا، طبيعة التناقضات داخل المجتمع المغربي من خلال أرقام ومعدلات النفقات بالمغرب. في هذا الكتيب بنيت النتائج الاجتماعية والسياسية المتعلقة بنفقات واستهلاك العائلات بالمغرب على مدخلين، “ضآلة مستوى نفقات العائلات بالمغرب” و” الحيف الاجتماعي من خلال توزيع النفقات” الذي أبرز من خلال النفقات بين الأفراد وبين البادية والمدينة والإنفاق الأسري والفردي وبين المدن الكبيرة والصغيرة، وأن 50 % من العائلات الأكثر فقرا ( نصف سكان المغرب) تشارك ب 9،17% في مجموع النفقات في حين أن 10 % من العائلات تحصل على حوالي 35% من النفقات، وبينت الدراسة الفوارق على مستوى الطبقات الاجتماعية. إنه محمد جسوس الذي ترجم الوضع الاجتماعي في المغرب إلى معادلات رقمية، ساهمت في وضع أقدام التنظيم الاتحادي والاتحاديين على أرض الواقع المغربي.

في العام 2009، وأثناء الاحتفال بخمسينية الاتحاد، سلمته نصا سبق نشره سنة 1975 في نشرة للمكتب الإقليمي للشبيبة الاتحادية بالرباط، على الستانسيل، نشرات كان ورائها رجل آخر من مناضلي الظل اسمه با عمر. أخذ محمد جسوس نسخة النص، مسحه بعينيه، وابتسم قائلا: إييييه….
شكل محمد جسوس القادم من المدرسة الأمريكية قيمة جديدة لم نألفها في السبعينات، الإقناع عبر الأرقام وتبسيط اللغة، وفرضت مرحلة إقفال مقرات الحزب في أبريل من العام 1973 على المناضلين التحرك عبر التواصل الثقافي مع الشعب درءا لحملة الاعتقالات والمحاكمات المنصبة على الاتحاديين خلال مرحلة ” أحداث مولاي بوعزة” . محمد جسوس الذي يثير انتباه مجالسيه ليس فقط بلكنته الفاسية وكرم ابتساماته وطريقة حديثه، بل أيضا طريقة لباسه، سيما حين يضع القميص فوق ” التريكو”.

حين خرج الحزب من محنة الاعتقالات والمحاكمات في صيف 1974 ( بفضل ظهور قضية الصحراء) كان محمد كسوس ضمن أوائل من أعدوا مشاريع تقارير المؤتمر الاستثنائي، الذي تقرر عقده في اجتماع اللجنة المركزية في شتنبر 1974. أقر المؤتمر الاستثنائي 6 لجان، وأسندت إلى جسوس رئاسة اللجنة الخامسة المكلفة بالشؤون العربية والدولية، وكانت عائشة بلعربي مقررتها.

وعندما قرر الحزب، انطلاقا من ” استراتيجية النضال الديمقراطي” المساهمة فيما كان يطلق عليه حينها ” المسلسل الديمقراطي ” ، برز محمد جسوس في واجهة النضال الشعبي مؤطرا للاجتماعات الحزبية في الأحياء الشعبية بالرباط كدوار الدوم واليوسفية والمعاضيد والتقدم ويعقوب المنصور بدواويره المتعددة.
في حي دوار الدوم كان التنظيم مبنيا على ” الجماعة” وكان عدد أفرادها يصل في بعض الأحيان إلى الخمسين، ومن ضمنها “ساعيين لرحمة الله”، أحدهما مكفوف والآخر مقعد، وكان يصران على دفع ثمن بطاقتهما الحزبية رغم الحاجة. كان المكلف بجماعة دوار الدوم رجلا عز وجوده في ذلك الزمان فبالأحرى اليوم، إنه با امبارك، رمزا النقاء ونكران الذات، الرجل الذي قرر أن يجعل الحزب عائلته والاتحاديين أقربائه، وهو المحمول طفلا من إحدى قرى درعة، كما حكى لي، إلى حي التواركة، وهناك اكتشف النضال إثر نفي السلطان محمد بن يوسف. كان الجميع يناديه “ابا امبارك”، كانت مهنته ” كواي” ، وحين تبدأ الأنشطة الحزبية، يتوقف اليومي، ليبدأ المقدس، رغم حاجته الكبيرة اليومية إلى دراهم لصرف قوته اليومي البسيط، وتوفي الرجل في بداية التسعينات. كان ابا امبارك يحلل الوضع السياسي الوطني والدولي، وكان الجميع ينصت إليه، ومنهم محمد جسوس وعبد الرحيم بوعبيد وعمر بن جلون واليازغي. جسوس الذي أحب كثيرا ابا مبارك الذي كان يؤثث حديثه بالأمثال ولو الجريئة منها، كان جسوس يتأمله مبتسما، وابا امبارك الذي ألف الاعتقال ومناصرة المحاكمين في الستينات والسبعينات، كان يفاجئ التجمعات، في المقر الذي كانت السلطة تهدمه نهارا ويعيد بنائه ليلا، بالقول : ” نحن في الاتحاد لا نعرف سوى الاستشهاد أو السجن، ويحاول جسوس، انطلاقا من الأمثال أن يقنع اباامبارك بأن المقاربة الحزبية تغيرت، لكن قناعته كانت راسخة في محاربة الحكم المطلق و” البوازية” ( البورجوازية) وعلى ( الحسب ) الحزب أن يظل وفيا للمهدي والشهداء، ومع ذلك انخرط الرجل في الحملة الانتخابية المحلية في نونبر 1976 والتشريعية في ماي/يونيو 1977، حين كان الأمن يطارد ويعتقل من يساهم في حملة الاتحاديين، إنه زمن آخر. ورغم مشاركة ابا امبارك في كل المؤتمرات الحزبية ، تلخصت الحملة الانتخابية لديه وفي كل المحطات التي شارك فيها في الجملة التالية: “صوت على حزب المهدي بن بركة” كان ابا املارك سعيدا وهو يتحدث عن لقاءاته مع المهدي والأحاديث التي دارت بينهما.

كان محمد جسوس سعيدا أيضا بوجوده ونقاشه داخل هذه التنظيمات الشعبية، كان يقاسم الناس خبزهم وشايهم، فأحبه الناس جميعهم. كانت سعادته فائقة وهو يلج براكة من براريك دوار الدوم للالتقاء بالناس وتفسير القرارات والتوجهات الحزبية بالأمثلة والحكايات الشعبية.

ترشح محمد جسوس لانتخابات المجلس البلدي بالرباط وفاز الاتحاديون بالأغلبية المطلقة، فتشكل مكتب المجلس من عبد الوهاب ملين رئيسا ، ومن نوابه: محمد بوزبع وإدريس بنبركة وعبد الله المانوزي وعبد الواحد بنونة ومحمد جسوس، الذي شغل منصب النائب الخامس للرئيس، وعبد الله العثماني وعبد القادر باينه وعبد الرزاق المعداني وأحمد أبوه وحسن الصبار وحسن السرغيني الإدريسي.

ساهم جسوس بشكل فعال في “لجنة القطاعات المنتجة” وكان يقدم تقارير عن نشاط هذه اللجنة، غير أن اسم جسوس سيبرز بالخصوص في تحويل دوار الدوم من حي قصديري إلى حي منظم ، في وقت كانت السلطة تنوي نقلهم إلى هامش جغرافي جديد، وكان المشروع متكاملا كما كان يشرحه جسوس للناس، بخلق السكن وورشات عمل تتيح فرص الشغل للشباب، وكان يوصي الناس بتشكيل لجن لليقظة، لكن السلطة الوصية فعلت فعلتها في هذا الحي، وحاربت مشروع الاتحاديين، لأن هم السلطات الوصية تركز على محاصرة المشاريع الاتحادية ، رغبة في الحد من نفوذهم الجماهيري، ولم يكن مشروع دوار الدوم وما وقع له ، النموذج الوحيد، بل تعرضت محاولة لتيسير النقل بين الرباط وسلا باستخدام قطار بين محطتي المدينتين إلى الإجهاض من لدن “عمالة الرباط“، التي كانت رأس الحربة في الحرب الخفية على المشاريع الاتحادية. محمد جسوس تكلف بأزمة النقل في الرباط، فقدم في افتتاح الدورة العادية للمجلس البلدي ، دورة فبراير، دراسة حول مشكل النقل الحضري، وكان حينها السير في طرق مركز المدينة في اتجاهين، وقلب المرور بين أحياء الرباط. ذكر جسوس في مداخلته أمام المجلس أن عدد سكان الرباط بلغ 490 ألف نسمة، 70% منهم دخلهم يقل عن 600 درهم، و60 % من السكان ينتقلون مشيا على الأقدام و12% بواسطة دراجات عادية أو نارية، و12% بواسطة النقل العمومي و3%بواسطة النقل العمومي و14% بواسطة سيارات خاصة. وذكر جسوس بأن عدد حافلات وكالة النقل لا يتجاوز 130 حافلة، ولم يكن يغطي ولو 50% من حاجيات سكان الرباط. وبعد وضع مشكل النقل في سياقه الاقتصادي والمالي والاجتماعي، قدم جسوس مشاريع إجراءات منها إعادة النظر في شبكة النقل بأكملها، والتعجيل بحل مشكل باب الحد حيث تتجسد عرقلة المرور بكل أشكالها، وبناء قنطرة أو اثنتين على نهر أبي رقراق وإعادة تنظيم الطرق، وقد نشر قسم الإعلام والنشر لمجلس المدينة دراسة لمحمد جسوس حول ” مشكل النقل والسير في العاصمة” مؤرخة في 15 مارس 1978 ( 8 صفحات ) وهي عبارة عن استجواب أجرته جريدة المحرر مع محمد جسوس.
برز محمد جسوس على المستوى الوطني إبان الحملة الانتخابية التي جرت في ماي 1977، وانتهت بانتخابات يوم 3 يونيو، في سياق الإمساك القوي من لدن مهندسي الانتخابات آنذاك في رسم خريطة انتخابية متحكم فيها، وهي الانتخابات التي قال فيها عبد الرحيم بوعبيد ” المقاعد لاتهمنا ” و” لن نخسر إلا حسن نيتنا”، وكانت رسالة إلى من يهمه الأمر أن دخول الاتحاد إلى الانتخابات هدفه ” تعميق النضال الديمقراطي” وهو شعار الحملة الانتخابية حينها. اختار محمد جسوس في التجمعات التي كان يؤطرها الأسلوب البسيط المؤثث بالأمثال، مستعملا الجمل القصيرة والخطاب المباشر للناس في تجمعات كانت تفيض جنابتها بأبناء الشعب. في تلك الحملة اختار الرجل ” البراد” ليشرح للناس الاستغلال الطبقي والظلم في المغرب، قال في المغرب، و وأمام الناس، أي جهران هناك من يملك البراد والشاي والسكر والصينية والكيسان و”المجمر”، فيشرب كؤوس الشاي دون اعتبار لأحد ممن يحيطون به، وقد يعطي نصف كأس أو ربعها إلى من يجالسه، وهناك من يشرب بقايا الكؤوس، والأمر ( من المرارة) أن هناك من يكتفي برؤية الكؤوس فقط، وكان الناس يتفاعلون مع هذا التحليل، واستمر جسوس في الثمانينات في استدرار مصطلحات لتقريب الظاهرة من فهم الجميع، وأشهرها مصطلح ” التضبيع” و” أولاد عبد الواحد كلهم واحد”….
في يوم 3 يونيو 1977، تعرضت عملية التصويت إلى مجزرة في الرباط، طلبت السلطات من أعضاء المكاتب التصويت على المحاضر بيضاء، ومن رفض من أعضاء المكتب أو من ممثلي الاتحاد دخل مكاتب الاقتراع تعرض للتهديد بالاعتقال، والضرب ومنهم من أمضى زمنا في ردهات كوميساريات الرباط. في ذلك اليوم تم الاعتداء جسديا على محمد جسوس في التواركة الواقعة في قلب المشور الملكي، وذلك من لدن عميد شرطة، فلم يستسغ حضور وإصرار محمد جسوس على إجراء انتخابات نزيهة وشفافة وووو…..

ولكل زمن مقاسه وتحولاته، كان قدر جسوس في التسعينات ” تأطير” المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية، لكن الرجل تعب صحيا في زمن حزبي صعب، كان يضع المسافة بينه وبين الواجهات التي تعددت في التسعينيات، و بروزالمطامح الشخصية للعديد، وظهور قيم الانتفاع، و اختراقات جسم الاتحاد التي نجحت بالخصوص بعد التصويت بنعم، ولأول مرة في تاريخ الاتحاد، على مشروع دستور 1996، وتولية حكومة التناوب، وما تبعها من تفاعلات إن على المستوى التنظيمي أو السياسي، فابتعد محمد جسوس رويدا رويدا عن المشهد القيادي الحزبي.

داخل الاتحاد الاشتراكي تسود ثقافة غريبة، ثقافة الجحود، كثير ممن ” أبلوا البلاء الحسن” وقدموا تضحيات ، وسجنوا لسنوات طوال، أو حوصروا في قوت يومهم، أو تشتت عائلاتهم من أجل ما كان يقوله ابا امبارك عن أهداف ” الحسب”، كثير ممن هؤلاء خرجوا من الباب الخلفي للاتحاد ، بعضهم وقع فريسة مرض ، وبعض منهم استغل من منابر وجهات لتفتيت الاتحاد. كتبت في كل المحطات وطرحت مباشرة على بعض زعامات الحزب، أن يخلق( بضم الياء) إطار تنظيمي شرفي للزعامات الحزبية التي فضلت الانسحاب، أو تعبت، أو لم تعد تجد نفسها داخل ” منظومة القيم الجديدة “، إطار لتشريف من ساهم في بناء البيت الاتحادي منذ نشأته في 1959، مرورا بكل المحطات الجميلة منها والقاسية، لكن الحسابات التاكتيكية وأشياء أخرى منعت تحقيق هذه الفكرة، التي يقتسمها العديد ، لكن من باب : العين البصيرة، واليد قصيرة. وننتظر رحيل مناضل أو مناضلة لنؤبن ونذكر المناقب، علما أن هؤلاء هم هوية وذاكرة الاتحاد.